البنوك الإسلامية بين الحرية والتنظيم (التقليد والاجتهاد - النظرية والتطبيق)

الدكتور / جمال الدين عطية

صفحة جزء
المبحث الثالث: الضمان

من أهم الخدمات المصرفية التي تقوم بها البنوك تقديم خطابات ضمان لعملائها لتسهيل أعمالهم مع الحكومات والشركات إذ تشترط هـذه لمن يتقدم إليها بعروض في عملياتها المختلفة تقديم خطاب ضمان يمثل 2% مثلا من قيمة العملية تأكيدا لجديته، واستبعادا لغير القادرين، وفي حالة الاتفاق تزاد قيمة خطاب الضمان إلى 10% مثلا من قيمة العملية لتغطية التزامه بتنفيذ العملية، ويمتد إلى فترة الضمان التي تكون عادة لمدة سنة بعد انتهاء التنفيذ.

ولا يلزم أن يكون الضمان في صورة خطاب من البنك، إذ يمكن نظريا إيداع القيمة نقدا لدى الجهة المطلوب لصالحها الضمان، ولا يقوم بالإيداع النقدي عادة أحد؛ لأنه تعطيل للمال – دون عائد – فضلا عن عدم توافر المبالغ النقدية بهذا الحجم عادة لدى المقاولين والتجار.

ومن هـنا كانت أهمية الخدمة التي تقدمها البنوك لعملائها بإصدار خطابات الضمان.

وتأخذ البنوك عند إصدارها هـذه الخطابات تعهدات من عملائها بالرجوع عليهم بما قد تضطر لدفعه كله إلى الجهة طالبة الضمان.

وتغطي نفسها عادة وفقا لحالة كل عميل: [ ص: 117 ]

فقد لا تشترط أي غطاء نقدي بالمرة إذا كان العميل محل ثقتها الكاملة.

كما قد تشترط غطاء نقديا 100%، وفي هـذه الحالة يظل من مصلحة العميل أخذ خطاب الضمان، إذ يدفع له البنك فائدة على الغطاء الذي يحتفظ به.

كما تتقاضى البنوك عمولة على إصدار هـذه الخطابات تتمثل في نسبة من قيمة الخطابات تتراوح بين 2، 3 في الألف كل ثلاثة شهور.

* وقد رفضت معظم هـيئات الفتوى الشرعية مبدأ أخذ البنك الإسلامي عوضا عن تقديم هـذه الخطابات، وبالتالي امتنعت معظم البنوك الإسلامية عن هـذا النشاط، مما أدى إلى استمرار اعتماد عملائها على البنوك التقليدية في هـذا المجال وما يستدعيه ذلك من استمرار التعامل العام معها.

أساس رفض تقاضي مقابل للضمان أن الضمان كفالة، والكفالة من عقود التبرع؛ ولكنهم أجازوا في حالة اقتران خطاب الضمان بعمل – كدراسة مستندات العملية، أو تقديم أوراقها للجهة المختصة ومتابعتها – أن يؤخذ الأجر على هـذا العمل لا على الكفالة، وهذا الغرض بطبيعته غير وارد، كما أنه يفتح بابا للحيل التي تسيء إلى الفكرة أكثر مما تنفعها.

* ومن جهة أخرى أجازوا – في حالة وجود غطاء لدى البنك – أن يؤخذ أجر على العملية؛ إذ اعتبروها حينئذ وكالة بالدفع من مبلغ الغطاء، وأجر الوكالة جائز.

وقد أدى هـذا الرأي إلى التناقض الواضح فحيث يقدم العميل غطاء يدفع أجرا، وحيث لا يقدم غطاء – وبالتالي تزيد مخاطرة البنك وتتضح أهمية الخدمة التي يقدمها العميل – لا يدفع العميل أجرا.

وقد أفتى الشيخ عبد الحميد السائح للبنك الأردني الإسلامي بجواز أخذ أجر على خطابات الضمان، وتتبع بنوك البركة هـذا الرأي.

كما أن بعض البنوك الإسلامية لا تتقاضى أجرا على الضمان، ولكنها تشترط غطاء جزئيا (حوالي 25 – 30%) في صورة وديعة دون مقابل وتختص هـي بعائد استثمار هـذه الوديعة. [ ص: 118 ]

وقد طرح الموضوع للنقاش في عدة مؤتمرات وندوات وقلنا إنه لا يوجد نص على أن الكفالة من عقود التبرع، وإن تصنيف العقود إلى عقود معاوضة وعقود تبرع إنما هـو صناعة فقهية لتسهيل دراسة الأحكام، وإن جريان العرف في زمن ما على تقديم الكفالة من باب الشهامة والمروءة لا يمنع من تقديمها بعوض من قبل من يتخذ ذلك مهنة ويعرض نفسه للمخاطر دون التزام شرعي أو أدبي عليه بتقديم الكفالة.

وضربنا مثلا على تغير الأحكام بتغير الأزمان بأخذ أجر على تعليم القرآن وإمامة الصلاة اللذين وردت النصوص بتحريمهما لما فيهما من شبهة عدم الإخلاص فيما يجب ديانة على القادر أن يفعله ابتغاء الثواب الأخروي، ومع ذلك عندما تغير الزمان وأصبح التدريس والإمامة مهنة يتفرغ لها أناس تغير الحكم وأجازوا أخذ الأجر على أداء هـذه القربات والطاعات التي لا يمكن أن ترقى الكفالة إلى مرتبتها، خاصة إذا كانت في أعمال تجارية لا يوجد أي التزام شرعي أو أدبي بالكفالة فيها.

ولا يزال الأمر متداولا في جداول أعمال المؤتمرات والندوات.

التالي السابق


الخدمات العلمية