دراسة في البناء الحضاري (محنة المسلم مع حضارة عصره)

الدكتور / محمود محمد سفر

صفحة جزء
الركيزة الخامسة: تمييز الحضارة المعاصرة وتصحيح النظرة إليها

إن التحديات الحضارية المعاصرة، تقتضينا بالضرورة، أن نصحح نظرتنا [ ص: 117 ] إلى الحضارة الغربية المعاصرة، المسيطرة على مجريات الأحداث، في كل أرجاء الأرض، بنظمها، وأدواتها، ومنجزاتها، وكل ما يصدر عنها، وهذا التصحيح، ما يأتي من خلال البحث في دروبها، عن الإيجابيات التي تزخر بها، كي نستفيد منها، ونقلدها، ونحتوي سبلها، وعن السلبيات التي تلتصق بها، لعزلها، حتى لا نتأثر بها، وبذلكم، يكون موقفنا من هـذه الحضارة، موقفا موضوعيا محايدا نكثف فيه جهودنا على الإعداد، ونركز فيه طاقاتنا على الاحتشاد لدورة حضارية جديدة، وإقلاع حضاري رشيد.

وإذا استلهمنا تاريخنا، وجدنا أن أسلافنا المسلمين، قد أفادوا من سوابق النظم الساسانية، والبيزنطية، التي وجدوها في البلاد المفتوحة، في كل مجال، وأخذوا منها ما وافق مبادئ الإسلام العامة، وكلياته، وأصوله، ولم يتعارض مع أحكامه القطعية، وبدا ذلك " الاقتباس المباح " ، جليا في بعض جوانب تراثنا. فاستفادت الأمة من مناخ هـاتين الحضارتين، وتمثلت خير ما فيهما، ثم تجاوزته بما قدمت من منجزات، ذات خصائص قيمية، تصل إلى عمق " الكيف " و " الجوهر " ، ولا تقف عند حدود " الكم " ، و " الشكل " .

كما لم يأخذ أسلافنا لحضارتهم ميثولوجيا اليونان ، أو نحتهم، ومعنى هـذا: ألا تقبل أمتنا جزئيات الحضارة القائمة، ومفرداتها كلها، بل عليها أن تحكم معايير قيمها، وإيحاءات دينها، في تحديد " الإيجابيات " و " السلبيات " ، وتقرر ماذا تأخذ، وماذا تدع وأن تستفيد من خبرات أهل الحضارة المعاصرة أنفسهم، في " نقد " حضارتهم، وتحليل أزمتها ومعضلاتها، كافتقاد العفاف والطهر، في بعض مظاهر حياتها، وشيوع التحلل الخلقي عند قطاعات من مجتمعاتها، والسفه المدمر في الإنفاق على التسليح، وإنتاج أسلحة الدمار، والتوسع المهول في وسائل الترف والزينة، والاستهلاك لمجرد الاستهلاك، والإعلام المطلق لترويج المنتجات، وتسلط المادية القاتلة، والأنانية المسفة، والجمود العاطفي، والتفسخ الأسري، والإبادة الجماعية، وإفرازات القلق، والموت الجماعي، [ ص: 118 ] حتى بدا وكأن الإنسان قد تحول في ظل التقدم التقني الرهيب، إلى " آلة " ، أو " رقم " أو " نمط " مطرد لا تفرد فيه؛ أو تحول " الإنسان " إلى عاهة مرضية مكررة من: " التمزق " ، و " القلق " و " الضياع " ، و " الاغتراب " . ومع ذلك فللحضارة الراهنة منجزات، لها قيمتها غير المنكورة في مجالات: " النظم " ، و " الفكر " السياسي، والاجتماعي، والاقتصادي، فضلا عن مجالات التقدم التقني. وأمتنا أحوج ما تكون، للإفادة من وسائلها المنهجية في البحث، وأساليبها في العرض، والنشر، والإعلام، والمؤسسات السياسية، والإدارية، والقضائية، والتعليمية، والاقتصادية على سائر المستويات.

لا ينبغي للأمة أن تعزل نفسها عن المناخ والتيار الحضاريين الراهنين، وإلا تكون قد حكمت على نفسها بالتيبس، والجمود، والانقراض، وبقيت الحضارة الراهنة في شوطها، وإلى أجلها المقدور.

أجل: إن اللحاق بحضارة العصر يتنافى مع اعتزالها. كما أنه أيضا لا يعني " احتضان " كل ما فيها على حالاته وعلاته من غير فرز، ولا تصنيف، ولا انتقاء تقتضيه قيمنا، وزماننا، وبيئتنا، وبنيتنا، وتركيبنا الديني، والنفسي، والخلقي، والاجتماعي، وإلا وقعنا ثانية، فيما وقعنا فيه من قبل، فعندما نقلنا العلوم الإنسانية من الغرب، نقلناها بحرفيتها، مع أنها علوم قيمية، وليست علوما بحتة مجردة. فبناء شخصية الطفل المسلم مثلا في العالم الإسلامي، تختلف عنه في الحضارة الغربية، " والسيكلوجية " في العالم الإسلامي تختلف عنه في الحضارة الغربية، " والسيكلوجية " المطلوبة لهذا الطفل، تختلف عنها بالنسبة للطفل الغربي.. وعلم الاجتماع الذي يقوم عندنا على التكافل والتراحم اللذان أمر بهما الدين، ونظر إلى الاجتماع الإنساني على أنه عبادة، يختلف عن علم الاجتماع في مجتمع يتطاحن ويتصارع، والبقاء فيه للأقوى.. وعلم الاقتصاد الذي يقوم في الغرب، في شقه هـذا أو ذاك على المنفعة، يقوم في الإسلام على مجموعة من المبادئ العليا.

والحق.. أن قبول كل ما لدى الغرب دون تمييز، وفحص، وانتقاء، إن هـو إلا مظهر من مظاهر القابلية للاستعمار، والارتماء في أحضانه، دون [ ص: 119 ] قناعة، طائعين، أو كارهين، إذ ليس الاستعمار فقط مجرد جيوش جرارة، ومعسكرات، واحتلال مادي، خطر لبقاعنا وبلادنا، ولكنه أيضا وبصورة أخطر، استعمار الأدمغة والعقول، والأخلاق والسلوك، والايديولوجيات والمذاهب.

إن أمتنا ـ بل والإنسانية جميعا ـ في أمس الحاجة إلى الحضارة المؤسسة على: ركائز الوحي، وهداية الحق، وإلهام القيم، وتلكم جميعا بحمد الله متوافرة عندنا. ولديها القدرة الكاملة، على أن تعالج كل أدواء الإنسانية، من تخلف وفراغ، وخلل، وانحطاط، دون أن تتجاهل الواقع الآني للحضارة المعاصرة، وما تحقق فيها من مكاسب، وإيجابيات، ودون أن تصاب بسلبياتها، وجراثيمها، ومن غير أن تفرط قيد أنملة في أصولها الكلية، وثوابتها الخالدة، وجزئياتها القطعية.

التالي السابق


الخدمات العلمية