البنوك الإسلامية بين الحرية والتنظيم (التقليد والاجتهاد - النظرية والتطبيق)

الدكتور / جمال الدين عطية

صفحة جزء
المبحث الرابع: تمويل رأس المال العامل

يمثل تمويل رأس المال العامل للشركات والمؤسسات أهم أنشطة البنوك التقليدية، ويأخذ ذلك عادة صورة القروض المباشرة أو التسهيلات المصرفية كالسحب على المكشوف وغيره من صور التسهيلات على أساس الفائدة.

1 – وقد حاولت البنوك الإسلامية تغطية جانب من احتياجات عملائها في هـذا المجال بطريق المرابحة إذا تعلق الأمر بشراء مواد أولية أو معدات، كما [ ص: 119 ] بدأ استعمالها لعقد إجارة الأشياء في حالة المعدات بالذات.

ولكن الحاجة إلى رأس المال العامل لا تقتصر على سد هـذين المطلبين – الموارد الأولية والمعدات – بل تتعداها إلى العمال، وتمثل جانبا رئيسا من تكلفة الإنتاج؛ فضلا عن إيجارات الأماكن وتكاليف الدعاية والتوزيع والخامات الأخرى كالماء والكهرباء والهاتف والتلكس وغير ذلك مما لا تصلح صيغتا المرابحة والإيجار لتغطيته.

2 – وهنا نشأت فكرة تمويل رأس المال العامل على أساس المشاركة في ربح وخسارة التشغيل بصيغة ونسب يتفق عليها البنك مع العميل؛ بحيث يحتسب حجم التمويل المتغير الذي يقدمه كل منهما (بنظام النمر) وتحتسب حصة من الأرباح للعميل مقابل الإدارة، ويقتسم الباقي بينهما بنسب التمويل المشار إليها، ويحدد في الاتفاق ما لا يجوز خصمه من الإيرادات للوصول إلى رقم الأرباح القابل للتوزيع بين الطرفين (كالاحتياطيات والضرائب ومخصصات الإهلاكات، والديون المشكوك فيها... إلخ).

وقد مورست هـذه الصيغة بصورة محدودة في بنك فيصل الإسلامي المصري، ويتوقف نجاحها على مدى وضوح الاتفاق وتغطيته كافة الاحتمالات، ومدى انتظام حساب العميل؛ فضلا عن أمانته وحسن نواياه، وهي جميعا أمور لا يتيسر توافرها في كثير من الحالات.

3 – لذلك نشأت فكرة تمويل رأس المال العامل مقابل نسبة من المبيعات (أو رقم الأعمال) حتى يتحاشى البنك نظام المشاركة في الربح الذي يتطلب الدخول في متاهات المصاريف الحقيقية والوهمية، ومتاعب الحسابات ومشاكلها التي لا تنتهي، إذ وجد أن حجم المبيعات من السهل ضبط وربط حصة البنك به.

وقد استمدت الفكرة من عقد المزارعة في الفقه الإسلامي؛ حيث يقدم مالك الأرض أرضه لمن يزرعها مقابل حصة مما تخرج، ويتحمل الزارع كافة التكاليف خلاف الأرض. [ ص: 120 ]

وقد استعملت هـذه الصيغة بصورة محدودة كذلك في مصرف لوكسمبورج .

وقد اعترض عليها بأنه في حالة خسارة العميل فإن البنك يستمر في تقاضي حصته من الإنتاج، وهذا مخالف لأصول الشركة؛ حيث ينبغي في حالة الخسارة مشاركة الطرفين فيها.

ورد على الاعتراض بأننا لسنا بصدد مشاركة حتى تطبق أحكامها؛ بل المقصود هـو تحاشي أحكام المشاركة، وإن الحالة المشابهة التي أجازتها الشريعة – في عقد المزارعة – يتصور فيها كذلك أن يأخذ صاحب الأرض حصته مما تخرج الأرض ينما تكون حصة الزارع لا تفي بتغطية ما أنفقه من بذور وسماد وري وعمالة وبالتالي يعتبر خاسرا، ولم يقل أحد بأن صاحب الأرض لا يأخذ حصته في هـذه الحالة، أو إنه يخسر جزءا من الأرض.

4 – وخروجا من هـذا الخلاف إلى صورة أدعى إلى الاتفاق عليها، فقد تم تطوير صورة التمويل مقابل نسبة من القيمة المضافة Value Added Participation وميزة هـذه عن سابقتها أن البنك الممول يتعرض في بعض صورها للخسارة. وقد اقترح هـذه الصيغة وقام ببحثها رياضيا ومحاسبيا الدكتور (( فولكر نينهاوس )) أستاذ الاقتصاد بجامعة ((بوخوم)) في ألمانيا والمتخصص في مسائل البنوك الإسلامية. [ ص: 121 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية