نظرات في مسيرة العمل الإسلامي

عمر عبيد حسنة

صفحة جزء
مواقف في غزوة الأحزاب

( وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين ) (آل عمران: 159)

هذه مواقف مختارة من غزوة الأحزاب . ليس المطلوب لها الاستقصاء التاريخي، ذلك أن سير الحوادث التاريخية متوفر في مظانه من كتب التاريخ والسير والمغازي، وإنما هـي محاولة لقراءة معاصرة لبعض قضايا هـذه الغزوة من خلال المعاناة التي يعيشها الجيل المسلم اليوم، مساهمة منا في تصويب المسار، والسعي وراء تأصيل بعض المفهومات التي كادت تغيب عن حياة المسلمين، أو تستغلق على شكل معين يمكن أن يكتشف بعض خطئه بإعادة المقايسة والمقارنة، والمسلم مطالب دائما بعملية المراجعة، وعملية المقايسة خشية أن يكون من الأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، فيضيع الأجر ويتبدد العمر، ويتخلف النصر في الدنيا، ونصاب بالعجز والانكسار، وقد لا نجد مهربا من ذلك إلا بإلقاء التبعة على الخارج، على الآخرين: الاستعمار وأعوان الاستعمار، لنعفي أنفسنا من المسئولية، ونحول دون ممارسة التصويب أو القدرة عليه، وقد ينسحب بعضنا من المجتمع لعدم القدرة على التعامل معه، [ ص: 71 ] ينسحب إلى الماضي، يفاخر فيه، ويطرب لإنجازاته، ولا يستطيع الاغتراف منه وإخصاب تصوره والعودة إلى مجتمعه بما يصلحه ويسدد خطاه، بل يكتفي بترديد شعارات لا تفسر ظاهرة اجتماعية وتدرس أسبابها، ولا تبدل موقعا إسلاميا إلى موقع آخر أكثر جدوى وفائدة للإسلام والمسلمين، ولا تستبدل وسيلة فاعلة بأخرى متخلفة..

والذي لا بد لنا من الاعتراف به ابتداء أن السيرة النبوية في حياة الناس - إلا من رحم الله - لا تعدو أن تكون فترة زمنية أو حلقة تاريخية انتهت بأشخاصها وأحداثها، غير قادرة على تقديم الأطر والقواعد لمشكلات الإنسان المعاصر، سواء في ذلك من يتنكر بقوله وعمله أم من يسلك مسلكا آخر ممن ينتصر لها عاطفيا ويبقى عاجزا عن تحقيق النقلة، وتعدية الرؤية، وحسن البصارة لمواطن الخطأ والصواب؛ تبقى النتيجة واحدة، ولا يختلف الفريقان إلا بالعناوين، وقد يكون أحد الفريقين سقط في مخادعة نفسه ومخادعة الناس، وكان موقفه العاجز دليل فشل مقولته، وجاء واقعه مخالفا لشعاراته، لذلك فهو يساهم مساهمة سلبية في إجهاض الرؤية الإسلامية، ويكون حاجزا سميكا بين الناس وبين هـذا الإسلام العظيم، وقد لا يكون المطلوب من مسلم اليوم أن يكون قادرا من خلال رصيده التاريخي وتراثه الثقافي وقيمه الأصلية في الكتاب والسنة، قد لا يكون المطلوب منه فقط القدرة على (التفسير) للحوادث المعاصرة، وإنما تجاوز ذلك إلى (التغيير) ودقة تحديد موقعه الفاعل، لأن (التفسير) هـنا هـو مقدمة لـ (التغيير) وكفاية لمسلمي اليوم الوقوف عند عتبة المقدمات وعدم تجاوزها إلى النتائج.. فهل نستطيع في هـذه العجالة إثارة الذهن المسلم تجاه بعض المواقع والمرتكزات التي لا نزال نشهد آثارها، ولا تزال تتكرر في عالم المسلمين من خلال بعض المواقف التي نعرض لها في غزوة الأحزاب ؟ [ ص: 72 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية