نظرات في مسيرة العمل الإسلامي

عمر عبيد حسنة

صفحة جزء
مفهومات بحاجة إلى مراجعة

( ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا ) (النساء: 66)

إن نهوض المسلمين وتقدمهم، وردم فجوة السقوط الحضاري التي يعانون منها، واختصار فترة التخلف التي ما تزال تتسع بشكل رعيب، مرهون إلى حد بعيد بإعادة فهمهم للإسلام، وإدانة الكثير من المفهومات التي استغلقت في أذهانهم، وأظلوها بمظلة الإسلام، فأورثت الكثير من التواكل، والعجز، والقعود، وانطفاء الفاعلية، والنكوص عن إدراك شروط النهضة، وفهم سنن الله في الآفاق والأنفس، وحسن تسخيرها وكيفية التعامل معها، وتسييرها دافعة عجلة الحضارة، مؤدية وظيفة عمارة الأرض على الصورة التي أرادها الله: كما أورثت تمزيق الرؤية الإسلامية الشاملة، وتقطيعها إلى أبعاض وتفاريق، يعيشها مسلم اليوم عاجزا عن النظرة الكلية الشاملة، الأمر الذي أفقده التوازن النفسي، الذي يمكنه من وضع الأمور في نصابها وإعطائها ما تستحق من الحيز والمكانة في سلم الحياة الاجتماعية، ذلك أن فقدان التوازن النفسي يقود بالتالي [ ص: 119 ] إلى ما هـو أخطر، يقود إلى عملية الانكسار أمام المجتمعات والمبادئ غير الإسلامية، وعدم القدرة على التعامل معها، ومن ثم هـدايتها، فيكون الانسحاب من المجتمع وتكون السلبية وبعض الممارسات الخاطئة، والانخداع بأن هـذا هـو الفهم السوي، الذي لا فهم سواه ولا يعدم صاحب هـذه النظرة الجزئية القاصرة عن الرؤية الشاملة العاجزة عن الإدراك الكامل، أن يجد بعض الآيات التي يقطعها عن سياقها، ويجردها، عن أسباب نزولها، يبرر بها موقفه، ويسوغ سلوكه، وقد يحدث الوجه الآخر لفقدان حالة التوازن النفسي والاجتماعي، بسبب من النظرة الجزئية هـذه، ويحدث الذوبان في المجتمع، وإعلان العجز، وافتقاد القدرة على التغيير، وانطفاء الفاعلية، والاستسلام للواقع، باسم الواقعية ورفع شعار: (إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون) .. ويذهب في تفسير القدر إلى صور ما أنزل الله بها من سلطان، صور تغتال العمل، وتقتل الأمل، وتعطل موازين الثواب والعقاب، وتسوي بين المجاهد والقاعد، فالواقع على عوجه وفجوره لا يخرج في نظره عن أن يكون قدرا من الله، لا يجوز مواجهته وتغييره، وأن أية محاولة في هـذا السبيل تعتبر محاربة لقدر الله، ولو أراد الله غير هـذا لبدل الواقع!!

يرى أنه لا يخرج عن كونه ريشة في مهب الريح، هـكذا بهذه البساطة وهذا التصور المحزن، وهذا الفهم العليل يضرب بفهم الرسول القدوة صلى الله عليه وسلم للقرآن، وبسنته العملية في البيان، وبكل الإنجازات الحضارية التي قدمها المسلمون، على مختلف الأصعدة والمستويات، عرض الحائط، ليصبح فهمه هـو للإسلام الذي تشكل من خلال مكوناته النفسية، وإمكاناته العقلية، وثقافته الجزئية، وظروفه الاجتماعية، هـو الحجة، وهو البنية ولو أدى ذلك إلى التعسف في تفسير الآيات وفهم الأحاديث وتطويعها لتوافق هـواه..

التالي السابق


الخدمات العلمية