مقالات في الدعوة والإعلام الإسلامي

نخبة من المفكرين والكتاب

صفحة جزء
الفيلم الإسلامي أداة للدعوة ناجحة.. من هـنا ينبغي علينا أن نلتفت إلى أهمية الفيلم الإسلامي ، ونعامله كما نعامل أي مطبوع إسلامي، فنحن نحرص على طباعة قرآننا وترويجه بالنص، وأحيانا نترجم معانيه إلى اللغات الأخرى، ولكن السينما لغة عالمية مقبولة من الشعوب المتقدمة والمتخلفة، واهتمامنا بها سيضيف إلى إمكاناتنا إمكانية جبارة تسهل عمل الدعاة.. بل نكون -في مناطق كثيرة- في غير حاجة إليهم، حيث سيكون الفيلم داعية لا يشق له غبار نتيجة التأثير الخطير الذي يمارسه على الوجدان والعقل.. والداعية المسلم -بقدر ما يحتاج إلى إجادة اللغات الأجنبية- يحتاج إلى أن يكون فنانا ودارسا.. وأمامنا نماذج المستشرقين الذين ملؤوا عالمنا الإسلامي، بل خرجوا تلاميذ لهم يقدمون لنا ديننا على طريقتهم.. إن الغرب الصليبي والملحد يقيم مراكز هـامة للاستشراق ، ونحن نتقاعس عن إقامة ( مراكز للاستغراب ) كي ندرس حضارتهم ودينهم ومذهبهم حتى نتمكن [ ص: 124 ] من مقاومتهم بدلا من أن نظل -دائما- في موقف الدفاع!

وليس معنى أننا نوجه النقد إلى السينما العربية في جانبها الإسلامي، أنها لم تبدع أفلاما إسلامية لها قيمتها.. فلدينا أفلام حققت كثيرا من الشروط التي أسلفناها؛ ففيلم ( ظهور الإسلام ) رغم بساطته الفنية، كان مؤثرا وشديد الخصوصية في التعبير عن بديات الدعوة الإسلامية، وفيلم ( خالد بن الوليد ) الذي قدمه الممثل حسين صدقي صاحب الباع الطويل في الأفلام الهادفة مثل ( يسقط الاستعمار ) و (الشيخ حسن ) ، كان ذا أثر في الوجدان المسلم.. وهناك فيلم (وإسلاماه ) الذي كان مجيدا في رواية الكفاح الإسلامي ضد التتار، و ( صلاح الدين الأيوبي ) الذي صور بطولة أحد حكام المسلمين في مقاومة الغزو الصليبي وإنهائه. ولكنا نريد إلى جانب الفيلم التاريخي، الفيلم الإسلامي الذي يقدم الشخصية المسلمة التي صورها القرآن والسنة وقدمها السلف الصالح، نريد الفيلم المعاصر الذي يقدم حياة المسلم في بيته وعائلته وتصديه لمشكلات الحياة حسبما رسم الإسلام.. إننا عندما نشاهد أفلام النصارى نعجب بأخلاقياتهم التي يقدمونها في أفلامهم، وهم يعتمدون أن يقدموا نماذج تشرفهم؛ نرى كيف يحاكم المجرم ويدان بالطريقة القانونية التي تكفل إنسانيته، ونرى عواطفهم وحروبهم وأفكارهم المثالية ومفكريهم الذين يموتون دفاعا عن أفكارهم وصلواتهم داخل كنائسهم، وهم يعرضون علينا حتى نماذج عقود قرانهم وتقديسهم للزواج والزوجة الواحدة، وعندما يقدمون النماذج الشريرة يؤكدون للمشاهد أن هـؤلاء شواذ نادرون في مجتمعاتهم النصرانية.. حتى الوعود تصبح مقدسة طالما تفوه بها أبطال الفيلم أو المسلسل، إنهم يريدون تأييد حضارتهم وقيمهم ودينهم ومذهبهم في وجدان الجماهير وأنها هـي التي يجب أن تعتنق وتتبع؛ لأنها سبب رفعتهم وسيادتهم للعالم!!.

ومن المؤكد أن كثيرا من المتخصصين في فن السينما سيقولون: إن السينما هـي تعبير عن حياة الشعوب التي تصنعها، وطالما حياتنا بعيدة عن الإسلام فستظل [ ص: 125 ] أفلامنا هـكذا.. ولكن الرد لا بد أن يكون كالآتي: إن صناعة الفيلم الإسلامي لن تكون للتصوير فحسب وإنما أيضا للاستهلاك الوطني ولإعادة غرس قيم الإسلام الحقيقية في نفوس المسلمين لينهضوا من سباتهم الذي طال استمراؤهم له.. فهناك مناطق شاسعة من الوطن الإسلامي يسيطر عليها الفيلم النصراني والبوذي والبراهمي .. وأذكر -في أواخر السبعينيات- أن احتدام الجدل بين المثقفين المسلمين في اليمن الشمالية حول اكتساب الفيلم الهندي لدور العرض السينمائي في هـذا البلد لدرجة أن النساء في البيوت أصبحن يقلدن الهنديات، والشباب يغني الأغنيات الهندية في الشوارع، حيث الفيلم الهندي يحتشد بالمغامرات والرقص والتقاليد الوثنية مما يخشى منه على الأطفال عندما يرون أمامهم الطفل الهندي يسجد أمام تمثال المعبود بوذا أو غيره من أوثانهم ويطلب منه تحقيق أمنياته ثم تتحقق في الفيلم.. ولكن الجدل توقف؛ لأنه لم يكن هـناك بديل للترويج عن الناس ! فالفيلم المصري كما نعرف عاجز، واللبناني والسوري والعراقي وغيرهم، يسيرون على الدرب المصري، فضلا عن ضآلة عدد الأفلام المنتجة في دول الجامعة العربية ومجموعها لا يمكن أن يصل إلى عدد الأفلام التي تنتجها دولة الهند أو فرنسا مثلا !!..

ونحن نريد لإسلامنا أن ينتشر، ويعود قائدا ومرشدا للإنسانية، وإحدى وسائلنا لا بد أن يكون الفيلم، والداعية المسلم الذي نبعث به إلى آسيا أو إفريقيا أو أوروبا والأمريكتين لا بد وأن يكون مسلحا بأفلام تثري وجدان الناس وتوضح لهم عظمة الإسلام، وهذا لن يتأتي إلا بإنشاء مؤسسة إسلامية تنتج الفيلم الإسلامي سواء للعرض في دور السينما أو على شاشات التليفزيون، ولعل الأنباء التي تناهت إلينا مؤخرا عن تشكيل لجنة تضطلع بمثل هـذا العمل تكون مؤثرة في المدى القريب، وتصافح أعيننا أفلاما تنتسب إلى الإسلام، معبرة عن توجهاتنا في فيلم إسلامي نظيف حقيقي جدير يجعلنا نتيه فخرا بتراثنا وحاضرنا ونأمل في مستقبلنا. [ ص: 126 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية