صفحة جزء
موقف علماء المسلمين من منهج البحث الغربي الآن

إن هـذا كله يقتضي من العلماء المسلمين أن يراجعوا موقفهم من منهج البحث الغربي فلا يستسلمون أمامه، ولا يعتبرونه مجرد منهج محايد، وذلك للمؤثرات الفكرية التي أحاطت به، فالإلحاد لن يسمح بالكلام عن المشيئة الإلهية، بل سيلغي مدلول قوله تعالى: ( كن فيكون ) ، كما أن المادية لن تسمح بتقويم الدين وآثاره الروحية والخلقية، وكذلك فإن روح الاستعلاء تمنع التقويم الموضوعي.

إن الإفادة من منهج البحث الغربي ينبغي أن تتم بعد إعادته إلى أصوله الإسلامية وتحكيمها فيه، وتقويم انحرافاته من خلالها.. أو بتعبير آخر لا بد لنا من العودة إلى منهج البحث الإسلامي الأصيل، وتطويره مستفيدين من منهج البحث الغربي فيما يندرج تحت قواعد الإسلام ومنهجه. [ ص: 68 ]

إن منهج البحث العلمي الإسلامي يرتكز على الإيمان بالله وعالم الغيب والشهادة، ويقر الإرادة الإلهية، ويعترف بالجوانب الروحية في الإنسان، ويقوم على الموازنة بين المؤثرات الروحية والاقتصادية والمناخية والحضارية دون أن يلتزم بعدا واحدا.

وهو بعد ذلك يراعي الفطرة، والغرائز، ويتسم بالموضوعية والبعد عن العصبية والاستعلاء العنصري، وهذه السمات تميزه عن منهج البحث الغربي، وتجعله يتفوق عليه.

إن الدعوة إلى إحياء المنهج الإسلامي في البحث العلمي لا بد أن تلقى صدى طيبا لدى الباحثين المسلمين، ولذلك يكونون ورثة للأنبياء كما في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : ( وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم )

[ رواه أبو داود والترمذي ]، و ( من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة ) [ رواه مسلم ].

(ج ) نحو منطق إسلامي حديث:

ولنأخذ جانبا آخر يتعلق بحياتنا الثقافية، ما هـي نظرية المعرفة التي ينبغي أن تسود في حياتنا الفكرية المعاصرة؟

هل نخضع للتصور الغربي المحدود والذي يولد الثنائية في حياتنا؛ فنصبح علميين علمانيين في الجامعات ومؤمنين متدينين في الجوامع؟

كيف نخلص من الازدواجية والفصام في حياتنا الفكرية؟

لا يمكن أن ننكر أثر الضوابط العقلية الكلية، والنظرة الشاملة إلى [ ص: 69 ] الأشياء والأحداث في ترشيد الحركة العلمية والفنون الصناعية، إذ لا بد أن تتقدم النظرية: الكشف عن الجديد والوصول إلى حقائق المعرفة.

وقد وضع أرسطو وفلاسفة اليونان المنطق الصوري لضبط مسار الفكر ضمن إطار الفلسفة اليونانية ذات الطابع الوثني والمادي.

وأقام المسلمون حضارتهم في العصور الذهبية ضمن إطار تصوري وعقلي استمدوه من الكتاب والسنة، وتبلور بشكل قواعد عقلية استخدمها النظار والفقهاء والأصوليون، وانحرف بها بعض من عرفوا بـ " فلاسفة الإسلام " كـ " الفارابي " و " ابن سينا " و " ابن رشد " الذين اغترفوا من فلسفة اليونان ومنطقهم أكثر مما استمدوا من القرآن والسنة.. ولكن المنهج العقلي للفقهاء والأصوليين استمر ينمو حتى عصر ابن تيمية الذي قام بحركة نقدية رائعة لتصحيح مسيرة الفكر الإسلامي؛ مستهدفا تخليصه من انحرافات الفلاسفة والمتكلمين؛ رادا قواعده العقلية إلى الكتاب والسنة، لكنه لم يمتنع من الإفادة من أية قاعدة عقلية لا تخالفهما أيا كان قائلها، فالإسلام دين الفطرة، والعقل وقواعده من الفطرة، وما أنتجه العقل لتنظيم الفكر يمكن أن ينضوي كثير منه تحت إطار التصور الإسلامي الذي يحدده القرآن والسنة؛ بحيث يشكلان سياجا لحماية الفكر من الانحراف عن الفطرة.

وبالتالي فنحن بحاجة إلى استحياء التراث لتكوين المنظومة العقلية لمنهجنا الفكري؛ مستمدين ذلك من الكتاب والسنة ومناهج الأصوليين والفقهاء.. [ ص: 70 ]

إن إيجاد هـذه المنظومة البديلة لعلم المنطق صارت ضرورة حتمية؛ للتلازم الواضح بين المنطق والتكنولوجيا المعاصرة، ويبرز ذلك بوضوح في العقول الإلكترونية التي لا يمكن أن تعمل دون منظومة عقلية فعالة.

إن رفض المنطق الغربي بسبب عوارضه الوثنية وجذوره المادية وتفلته من السياج الديني يحتاج إلى منظومة عقلية بديله، وأحسب أن أساسها موجود في التراث متمثلا بصورة خاصة في أصول الفقه، وفي منهج الفقهاء، خاصة ابن تيمية في (نقض المنطق ) ، و (الرد على المنطقيين ) ، و (مجموعة الفتاوى ) .

والحق أننا بحاجة في هـذا الوقت إلى ابن تيمية القرن الخامس عشر الهجري يصوغ لنا المنظومة العقلية الإسلامية. [ ص: 71 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية