المسلمون في السنغال (معالم الحاضر وآفاق المستقبل)

عبد القادر محمد سيلا

صفحة جزء
المناعـة الذاتيـة للغـة العربيـة

نظرا لهذا المركز الهام للغة العربية، فإن جميع أنواع التهم وجهت إليها، وتعرضت لمختلف الضغوط، وكان المستعرب مبعدا عن الوظيفة العمومية؛ لأن هـذه محصورة في أولئك الذين يتقنون لغة المستعمر، وبلغ من مضايقة العربية والاستخفاف بها أن طبع على عقول الناس الاعتقاد بأن التعليم الفرنسي هـو الطريق الوحيد إلى السلطة والثقافة الحديثة، والتفنن في العيش، والتوسع في المعرفة والعلم وأسرار الحياة، والمستوى الاقتصادي الرفيع، ونجم عن هـذه الأفكار الخاطئة أن أصبح الناس في السنغال منقسمين إلى فئتين: أذكياء وأغبياء؛ أناس ينتمون إلى الصفوة، وآخرين إلى العامة، يتعلم الأذكياء الفرنسية، [ ص: 148 ] وينهجون نمط الحياة الأوروبي، ولا يتعلم العربية إلا الأغبياء!

ولولا أن اللغة العربية تتمتع بمناعة ذاتية ساعدتها على مقاومة التحديات والبقاء صامدة وشامخة أمام العوامل العاتية والمعادية لانقرضت وتلاشت وصارت في خبر كان.

وفي الحقيقة، كان وراء صمودها مظلة الإسلام التي ما برحت تحميها من كل غارة غادرة، ودمار محقق، بل تجاوز دور الدين الإسلامي من مجرد حماية لها إلى مهمة الريادة في هـذا الميدان، إذ كلما عثر على مرتع خصب هـداها إليه، ثم لا يفتأ يكلؤها ويرعاها ويتعهدها حتى تترعرع وتثبت قدماها وتستكمل قواها ومقوماتها، وتصبح مؤهلة للتصدي لهجمات أعدائها.

وبخصوص السنغال ، جاءت اللغة العربية من موريتانيا حيث كان يرسل المسلمون أبناءهم لحفظ القرآن الكريم والتبحر في لغة الضاد.

ومرت حركة الاستعراب بثلاث مراحل أساسية:

· مرحـلة ما قبل الاستعمار الفرنسي.

· مرحـلة فترة الاستعمار

· مرحـلة ما بعد الاستقلال السياسي.

ويدخل ضمن فترة ما قبل الاستعمار تلك التي تستغرق بداية ظهور الإسلام في المنطقة، حوالي القرن الحادي عشر الميلادي إلى منتصف القرن التاسع عشر، فهذه الفترة شهدت الهيمنة التامة للعربية في الثقافة السنغالية، ومما ساعدها أنها كانت اللغة السائدة في ذلك العهد في دنيا التجارة والديبلوماسية في مناطق عديدة من العالم.

وفي العهد الاستعماري سجلت العربية نوعا من التراجع أمام اللغة الفرنسية لما نالته هـذه الأخيرة من تشجيع، ومن جراء استمرار الإدارة [ ص: 149 ] الاستعمارية في سياسة التذويب والاحتواء، إلى أن نجحت قبل رحيلها في إبعاد العربية عن التعليم الرسمي، والتقليل من أهمية حركة الاستعراب، وعلى إثر الحرب العالمية الثانية بدأ الاستعمار يرخي من شدة خناقه للحركة ليتداعى نهائيا مع بزوغ شمس الاستقلال.

ويحسن بنا لفت النظر هـنا إلى أن الشيخ الحاج مالك سي -نقلا عن مصدر موثوق به- فكر يوما في ابتعاث جماعة من تلامذته لتكميل دراسته الإسلامية العربية لدى الناطقين بالعربية، ولكن المشروع لم ير النور؛ بيد أن الفكرة بحد ذاتها تعد حدثا تاريخيا هـاما؛ ويؤيد ما نعتقده أن حركة الاستعراب امتداد لحركة الشيوخ وتطور طبيعي لها، وحسب التعابير المتحذلقة المستحدثة: الشيوخ يمينيون والمستعربون يساريون داخل هـيئة واحدة، فهم جميعا من طينة واحدة، وأكثر من ذلك فإن معظم المستعربين ينتمون إلى الأسر المشيخية، وإن كان لا ينتسب إلى أسر الزعامات الطرقية الكبيرة مباشرة إلا عدد عليل منهم؛ ومن هـنا يكمن -على ما يبدو- سر بعض التنافر وسوء التفاهم بين الجماعتين كما سنرى.

وفي نهاية الأربعينيات إلى منتصف الستينيات كان ينهض الأفراد بتكاليف السفر بأنفسهم، يتوجهون جماعات ووحدانا إلى المغرب والمشرق العربيين للدراسة على حسابهم الخاص، وقلما يستفيدون من دعم أي بلد، حتى إن بلدية مدينة داكار قد ذمت بعض المنح لدراسة سنغالي نصراني في البرلمان الفرنسي، وكان ذلك قبل استقلال الجزائر .

ويعد الحاج " محمود با " من الطلائع الأولى التي نجحت في اختراق [ ص: 150 ] الرداء الحديدي الاستعماري، فحج بيت الله الحرام، ثم انتسب إلى مدرسة الفلاح بمكة المكرمة ، ولدى عودته ابتنى مدارس عربية في عدد من مدن السنغال وموريتانيا ومالي ، وحينما اجتمع لديه عدد كبير من الطلبة أرسل بعضهم إلى القاهرة بهدف مواصلة الدراسة هـناك؛ وما إن علمت الإدارة الاستعمارية بذلك حتى وجهت أمرا بإعادة الطلاب فورا، ولم تكتف بالتهديد بل حرشت أولياء التلاميذ على الحاج محمود، وزعمت ان أفلاذ أكبادهم معرضون للبيع في أسواق النخاسة في الشرق الإسلامي، مما اضطر الحاج محمود إلى إعادة المبتعثين وسحبهم من الأزهر الشريف.

ثم جاءت بعد الحاج محمود أفواج تمكنت من الإفلات من قبضة إدارة الاحتلال التي أظهرت نوعا من التراخي، وخففت من حدة حنقها على الحركة الاستعرابية، وذلك بعدما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، وبقصد تحويل أنظار الراغبين في الاستزادة من العلم في الأقطار العربية المستقلة وقطع الطريق أمام التيارات الإسلامية الفائرة، مثل: الجامعة الإسلامية، أقدمت الإدارة الأجنبية على إنشاء معهد إسلامي ببلدة ( بوتلميت ) بموريتانيا ليحول دون توجه الطلاب إلى الجامعات المتطورة والمتواجدة في الدول العربية المستقلة، لكن كانت النتيجة خلاف ما توقعته، حيث أصبح هـذا المعهد مرحلة يتخرج فيه الطلبة ليواصلوا سيرهم نحو العالم العربي الإسلامي المتحرر في ذلك العهد >[1] . [ ص: 151 ]

ولما استقل السنغال سنة 1960م لم تكتف حكومته بالسماح للمستعربين بالخروج إلى حيث يدرسون، بل ساهمت في جهود التعليم العربي الإسلامي، وذلك بإدخال مادة اللغة العربية في المدارس الابتدائية -وإن ظلت مادة هـامشية لكونها اختيارية، وتأتي حصتها بعد الدوام العادي- ثم جاءت أحداث سفارة السنغال بالرباط سنة 1963م فاحتل خمسة وتسعون طالبا سنغاليا السفارة، واشتبكوا مع قوات الأمن المغربية اشتباكا عنيفا، وكان الطلبة يطالبون بالمنح الدراسية، ونجحت حركتهم فاضطرت الحكومة السنغالية إلى تقديم منح دراسية لبعضهم.

على أن حصول البلاد على استقلالها، وحدوث بعض التطور لصالح اللغة العربية لا يعني أن محنة التعليم العربي الإسلامي قد انتهت، بل ظل المسلمون يشتكون من ضيق نطاق التعليم الإسلامي، وقد بلغ الأمر إلى حد التبرم والتنديد العلني: (وبعد أن اتحدت البواعث، واتفقت الآراء، فما بقي علينا إلا أن نقوم جميعا حالا بالواجب الملقى على عواتقنا، وأول هـذا الواجب هـو أن نطلب نحن جميعا من حكومتنا إنشاء مدارس كافية لتعليم أبناء الأديان علومهم الصحيحة، وعلى أستاذنا الذي هـو رئيسنا ... أن يعرف كيف ينظم التعليم لكل طائفة مع اختلاف وجوهها وعدد أتباعها ... وفوق هـذا كله، من واجبه الأكيد أن يسهر على تربية الشعب السنغالي حسب الديمقراطية ... وأعني الديمقراطية الصحيحة الصادقة منها التي تكون واسعة، يتسع صدرها لجميع العقائد والملل ) ويستمر " انجك " في تأنيبه بهدوء واتزان إلى أن تثور ثائرته فيخاطب " سنغور " رئيس الدولة يومذاك، بلهجة ملؤها اليأس والأسى والحسرة والكآبة: " لا نطلب أيها الأستاذ الكريم، أكثر من تحقيق ما جاء في الجملة الخيرة في هـذه الفقرة في مقالتك، لأنه لو جرى العمل [ ص: 152 ] بهذه الجملة لنلنا مطالبنا التي هـي إنشاء مدارس عربية دينية لأبنائنا من طرف الحكومة دون عناء أو إلحاح في الطلب " >[2] .

كلام الأستاذ " انجك " في غنى عن التعليق بخصوص محنة التعليم الإسلامي العربي بالسنغال، ولا أدل على ذلك من وضع اللغة العربية في قائمة اللغات الميتة -الإغريقية واللاتينية - وكأنها لغة لا ينطق بها أحد، فيما اعترفت بها هـيئة الأمم المتحدة كإحدى اللغات المتداولة في مختلف تنظيماتها بما فيها اليونسكو فضلا عن أن أكثر من ثماني عشر دولة تتخذها لغة رسمية، ولكي تضع الحكومة السنغالية حدا لأي أمل في تطوير العربية صدر بيان رسمي عن المجلس الوزاري الذي انعقد في (17) يونيو [حزيران ] 1963م، برئاسة الرئيس السابق " سنغور " تم خلاله تحديد مجال التعليم الإسلامي العربي بالسنغال كما يأتي:

1- يجب أن يكون التعليم -أي: الإسلامي العربي- فرنسيا/عربيا، ولا ينبغي أن ينقطع عن التعليم العام.

2- ولا يجب أن يكون إلزاميا، كما أنه ليس إلزاميا في تركيا ، وإيران ، وإندونيسيا ، بل يكون اختياريا حسب رغبة وحرية اختيار الأسر.

3- ولا يجب أن تترك العربية للمغامرة، وبعبارة أخرى: لا بد من عقلنتها.

وأنكى من ذلك كله أن لغات كالإسبانية وحتى البرتغالية تحظى باهتمام [ ص: 153 ] لا تناله العربية مما دفع الأستاذ ( بير فوجيرولاس FOUGEUROLAS ) إلى القول بأن: " ما يتعلق بالمواد المقررة، فتدرس الإسبانية مع شيء من الإسراف مع تفاهة فائدتها لأفريقيا، وتدرس العربية قليلا نسبيا وحتى الإنجليزية نفسها مع أن لهما نفعا كبيرا " >[3] ومما يفند مزاعم أعداء التعليم الإسلامي العربي نتائج مسح اجتماعي كانت الحكومة السنغالية قامت به سنة 1960م إذ تبين أن حوالي 25% من سكان الريف يتقنون القراءة والكتابة بالحروف العربية، في حين أن 3% فقط من السكان يحسنون القراءة والكتابة بالحروف اللاتينية. وهذه النسبة المتميزة للعربية يمكن أن تساعد على محاربة الأمية، ولكن الحملة ضد العربية وتعليمها تتخذ أحيانا أبعادا مأساوية تستهدف الإسلام نفسه، بدرجة أن بعض مناوئيها اعتبروها لغة استعمارية إمبريالية ؛ وأثير نقاش حاد في جريدة (الشمس ) شبه الرسمية تحت عنوان: " يجب تجريد الإسلام من العربية " دعا أصحاب هـذه الفكرة إلى إحياء الشعائر الدينية باللغة الفرنسية أو باللغات المحلية، لأنها لغات مفهومة، حيث تعد النصرانية أنموذجا في هـذا المجال، فكتب أحدهم: " انظروا بعض الوقت إلى النصرانية التي يعتنقها ألمانيون وفرنسيون وبريطانيون ... فكل شعب من هـذه الشعوب يستعمل لغته المحلية لممارسة دينه " ، ويمضي الكاتب في تضليله " ... أجد أن العرب قد استعمروا ثقافيا بواسطة الإسلام؛ ويتحتم علينا أن نكافح حتى يختفي هـذا الاستعمار " ، وأغرب شيء في هـذه الدعوات وأمثالها أنها تدعونا إلى نبذ العربية باعتبارها لغة أجنبية، لكن في الوقت ذاته لا يلتمسون بديلها في اللغات [ ص: 154 ] المحلية، وإنما يحثون على الالتفاف حول اللغة الفرنسية؛ يا لها من مغالطة‍‍‍‍‍!!!

يضاف إلى ما سبق كله أن تطور التعليم الإسلامي العربي منوط إلى حد بعيد بما يمكن أن يقدمه للمثقف بالعربية في بلد غير ناطق بهذه اللغة من فوائد ليست بالضرورة روحية صرفة، إذ من المؤكد أنه إذا استمر الوضع على النمط الذي هـو عليه حاليا فسوف يقل في المدى البعيد الاهتمام بهذه اللغة، ولعل تجويع حاملي الشهادات من المعاهد العربية سياسة ناجعة في إماتة التعليم الإسلامي في السنغال.

نرجو ألا يعتقد القراء أننا ندافع عن هـذه اللغة بسبب استلاب ثقافي، شأن الناطقين بالفرنسية، فنحن بحكم ماضينا وحاضرنا، نرى أن من الشطط التنكر للعربية، والواجب يقتضينا أن نقوم بتعرية سذاجة أولئك الذين يحاربون لغة القرآن ليبنوا على أنقاضها الفرنسية؛ ويزعمون أن البلاد ما تخلفت إلا لانتشار الإسلام بين أهلها، وأن هـذه الحالة مستمرة ما داموا متمسكين بهذا الدين، وكأن التنصر والتنكر للديانة الإسلامية من شأنه أن يحول السنغال بحركة سحرية إلى بلد غني متطور‍‍!!

في الواقع هـذا البلد بحاجة، في اللحظة التاريخية هـذه، ليس إلى محاربة الإسلام، وإنما إلى شيء آخر يتجسم فيه جل مشاكلنا -أو مشاكل العالم الثالث كله بصفة عامة- وهو تنظيف دماغ الإنسان السنغالي مما ترسب فيه من مظاهر الاستلاب الثقافي، وإعادة الثقة إلى نفسه، تلك مهمة صعبة وشاقة يتملص منها محترفو ( التقدمية ) لأنها تتطلب البداية بهم؛ ولقد أصاب ( غي دي كار GUY DE CAR ) حينما قال على لسان أحد أبطاله: " إنهم -أعني: المتعلمين الأفريقيين- من الوصوليين الذين كانوا قد استعدوا مسبقا ليؤدوا في أفريقيا دور الرجال الذين حسبوا [ ص: 155 ] أنفسهم متطورين ومهيئين للقيادة لأنهم يعرفون لغة أخرى غير اللغات المحلية " >[4]

التالي السابق


الخدمات العلمية