في فقه التدين فهما وتنزيلا [الجزء الثاني]

الدكتور / عبد المجيد النجار

صفحة جزء
1- صياغة الشريعة وتطبيقاتها في التراث.

ليست الأحكام الشرعية في تجريدها المطلق عن قيود التشخص بكافية في حال تجردها لأن تعالج وقائع الحياة وأوضاعها المشخصة، وأن تقوم هـذه الوقائع، وهي كما حصلت في الأفهام في صورتها التقريرية المستخلصة من نصوص الوحي؛ وذلك لأن وقائع الحياة تحمل كل منها عناصر ذاتية متأتية من ظروف الزمان والمكان التي لا تتكرر، وهي عناصر تجعلها متفاوتة، وإن كانت متشابهة، ومن هـذا التفاوت يحصل تفرد في أوضاع الحياة الفردية [ ص: 62 ] والاجتماعية، بحسب الزمان والمكان، مع الحفاظ على أسس عامة لتلك الأوضاع، يتقوم بها الوجود الإنساني الفردي، والاجتماعي في نطاق الدائرة الإنسانية عامة، وفي نطاق طبيعة المجتمع الإسلامي خاصة.

وإذا كانت أحكام الدين المجردة ترشد إلى تقويم الوجود الإنساني في أسسه المشتركة، المتعلقة بمطلق الوجود، بصفة أصلية مباشرة، فإن ما تتفرد به الأوضاع من خصوصيات زائدة عن الأسس المشتركة تستلزم نظرا اجتهاديا في الأحكام المجردة، بعدما استقامت في الأفهام بالنظر الاجتهادي للفهم، ليصاغ منها ما يغطي بالمعالجة تلك الفوارق بين الأوضاع، وينشأ من ذلك لكل وضع مشخص حل شرعي معين، يناسبه ويرتقي به إلى التدين المطلوب، ويكون هـذا الحل الشرعي مشتقا من الحكم المجرد، ولكنه مصوغ بحسب ما تتطلبه الملابسات الواقعية لكل صورة من صور الحياة الواقعة. وهذا العمل الفقهي، الذي يشتق من الحكم المجرد حلا شرعيا يعالج صور الحياة الواقعية، هـو الذي سنعبر عنه في هـذا البحث بالصياغة، على معنى أن به تكون صياغة الحلول الشرعية الواقعية، من الأحكام الشرعية المجردة.

ومن البين أن هـذا المعنى للصياغة، كما نقصده في هـذا البحث، يختلف عما قد يتبادر إلى الذهن من معنى العرض المرتب [ ص: 63 ] للأحكام الشرعية، بعد استنباطها من مصادرها، في نسق فقهي منضبط بقواعد العرض المدرسي، مثلما هـو معهود في مدونات الفقه الإسلامي المعروفة؛ فالصياغة التي نعنيها هـي تهيئة الأحكام الشرعية، لتطبيقها على الواقع، فتتحول من إرشادات كلية عامة، إلى مشاريع مصوغة صياغة عملية لتنزل على الواقع، وتصبح الحلقة الواصلة بين الحكم الشرعي العام، بما هـي متأسسة على حقيقته، وبين الواقع الجاري، بما هـي مراعية لخصائص التشخص فيه. ويمكن أن نزيد هـذا المعنى توضيحا بالمثالين التاليين.

المثال الأول، العمل الذي يقوم به المهندس المعماري، حينما يصمم مثالا لعمارة ما، فإن تصميمه ينبني من جهة على الحقائق النظرية العامة لعلم العمارة، ويستجيب من جهة أخرى للخصائص الواقعية للعمارة المطلوب تصميمها، مثل طبيعة الأرض التي ستقام عليها، وطبيعة المناخ الذي ستنشأ فيه، وبذلك يجيء التصميم يمثل صياغة لأحكام علم العمارة المجردة، بما يناسب العناصر التشخيصية، لعين العمارة المطلوب إنشاؤها، فهذه الصياغة المتمثلة في تصميم المهندس تشبه الصياغة الفقهية، التي نحن بصدد شرحها في انبنائها على أحكام الدين المجردة من جهة، ومراعاتها لظروف الواقع من جهة أخرى.

والمثال الثاني، عمل الصيدلاني صانع الأدوية، حينما يصنع دواء لمرض من الأمراض، فإن صنعه لذلك الدواء ينبني من جهة [ ص: 64 ] على القواعد الطبية العامة، التي تصف أدوية معينة لأمراض معينة بصفة تجريدية، ولكنه يخضع من جهة أخرى للحالات العينية للمرضى، فيكون في شكله سيولة وصلابة، وفي طعمه حلاوة ومرارة، وفي كثافته ثقلا وخفة، متناسبا مع تلك الحالات العينية للمرضى، وبذلك يجيء ذلك الصنع يمثل صياغة لقوانين الطب المجردة، بما يستجيب للعناصر المشخصة للأمراض، بحسب حالات المرضى، فيما يشبه الصياغة الفقهية، التي نروم شرحها، واصلة بين أحكام الدين المجردة وبين الوقائع الجارية.

وعندما نرجع إلى التراث الفقهي الإسلامي، نستجلي مصداق هـذه الصياغة التي نعنيها فيه، فإننا نلفاها واضحة في فقه الأئمة المجتهدين في العصر الذهبي الأول للفقه الإسلامي، حينما كان فقها اجتهاديا واقعيا حيا، فهؤلاء الأئمة رغم أنهم كانت مطروحة عليهم بأولوية وإلحاح مهمة تقنين الأحكام الدينية، باستخلاصها من أصول الوحي، فإنهم كانوا يقومون بالإضافة إلى ذلك في ذات الوقت بمهمة صياغة الأحكام، بما يعالج مجريات الوقائع، في البيئات التي كانوا يعيشون فيها، وتبدى ذلك في بعض لأصول الواقعية، التي وضعوها قواعد للاجتهاد، مثل أصول المصالح المرسلة ، والاستحسان ، والعرف ، وعمل أهل المدينة، وما شابهها. [ ص: 65 ]

ومن المظاهر الدالة على الاجتهاد في الصياغة تعدد المذاهب الفقهية، بين الأئمة المجتهدين، فإن أحد أهم أسباب هـذا الاختلاف بين المذاهب اختلاف الظروف البيئية، التي نبتت فيها، فكان مذهب الإمام مالك بالمدينة ، ومذهب الإمام أبي حنيفة بالعراق ، ومذهب الإمام الأوزاعي بالشام ، بل إن الإمام الشافعي كان له مذهب بالعراق، فلما انتقل إلى مصر عالجه بالتعدين، فأصبحت له أقوال جديدة، أوشكت أن تصبح مذهبا جديدا، فهذا الاختلاف بين المذاهب، بل بين أقوال الإمام الواحد بتغير البيئة يشير إلى أن الأئمة المجتهدين كان نظرهم الاجتهادي يتجه إلى تقرير الأحكام الشرعية المجردة من أصول الوحي، كما يتجه إلى صياغتها بما يلائم الظروف الواقعية للبيئات، التي يعيشون فيها، لتكون لها علاجا بحسب خصوصياتها.

وربما كان الاجتهاد في الصياغة أبين في فقه الفتاوى، منه في فقه الأحكام، فهذا الفقه عند الأئمة المجتهدين خاصة يمثل قمة الاجتهاد في الصياغة، بما هـو تنزيل للحكم الشرعي المجرد على نوازل عينية مشخصة، تنزيلا يصاغ فيه من تلك الأحكام ما يعالج تلك النوازل العينية، فيتحقق التدين المطلوب.

ومما تقدم يبدو الفرق بينا، بين العمل الذي يقوم به المجتهد في فهم الأحكام من أصولها، وتقريرها في صورتها المجردة، وبين [ ص: 66 ] العمل الذي يقوم به في صياغتها، تهيئة لتطبيقها على أوضاع واقعية معينة، فالأول يقع التعامل فيه مع الأصول وحدها، مع اعتبار القاسم المشترك لواقع الحياة الإنسانية، في ثباته عبر الزمان والمكان، وأما الثاني فإنه يقع التعامل فيه مع الأحكام المقررة من جهة، ومع حيثيات الواقع المشخص من جهة أخرى.

وهذا الاختلاف في طبيعة العمل الاجتهادي، بين الفهم، وبين الصياغة، يستلزم اختلافا في الأدب المنهجي، الذي يتطلبه كل منهما ليصل إلى غايته، التي هـي تقرير الأحكام الدينية المجردة بالنسبة للأول، وصياغة حلول واقعية من تلك الأحكام، تنزل على الوقائع المشخصة، بالنسبة للثاني، فكما أن فهم الأحكام من أصولها يتم بقواعد وقوانين، يتشكل من مجموعها ما يمكن أن يسمى بفقه الفهم، فإن صياغتها للتنزيل تتم بقواعد وقوانين، يتشكل من مجموعها ما يمكن أن يسمى بفقه الصياغة.

ونحسب أن التراث الفقهي الإسلامي، المتأخر منه خصوصا، كانت عنايته بفقه الفهم، أكثر بكثير من عنايته بفقه الصياغة، وذلك سواء بالنسبة للشق التطبيقي في هـذا التراث وهو الفقه، أو الشق التنظيري فيه وهو أصول الفقه.

أما الفقه فإنه بعد عهد من الحيوية والواقعية على يد الأئمة المجتهدين، آل أمره إلى شيء من الجمود، الذي تضخم فيه [ ص: 67 ] الجانب التقريري للأحكام المجردة، وضمرت فيه إلى حد بعيد الصلة بالواقع المعاش في ملابساته العينية، فلم يكتب لتلك الصياغة الواقعية، التي انتهجها الأئمة المؤسسون للمذاهب، أن تأخذ مداها التاريخي، الكفيل فإنضاجها وتميزها، كما كان الأمر بالنسبة للتقرير المجرد، الذي استمر منهجا للفقه، طيلة القرون اللاحقة، وكذلك فإن فقه الفتاوى وهو الذي تتجلى فيه الصياغة بوضوح أكثر كما ذكرناه، لم يلق من العناية ما لقيه الفقه التقريري المجرد، فظلت الفتاوى تنحو منحى الفردية في موضوعاتها، فتعالج النوازل الشخصية، أكثر مما تعالج الأوضاع الاجتماعية العامة، بل حتى في منحاها ذلك كثيرا ما طالها الإهمال والنسيان، فأين اليوم المدونات الفقهية المجردة في العناية بها بحثا وإحياء وتداولا من مدونات فقه الفتاوى؟

وأما أصول الفقه فقد توجهت العناية فيه إلى استنباط الأحكام من أدلتها، كما يشير إلى ذلك تعريفه، الذي اشتهر بين الأصوليين، وهو أنه "القواعد التي يوصل البحث فيها إلى استنباط الأحكام من أدلتها التفصيلية، أو هـو علم بهذه القواعد". >[1]

وهذا التعريف لا يتضمن القواعد التي بها يكون تنزيل الأحكام على الواقع، وهو يعكس حاصل ما انتهى إليه علم أصول الفقه بصفة عامة، حيث نجد الأبواب التي أشبعت بحثا، هـي تلك التي تخص الاستنباط، [ ص: 68 ] وأما ما كان يمكن أن يدفع إلى إنضاج فقه الصياغة، فقد كان البحث فيه خفيفا، مثل الاستحسان، والمصلحة المرسلة، والعرف، بل كانت هـذه محل إنكار من قبل كثير من الأصوليين، وقد كان يمكن لمبحث المقاصد من مباحث أصول الفقه أن يقوم بدور مهم في فقه الصياغة، ولكن هـذا المبحث آل إلى ضمور شديد بعد الإمام الشاطبي (ت 790هـ) حتى كان ينقرض من كتب أصول الفقه، بل إن ما كتبه الشاطبي نفسه في كتابه الموافقات يكاد يكون طفرة بالنسبة لما قبله، كما هـو بالنسبة لما بعده.

ونحسب أن من أهم الأسباب في تعثر النهضة التشريعية في العالم الإسلامي اليوم، والقصور الظاهر في تغطية مستجدات النوازل في حياة المسلمين - وهي تكاد تأتي على حياتهم كلها - بحلول مصوغة من أحكام الدين، نحسب أن من أهم أسباب ذلك افتقار التراث الفقهي المتأخر إلى أدب منهجي، في صياغة الأحكام صياغة واقعية، يساعد القيمين على التشريع، على أن يشتقوا من أحكام الدين مشاريع عملية تكون بديلا لما هـو سائد من أوضاع قائمة في كثير منها على التشريع الوضعي الوافد.

وتعاني حركات الدعوة الإسلامية اليوم هـذا المشكل نفسه، في تبشيرها بالمشروع الإسلامي الشامل، فهي إذ تبشر بهذا المشروع على مستوى عقدي عام، تقصر عن أن ترتقي بهذا التبشير إلى [ ص: 69 ] مستوى فقهي، تقدم فيه البديل الإسلامي، في الثقافة، والاجتماع، والاقتصاد، وغيرها من المجالات، والحال أنها تواجه في ساحة الدعوة مشاريع علمانية ، ويسارية، مكينة في الواقع، قوية في أبعادها العملية، ويبدو أن من أهم أسباب هـذا القصور في الدعوة الإسلامية الافتقار إلى مرجعية منهجية، في اشتقاق المشاريع العملية المناسبة للأوضاع الراهنة، من الهدي الديني، المتمثل في الأحكام العامة المجردة.

ولما كان من أكبر التحديات التي تواجهها الدعوة الإسلامية اليوم - على ما نراه - هـو تحدي ا لمشروع الإسلامي العملي، فإن الضرورة ملحة في سبيل التقدم في صياغة هـذا المشروع، والتبشير به؛ لأن تتوفر مرجعية منهجية تساعد على ذلك، وهذه المرجعية المنهجية هـي التي عنيناها في هـذا الباب بفقه الصياغة، وعلى الرغم من أن التراث الفقهي والأصولي لم يعتن كبير عناية بهذا اللون من الفقه، إلا أن الناظر فيه بعين واعية لهذا الغرض لا يعدم ظفرا بمادة صالحة في هـذا الباب، وإن تكن في الغالب ضمنية ومتفرقة، غير مرتبة ولا معروضة عرضا تقريريا مباشرا.

وسنحاول فيما يلي لفت الانتباه إلى بعض القضايا المتعلقة بفقه الصياغة، استخلاصا من التراث الفقهي والأصولي، ومحاولة لتوجيهها وجهة الغرض الذي نرومه في هـذا البحث، عسى أن يكون [ ص: 70 ] في ذلك إسهام في توجيه أنظار الباحثين الإسلاميين المختصين لإثراء هـذا الباب البالغ الأهمية، في تنزيل الإسلام على واقع الحياة، ضمن مشروع عملي، يغطي مختلف جوانب تلك الحياة، التي تحكمها اليوم مشروعات وضعية، تبتعد في أغلبها عن الهدي الديني.

التالي السابق


الخدمات العلمية