أزمتنا الحضارية في ضوء سنة الله في الخلق

الدكتور / أحمد محمد كنعان

صفحة جزء
كشف

سنن الله في الخلق

.. لقد خلق الله هـذا الكون البديع، وبث فيه من المخلوقات أنواعا كثيرة لا تعد ولا تحصى، حتى إننا لو أردنا إحصاء المعلومات، التي حصلها البشر حتى يومنا هـذا عن تلك المخلوقات، لكان من العسير على أية موسوعة أن تتسع لمجرد فهرسة هـذه المعلومات، هـذا على الرغم من أن ما حصله البشر من علم، لا يعد شيئا مذكورا بالنسبة للحقائق، التي يزخر الكون بها.. وصدق الله العظيم الذي يبين طرفا من هـذه الحقيقة المعجزة بقوله تعالى: ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) (الاسراء: 85) . ومن هـنا يمكن أن ندرك مقدار التنوع في السنن، التي تحكم مخلوقات الله، وندرك كذلك السبب في عدم انكشاف كثير من هـذه السنن.. ويمكن أن نبسط هـذه المسألة على الوجه التالي:

إن الإنسان مستخلف في هـذه الأرض، لأجل أداء مهمة محددة، بينتها الآية الكريمة: ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) (الذاريات: 56) .. والعبادة هـنا لا تعني فقط الشعائر التعبدية، من صلاة وزكاة وصوم وحج وغيرها، مما يسمى بالعبادات في كتب الفقه الإسلامي، بل تعني الانقياد والانصياع التامين للمنهج، الذي شرعه الله عز وجل للناس، ولكي يستطيع الإنسان القيام بهذه الأمانة، فقد زوده الله عز وجل بالكفايات والاستعدادات اللازمة لكشف بعض السنن، التي تعينه على أداء هـذه الأمانة، وتفتح أمامه الطريق لفهم هـذا العالم، وفك رموزه، والتعامل معه. [ ص: 82 ] وأما بقية السنن المقدرة لهذا الوجود، فقد نتوصل إلى معرفة أسرار بعضها، بينما تخفى علينا أسرار بعضها الآخر.. وإن الواقع ليشهد بأننا نرى كثيرا من مخلوقات الله عز وجل ، ونرى كثيرا من الظواهر، فلا ندرك الحكمة من خلقها، ولا ندرك السنن التي تحكمها، وكثيرا ما تساءلنا بيننا وبين أنفسنا: لماذا خلق الله هـذه الخلائق؟ دون أن نهتدي إلى جواب.. لكن هـذا لا يعني أن تلك الخلائق قد خلقت عبثا.. ( ربنا ما خلقت هـذا باطلا سبحانك ) ( آل عمران: 191) بل كل شيء عند الله بمقدار ( إنا كل شيء خلقناه بقدر ) ( القمر: 49) ولكل أمر أراده حكمة، سواء أدركناها أم لم ندركها، وسواء علمنا السنة التي يخضع لها هـذا الأمر أم لم نعلمها.

ويرجع خفاء بعض السنن عنا إلى تقصير في البحث عن هـذه السنن، وقد يرجع أحيانا أخرى إلى القصور في الوسائل المتاحة بين أيدينا، ومن ذلك مثلا الإشعاع الذري.. فهذا الإشعاع الذي أوجده الله عز وجل منذ ملايين السنين، لم نتمكن من اكتشافه إلا بعد تطوير الأجهزة الحساسة لهذا الإشعاع، الذي يصدر عن العناصر الكيميائية المشعة.. وبعد دراسة هـذه الظاهرة عرفنا بوجود سنة تحكم عملية الإشعاع الذري.. وعندما تعمقنا بدراسة هـذه السنة استطعنا - بفضل الله - أن نسخر الإشعاع الذري في أغراض شتى، كعلاج الأورام السرطانية، وتوليد الطاقة الكهربائية، وصنع القنابل الذرية..

الحاجة أم الاكتشاف .. ومن الملاحظات البارزة عبر التاريخ، أن الأمم تمر بمراحل متغيرة , فتتطور أحوالها.. وتطرأ عليها ظروف مستجدة، تضطرها للبحث [ ص: 83 ] عن وسائل جديدة، تعينها على القيام بعمارة الأرض، وأداء أمانة الاستخلاف..

وتحت ضغط هـذه الظروف القاهرة، ينشط الإنسان في الدراسة والبحث والتنقيب، إلى أن تتكلل مساعيه بالنجاح، وتنكشف له سنن جديدة تكون بمثابة حلول مرحلية للمشكلات التي واجهته..

ومن أجل هـذا نجد كثيرا من آيات القرآن الكريم تحثنا على السير في الأرض، بقصد الكشف عن السنن المغيبة عنا، والعمل على تسخيرها فيما يصلح لشئون حياتنا.. وهذا هـو الأصل في قضية استخلاف الإنسان من قبل الله عز وجل ، والتي عرضها القرآن الكريم وفق محاور ثلاثة:

الأول: خلق الإنسان: ( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ) ( البقرة: 30 ) .

الثاني: تسخير الكون للإنسان: ( وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) (الجاثية: 13) .

الثالث: دعوة الإنسان للنظر والتدبر والبحث: ( قل انظروا ماذا في السماوات والأرض ) (يونس: 101) .

وعلى هـذه الشاكلة يجب أن نفهم القضية.. فالله عز وجل هـو خالق البشر، وهو مستخلفهم في هـذه الأرض، ومسخر لهم كل شيء في هـذا الوجود، وقد أمرهم سبحانه أن يسيروا في الأرض، فينظروا كيف تمضي مسيرة الحياة وفق سنن ثابتة، غير عصية على الإدراك البشري، وغير متمنعة عن التسخير من قبل البشر، متى عرفوها وفهموا طبيعتها. [ ص: 84 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية