البنوك الإسلامية بين الحرية والتنظيم (التقليد والاجتهاد - النظرية والتطبيق)

الدكتور / جمال الدين عطية

صفحة جزء
المبحث الثاني: المرابحة

بيع المرابحة في الفقه أحد أنواع بيوع الأمانة؛ حيث يكشف البائع للمشتري عن تكلفة المبيع ويتم الاتفاق بينهما على إضافة ربح محدد إلى هـذه التكلفة؛ فيكون بيع المرابحة، أو يبيعه بالتكلفة فيكون بيع التولية ، أو يبيعه أقل من التكلفة بقدر معين يتفق عليه فيكون بيع الوضيعة ، ويقابل هـذه الأنواع الثلاثة بيع المساومة ؛ حيث لا يكشف البائع للمشتري عن تكلفة المبيع ويتساومان على سعر البيع؛ ومن هـنا كانت التسمية.

وبيع المرابحة بهذه الصفة يمكن أن يكون بالنقد كما يمكن أن يكون بالأجل.

أولا: وقد اتجهت البنوك الإسلامية إلى ممارسة بيع المرابحة بالأجل، وحتى لا تشتري البضاعة وتكسد لديها فلا تجد لها مشتريا، فقد ركزت على شراء البضاعة لمن يطلبها، واستحدث الدكتور سامي حمود في رسالته للدكتوراه (عن تطوير النظم المصرفية لتتفق مع الشريعة الإسلامية) تسمية هـذه العملية بيع المرابحة للآمر بالشراء، واعتمد في إجازته لها على نص للإمام الشافعي في كتابه الأم.

وحين كثر تعامل البنوك الإسلامية بهذه الصيغة أثير حولها بعض التساؤلات: ما هـو تكييفها الشرعي؟ وهل يبيع البنك البضاعة لعميله قبل أن يتملكها فيكون قد باع ما لا يملك؛ وهو محرم؟

فقيل إن البنك يرتبط مع عميله بوعد بالبيع والشراء، وحين يتسلم البضاعة يقوم ببيعها إلى العميل تنفيذا للوعد.

وهنا طرح السؤال: وماذا لو رفض العميل تنفيذ وعده؟ ماذا يكون مصير [ ص: 113 ] البضاعة والبنك ليس مؤهلا للاتجار في الأصناف والسلع الكافية؟

فقيل إن الوعد ملزم على رأي لابن شبرمة – من المذهب المالكي – إذا دخل الموعود له في تكلفة بسبب الوعد، ورد آخرون بأن الرأي الغالب أن الوعد ملزم ديانة لا قضاء، وحمي وطيس هـذه المعركة الفقهية حتى احتلت مكان الصدارة من أعمال المؤتمر الثاني للمصرف الإسلامي الذي عقد في الكويت ، وانتهى الرأي بشأنها إلى أن البنوك بالخيار؛ من شاء أخذ بإلزامية الوعد، ومن شاء لم يأخذ بها؛ وحينئذ عليه أن يتحرز في عدم التعامل إلا في الأصناف التي يمكن له تصريفها إذ عدل طلابها عن شرائها. وانعكس هـذا التخريج الفقهي في النماذج التي تستعملها البنوك الإسلامية عند فتح الاعتمادات المستندية، حيث يوقع العميل طلبا بالشراء يوضح مواصفات البضاعة وثمنها ووعدا منه بشرائها؛ ثم عند ورود البضاعة يحرر عقد البيع بشروطه.

أما في معاملات البنوك الإسلامية مع وكلائها ومراسيلها في الخارج فالوعد ملزم، والصيغة المستعملة هـي أنموذج الاعتمادات المستندية المقررة من قبل غرفة التجارية الدولية.

ويسترعي الانتباه في هـذه القضية عدة أمور:

1 – إن عملية الاعتماد المستندية عملية واحدة مرتبطة تطورت إليها الأعراف التجارية ضمانا لحقوق البائع والمشتري؛ حيث تتوسط البنوك بينهما فتضمن للمشتري تنفيذ شروطه بخصوص المبيع، وتضمن للبائع دفع الثمن إذا شحن البضاعة بمواصفاتها المتفق عليها، فهي عملية واحدة مرتبطة ومصممة لتحقيق مصالح المتعاقدين، وأحكامها منظمة باتفاقيات وترتيبات دولية تشرف عليها غرفة التجارة الدولية، وتنظمها القوانين التجارية المحلية.

فكان الأولى أن ينظر إليها على أنها واحدة بدلا من تقطيع أوصالها وتحليل أجزائها إلى عقود مختلفة:

* وعد من العميل بالشراء، ومن البنك بالبيع.

* توكيل من البنك لمراسله بطلب البضاعة وكفالة دفع الثمن.

* بيع البائع البضاعة إلى البنك ممثلا بمراسله. [ ص: 114 ]

* بيع البنك البضاعة إلى العميل.

فالعبرة بنية المتعاقدين التي انصرفت إلى إبرام عقد واحد، وما هـذه الأجزاء إلا شروط والتزامات ومراحل داخل نطاق العقد الواحد.

2 – إن محاولة تصحيح العملية وإيجاد مخرج لها قد دفع إلى ما يسمى التلفيق بين المذاهب، إذ أخذ في إباحة العملية ابتداء برأي للإمام الشافعي ثم أكمل انتهاء برأي مرجوح من المذهب المالكي ، وعملية التلفيق كما هـو معروف في أصول الفقه غير جائزة؛ إذا قصد بها أخذ الرأي السهل من كل مذهب، كما أنه لا يجوز الأخذ بالرأي المرجوح إلا بواسطة ولي الأمر؛ إذ يصبح الرأي المرجوح راجحا إذا اختاره ولي الأمر.

3 – إن عنق الزجاجة – الذي دعا إلى تقطيع أوصال العملية وإدخال عنصر الوعد والبحث عن رأي مرجوح بإلزاميته – يكمن في مسألة ((بيع ما لا يملك))، وسيتضح من بحث هـذه المسألة في الفصل الثاني من هـذا الباب أن المبيع إذا كان موصوفا مضمونا في ذمة المشتري كان كالحاضر المقبوض (كما قال الشوكاني في ((نيل الأوطار)) وابن القيم في ((إعلام الموقعين))) وإن علة التحريم في بيع المرء ما ليس عنده، وبيع الإنسان ما لا يملك، وفي البيع قبل القبض، وفي بيع المعدوم، وفي بيع الدين إلى غير المدين إنما تدور حول إمكان تسليم محل العقد، فإذا أمنت الجهالة المفضية إلى النزاع بتحديد دقيق لمواصفات المبيع – وهو ما تتضمنه شروط الاعتماد المستندي وما يسبقه ويتبعه من مستندات مع إشراف البنوك ووكلائها على العملية للتحقق من توافر هـذه الشروط – تضاءل عنصر الجهالة إلى أقل مما في بيع السلم الذي أجيز فيما هـو موصوف في الذمة منضبط الصفات.

ثانيا: امتد استعمال البنوك الإسلامية لعقد المرابحة من السوق المحلية لتمويل المستوردين إلى السوق العالمية؛ حيث تستثمر فوائض أموال البنوك الإسلامية:

ويتم تنفيذ عمليات السوق العالمية بواسطة البنوك التقليدية المراسلة التي [ ص: 115 ] عقدت معها البنوك الإسلامية ترتيبات في هـذا الخصوص في صورة اتفاقيات عامة تحدد إطار التعامل، وطريقة تنفيذ عملية المرابحة، والوثائق المطلوبة للتأكد من أن هـناك عملية شراء وبيع حقيقية وليست مجرد ستار لمعاملة ربوية.

ونظرا لأن أسواق السلع الدولية تتغير أسعارها بين لحظة وأخرى، وأن شراء السلعة ثم الانتظار فترة قبل بيعها قد يوقع البنك في خسارة كبيرة نتيجة تذبذب الأسعار، فقد سئل العلماء الشرعيون عما إذا كانت هـناك فترة زمنية معينة يلزم أن تبقى فيها البضاعة على ذمة المشتري قبل أن يقوم بإعادة بيعها، وكان الجواب بالنفي وأن لحظة واحدة يتحقق بها ضمان المالك كافية في هـذا الصدد، وبذلك تشتمل اتفاقيات البنوك الإسلامية مع مراسليها على البيع الفوري، ويتم ذلك بأن يرتب المراسل أو السمسار الذي يستخدمه لهذا الغرض البائع والمشتري ويقوم بإبرام الشراء والبيع في وقت واحد حتى لا يترك الموقف مفتوحا Open Position بما يعرض البنك الإسلامي لتذبذب الأسعار.

ويحقق البنك الإسلامي أرباحه من هـذه العملية بالفرق بين سعر الشراء نقدا وسعر البيع بأجل.

ثالثا: في ندوة ((البركة)) الأولى بالمدينة المنورة صدرت فتوى العلماء المشاركين بالندوة بجواز أن يوكل الشخص آخر في أن يشتري بضاعته ثم يبيعها إلى نفسه بالسعر الذي يتفقان عليه.

وبناء على هـذه الفتوى أصبح بإمكان البنك الإسلامي أن يوكل الشركة الراغبة في تمويل مشترياتها – سواء من الأسواق المحلية أو الأسواق العالمية – في شراء ما تريده أولا لحساب البنك الإسلامي نقدا، ثم تبيعه نيابة عن البنك إلى نفسها بالأجل بالسعر الذي يتفقان عليه.

ولعل الأمثلة قد أوضحت أن الموقف السلبي الجزئي الذي تعالج فيه كل معاملة فرعية – تحت ضغط حاجة التعامل إليها – بإيجاد ثوب فقهي لها من خزانة الفقه التقليدي لا تتغير معه طبيعة المعاملة بقدر ما يتغير اسمها حتى ترتبط بفصل أو مبحث وأحيانا بعبارة وردت في أحد كتب الفقه... [ ص: 116 ]

إن الذي تفهمه من إحياء الفقه الإسلامي أو تطبيق الشريعة الإسلامية ليس هـو عملية ربط خيط بين الواقع كما هـو والتراث كما هـو، وإنما هـو عملية إيجابية كلية ينفض فيها عن الشريعة غبار القرون لتعود لها حيويتها فتتمثل ما تجد موافقا من معاملات العصر وتبدع وتضيف وفق منهجها الخاص على النحو الذي سنبحثه في الفصل الثاني من هـذا الباب.

التالي السابق


الخدمات العلمية