مقومات الشخصية المسلمة أو الإنسان الصالح

الدكتور / ماجد عرسان الكيلاني

صفحة جزء
تقديم

بقلم: عمر عبيد حسنة

الحمد لله رب العالمين، الذي بعث في الأميين رسولا منهم، يتلو عليهم آياته ويزكيهم, ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين.. الذي جعل فلاح التزكية وخيبة التدسية منوطا باراداة الإنسان، وكسبة، فقال: ( ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ) (الشمس: 7-10) ، ولم يترك الإنسان هـملا يضل الطريق فيشقى في الحياة، وإنما أهلة بالعقل، وأبان معالم الطريق بالوحي، فهداه النجدين: ( وهديناه النجدين ) (البلد: 10) .

والصلاة والسلام على الرسول القدوة، فلا قدوة سواه، ولا أسوة بغيره، الذي كانت حياته وسيرته أنموذجا عمليا لأدب النبوة، والتربية الربانية، والذي كانت الغاية من ابتعاثه: إلحاق الرحمة بالعالمين، واسترداد إنسانية الإنسان، والدخول به عتبة الرشد البشري، والكمال الإنساني ووضع الآصار والأغلال عن العقل، ورفع العنت عن النفس، والضنك من الحياة، قال تعالى: ( الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هـم المفلحون ) ( الأعراف: 157) . [ ص: 7 ] وبعد:

فهذا كتاب الأمة التاسع والعشرون: " مقومات الشخصية المسلمة " للدكتور ماجد عرسان الكيلاني , في سلسلة " كتاب الأمة " التي يصدرها مركز البحوث والمعلومات, برئاسة المحاكم الشرعية والشئون الدينية, في دولة قطر ، مساهمة بإعادة تشكيل شخصية المسلم المعاصر الذي يجسد القيم الإسلامية في واقع عملي, ويبرهن على أن خلود الرسالة الخاتمة وصلاحيتها لكل زمان ومكان، إنما يتمثل في قدرتها على إنجاب الأنموذج المطلوب, وتقديم الحلول الحضارية لمشكلات البشرية الكبرى، وان معجزة الرسالة إنما هـي معجزة تكليفيه تتحقق من خلال إرادات البشر، وقدرتهم, وتسير طبقا للسنن والقوانين والأسباب الجارية في الكون والأنفس والأفاق, التي قدرها الله وسخرها للإنسان, وإن خلافته وعبوديته إنما تنجح بمقدار ما يبصر هـذه السنن, ويفهمها, ويحسن التعامل معها، وليست المعجزة التي تجري على السنن الخارقة, والتي أقل ما يقال فيها: إنها تلغي الأسباب، وتعطل الإنسان, وتحمله الى مواقع التعجب والانفعال, بدل أن تمنحه القدرة على الفعل, وإمكانية الإنتاج, وفي ذلك ما فيه من إعطاء الإنسان أمداء من الإرادة, والقدرة، والحرية، وقابلية التعلم، والتحكم في تسخير الكون، والارتقاء بذاته ليكون في مستوى الأمانة المنوطة به, فيما استخلفه الله فيه، بعد إن عرضها على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها, وحملها الإنسان.. فالأمانة تكليف بحمل مهمة ومسئولية أداء، وتشريف بأهلية واختيار.

ولا بد لنا من الاعتراف: أنه كان من المفروض والمنطقي أن تبدأ سلسلة " كتاب الأمة " بطرح المسألة التربوية جنبا الى جنب مع المسألة الثقافية, إن لم تكن المسألة التربوية هـي الأسبق والأولى, ذلك أن الثقافة المطلوبة في الحقيقة, هـي المحصلة النهائية للعملية التربوية والتعليمية, والهدف منها.

فالتربية هـي الرحم الذي تتخلق فيه الأجنة بكل طاقاتها وقدراتها، بشكل سليم, وهي المحصن, والمناخ الذي يوفر الشروط لرعاية القابليات, [ ص: 8 ] وتنمية كل القدرات والطاقات التي تتوزع وظائف الحياة الاجتماعية, واكتشافها، وتوجيهها، وتشكل النسيج الاجتماعي للأمة وفق تخطيط تربوي صحيح.

لكن، قد يكون للتأخير أسبابة وأعذاره. ولعل في مقدمة هـذه الأسباب: عجزنا عن اكتشاف الطاقات القادرة على العطاء المتخصص، من جانب, أو أن تلك الطاقات المتخصصة لا تزال غائبة عن ساحة الفعل, والحضور المؤثر بالشكل المطلوب, من جانب آخر، وأن الرحلة في تأصيل الفكر التربوي, وبلورة المسألة التربوية الإسلامية, لا تزال بحاجة الى جهود مقدورة, وتخصصات متنوعة, ومتكاملة, وغزيرة.

فعلى الرغم من أن الإسلام جاء ليخرج الإنسان من عبادة العباد الى عبادة الله سبحانه وتعالى , ومن جور الأديان الى عدل الإسلام, ومن ضيق الدنيا الى سعة الدنيا والآخرة، ومرور أربعة عشر قرنا أو يزيد على المدرسة التربوية والمؤسسة التطبيقية الأولى في دار الأرقم بن أبي الأرقم ، التي بدأت منها خطوات المسلم (الإنسان الجديد) , مع ذلك, نرى اليوم الكثير من الثغور التخصصية التي يقتضيه إخراج الإنسان والأمة لتحقيق الشهود الحضاري ( الشهادة على الناس والقيادة لهم ) لا تزال مفتوحة، ولا نزال نؤتي من قبلها, لأنها تفتقد المرابطين من أهل الدراية والفقه التربوي.. ولعل الاختراق, والاحتواء, والتحكم التربوي, الذي نعاني منه، يعتبر من أخطر هـذه الثغور جميعا, بل يمكن اعتبارها ثغرة الثغور كلها.

ونعتقد أن المسألة التربوية لا يكفي فيها كتاب، ولا كتب، فهي عملية مستمرة, متجددة, لا يقيدها الزمان ولا يحكمها المكان فلكل عصر ما يلائمة ولكل جيل مشكلاته وتربيته ولكل مشكلة علاجها, بشرط الإفادة من تراكم المعارف التربوية, وتوفر قدر من التواصل التربوي, والقدرة على استحضار العطاء التاريخي، واستصحاب القيم الضابطة للمسيرة التربوية, من الكتاب والسنة. [ ص: 9 ]

مسئولية التربية

وقد تكون المشكلة التي يعاني منها العقل المسلم اليوم، وعلى أكثر من صعيد –ونعتقد أن التربية هـي المسئول الأول عن هـذا الخلل، فهي الجاني والمجني عليه في الوقت نفسه– هـي في تلك الجراءة على اقتحام كثير من الأمور التي تقتضي التخصيص, بل التخصص الدقيق والدراية, بحيث يتطاول إليها وعليها، ويفي فيها من لا اختصاص له, ولا علم فيزيد خبالا على خبالها, ويجهض الحلول الممكنة, ويشكك في قدرتها على المعالجة.. ذلك أن الخطأ, كل الخطأ, إنما يجيء من المعالج، وسوء تعامله, لجهله, وليس في وجود العلاج الذي يوضع في غير موضعه, ولغير دائه..

والعملية التربوية عملية مركبة, تتداخل فيها الكثير من العلوم التي لا بد من تحصيلها, لأنها تشكل أبجديات الفقه التربوي, إلى جانب القدرة على حسن التعامل مع هـذه العلوم وتوظيفها بالشكل والقدر المناسبين. إذا لا يمكن أن نتصور إنسانا يتكلم في التربية الإسلامية دون أن يتحصل على قدر كاف من علوم الدين، والسيرة، والتاريخ الإسلامي، لأن التربية في حقيقة الأمر تزاوج بين مجموعة من التخصصات, يحدث الإنجاب، أو الإنتاج التربوي, وما لم تتوافر هـذه العناصر, فسوف لا يتم الإنجاب، إذ كيف يستطيع التخطيط التربوي, ودراسة المشكلات التربوية من وجهه نظر إسلامية, من لا يمتلك الرؤية الإسلامية والتخصص التربوي أصلا؟ وكيف يستطيع التخطيط التربوي, ودراسة المشكلات, وتقديم الحلول التربوية, ويسمح لنفسه بتقحم المجال التربوي، من لا يمتلك معرفة كاملة بعلم النفس, وأصول التربية والاجتماع..الخ. وتقتصر معرفته على فقه أحكام الحلال والحرام دون فقه الواقع والمشكلات التي يمكن أن يعاني منها الإنسان في مراحل نموه المختلفة, ودون القدرة على استقراء تلك المشكلات, ووضع الحلول المناسبة لها؛ ذلك أن الخطأ في العملية التعليمية والتربوية الذي يشكل الإنسان الخطأ, والذي ينتج المسالك والمواقف الخطأ, لا يقل خطورة [ ص: 10 ] عن الفتوى في أمور الدين من رءوس جاهلة, تفتي بغير العلم, فتضل وتضل.

وقد تكون إشكالية العقل المسلم اليوم، سواء أكان ذلك في المجال التربوي, أم في سائر المجالات الأخرى: افتقاره للقناعة بجدوى التخصص والتخطيط, وتقسيم العمل وأهميته.. وإذا كانت مخاطر غياب التخطيط الذي يستدعي بالضرورة وضوح المنطلقات, وتحديد الأهداف، ودراسة الوسائل, واختبارها بشكل صحيح, وتقدير القوى البشرية، واعتماد الإمكانات المادية اللازمة والزمن المطلوب للتنفيذ، ودراسة الجدوى، الأمر الذي يقتضي التقويم, والمراجعة, والتعديل, والتطوير بحسب مقتضيات الواقع والتنفيذ، إذا كانت مخاطر غياب التخطيط في المجالات المتعددة تعني عدم وجود فلسفة واضحة للتربية بمنطلقاتها وأهدافها, ووضع الخطط التربوية لكل مرحلة, بعد اختبارها, وقياس الناتج, ودراسة الجدوى، قبل تعميمها يعتبر من الأمور المدمرة للأمة.

و بالإمكان القول: إن أية إصابة في أي مجال من المجالات, يعني ببساطة: خللا ما في المسألة التربوية, لا بد من مراجعته وتصويبه.

العجز التربوي.

وقد نستغرب كثيرا أن أمريكا التي تتفرد بقيادة العالم اليوم, عندما سبقت الى ارتياد الفضاء من قبل الاتحاد السوفييتي , اعتبرت السبب: فساد النظام التربوي التعليمي, وعجزه عن إخراج المبدعين, فشكلت اللجان المتنوعة والمتخصصة لإنقاذ ما أسمته بـ ( الأمة المعرضة للخطر) بسبب فساد نظامها التعليمي.. وأن الرئيس جورج بوش قال مرارا في حملته الانتخابية, إنه سيكون رئيس التربية والتعليم.. بل إن " روبرت د. هـورماتس " , وهو خبير ومسئول اقتصادي أمريكي كبير تقلد مناصب تنفيذية عديدة, عندما سئل عن أهم مشاكل الاقتصاد الأمريكي, وصف من بينها: [ ص: 11 ]

" نظام التعليم الذي لم يلق اهتماما كافيا.. " (صحيفة البيان – 10 / 11 / 1990) ! أما البروفيسور " آلان بلوم " الأستاذ في جامعة شيكاغو, فقد تحدث في أحد فصول كتابه الواسع الانتشار: " إغلاق العقل الأمريكي " الذي أحدث عام 1988 م, ضجة في الأوساط الأكاديمية الأمريكية، عن إخفاق التعليم العالي في مجال الحرية, وعن فشل المدارس والجامعات في بث الثقافة الأساسية لدى الطلبة. وقال: إن معاهد الدراسة أصيبت بداء الكسل الفكري، فأنتجت جيلا يفتقر الى مقومات الحس الحضاري.

إن غياب عقلية التخطيط, وغياب عقلية التخصيص, وغياب عقلية النقد والمراجعة, ووجود الفراغ, والقابلية للغزو الثقافي, والاستلاب الحضاري, وانطفاء الفاعلية, وغياب القلق الحضاري، الذي يحرك الأمة صوب أهدافها بإرادة جازمة وقدرة مبصرة, والاغتراب التاريخي، والاغتراب المعاصر، والتراجعات الحضارية الإسلامية في شتى المجالات, معناه: أن العطب لحق بأجهزة العملية التربوية والتعليمية, فأصابها بالعقم وعدم الإنتاج, وأعجزها عن استقراء المشكلات التي تعاني منها الأمة, وأفقدها القدرة على وضع الأطر التربوية التي يمكنها من استئناف دورها, وتصويب خطوها, وتنشئة المواطن, وتوجيه طاقاته, ورعاية قابليته, وميوله، وحسن توجيهه الى الموقع الفاعل, وملء الثغر المفتوح.

فالتربية الحقيقية هـي التي تكون قادرة على تشكيل الإرادات, واكتشاف الطاقات, والتعرف على القابليات والميول، والتزويد بالمهارات التي تجعل الإنسان قادرا على التعامل مع الواقع, والنهوض به الى مستويات المثل الأعلى والأهداف الممكنة.

هذا على مستوى التربية بشكل عام.. أما على مستوى التربية الإسلامية، فبالإمكان القول: بأن أجهزتها ليست اقل عطبا، وقصورا, وعجزا، إن لم يكن عجزها أكبر, ونتائجه أخطر، إضافة الى أنها تتم ضمن إطار الطرح التاريخي، فهي لا تزال تبدي وتعيد في طرح المشكلات التاريخية, وحلولها, [ ص: 12 ] بعيدا عن التعامل مع المشكلات الواقعية, والقدرة على تعدية الرؤية الإسلامية, وتقديم الحلول المناسبة في البناء والتحصين, والارتفاع بالمسلم الى مستوى العطاء الإنساني..

وببساطة نقول: إن خلود الرسالة، وصلاحيتها لكل زمان ومكان, ليس شعارا يرفع بالمناسبات السياسية, ويعلق بالمحافل, ويعلو المنابر, ثم بعد ذلك نكون عاجزين عن ترجمته الى واقع عملي, يجسد هـذه الحقيقة, ويثبت صحتها في الميدان..

إن خلود الرسالة, إنما هـو في الحقيقة تكليف تضطلع بمسئولية تحقيقه العملية التربوية, ونظرية تبرهن العملية التربوية, على أنها قادرة على أن تنتج نماذج للمثل الأعلى, متميزة في كل زمان ومكان, وأن تترجم – الخلود – الى واقع معاصر, ونماذج تثير الاقتداء، وأن ذلك لا يقتصر على فترة النبوة فقط.

وكون التربية الإسلامية اليوم لا تقدر على إنتاج تلك النماذج التي تبرهن على خلود الرسالة على مختلف الأصعدة الحضارية, فمعنى ذلك: أن وسائل التربية التي نسميها " إسلامية " , هـي وسائل قاصرة, بحاجة الى الكثير من المراجعة, والتطوير, والتعديل حتى تكون في مستوى الإنتاج المأمول للنماذج الإسلامية التي تحقق الشهود الحضاري, وتكون بمستوى خلود الرسالة, وصلاحيتها لكل زمان ومكان.

معجزة الرشد الإنساني.

وقضية أخرى، على صلة بسابقتها, لا بأس أن نعاود القول فيها لما نرى من أهميتها, وضرورة طرحها بأكثر من أسلوب، وخاصة في الإطار التربوي, وهي:

إن معجزة الرسالة الإسلامية التي خاطبت البشرية بعد دخولها مرحلة الرشد الإنساني، ليست معجزة مادية, مجسدة, مرتبطة بأشخاص الأنبياء, خارقة للسنن كعصى موسى , وخلق عيسى , فتلك معجزات مادية [ ص: 13 ] محسوسة تناسب مرحلة البشرية في طفولتها, ذلك أن الطفولة حالة يصعب معها الانتقال من المحسوس الى المجرد، إضافة الى أن تلك المعجزات يقف معها المرء عاجزا عن أي فعل, ومؤمنا بأن ما جاء به النبي عليه السلام , ليس من فعل بشر وقدرته.. إلا أن أقل ما يقال عن تلك المعجزات: إنها موقوته ومرتبطة بأزمان وأشخاص، والإيمان بها – الى جانب أنه ركن في عقيدة المسلم – يبقى ذا قيمة تاريخية, فهو إيمان بالغيب متولد عن الخبر الصادق ( الوحي) .

أما معجزة الرسالة الإسلامية, فهي معجزة مجردة, بيانية, برهانية, تسير وفق السنن الجارية, تتحقق من خلال عزمات البشر وإراداتهم, وهذا يعني عدم إصابة الأمة بالعجز والعطالة, وانطفاء الفاعلية, وإلغاء التكليف، والاكتفاء بالإيمان السلبي, وانتظار الخوارق, وإلغاء إرادة الفرد وقدرته..

إن المعجزة الإسلامية وخلودها – كما يبدو لنا والله أعلم – يمكنان في قدرة الرسالة الإسلامية على إنتاج النماذج المعاصرة التي تجسد هـذه المعجزة في فعل بشري من خلال السنن التي لفت القران المعجز النظر إليها, وأرشد الرسول عليه السلام الى كيفية التعامل معها, لتتحقق من خلال عزمات البشر, وضمن طاقاتهم المذخورة التي اكتشفها الإسلام, وأعاد تشكيلها, فطوى بذلك الزمان والمكان, ولا يزال ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ) (فصلت: 53) . فنحن الذين نرى باكتشافنا, ونحن الذين نتأكد من صدق الخبر من السماء، بالبراهين التي نكتشفها في الأرض، فالبيان من السماء، والدليل من الأرض.

ولعل السنن التي شرعها الله في الأنفس والآفاق, هـي المرتكزات التي تقوم على التعامل معها العملية التربوية, وتعتبر حجر الأساس في التنشئة والتحضير للبناء الحضاري، وهي في نهاية المطاف لا تخرج عن أن تكون قدر الله الذي لا بد من ادراكه, والتبصر في كيفيات تسخيره: قال تعالى:

( سنة الله في [ ص: 14 ] الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا ) (الاحزاب: 38) ... فالسنن التي هـي القانون الذي يحكم الكون, هـي القدر الذي شرعه الله لترتيب النتائج على المقدمات, وهو الذي يمثل العدل المطلق والجزاء الأوفى على السعي.. وبغير هـذا المنهج السنني الذي لا بد أن تقوم علية العملية التربوية, فسوف لا يتحقق إنتاج, ولا انجاز، ولا إبداع.

والتربية هـي المسئولة عن الاستمرار في كشف السنن, والتدريب عليها, لتسخيرها, وإلا انقلب الإسلام الى ومضة وسنا تاريخي نطفئه بأيدينا – مهما حاولنا أن ندعي غير ذلك – وأصبحنا عاجزين عن الامتداد به, والاهتداء بنورة في كل الأزمان والأماكن, وحل المشكلات التي تعاني منها الأمة على مختلف الأصعدة.

التربية التي نريد.

والتربية الإسلامية التي نسعى إليها، ليست بطبيعة الحال عنوانا لكتاب ضمن المواد الدراسية المتعددة, يحتوي على فروع المعرفة الشرعية من القران تلاوة وحفظا وتفسيرا، والحديث حفظا وشروحا وأحكام الفقه والتوحيد, وشيئا عن السيرة والإعلام والتراجم.. فهذه معلومات لا بد من الحصول عليها في عملية التربية الإسلامية, لأن من مقومات التربية ومستلزماتها:الحصول على المعلومة التي تساهم بالتنشئة, والتنمية والتزود بالمهارات ورعاية القابليات وتوجيه الميول ورؤية الهدف أو المثل الأعلى وتعمل على إعادة بناء النسيج الاجتماعي للأمة و وفق فلسفتها..وبذلك, لا تخرج المعلومات عن أن تكون إحدى وسائل التربية، أو أقنيتها - إن صح التعبير – فالعلم والتعليم, إحدى وسائط التربية ووسائلها – إضافة الى الكتاب, والمعلم,والمنهج, والوسائل المعينة, والبيئة, والميراث الثقافي – لذلك عدلت كثير من الأمم عن تسمية وزارات التعليم الى تسميتها: وزارات التربية – فليس التعليم الا إحدى وسائل التربية – كما أنها بدأت تفكر بالارتقاء بالوسائل الأخرى, وتبرز دور المؤسسات التربوية المساندة كالأسرة, [ ص: 15 ] والمسجد والنادي والمسرح والسينما ووسائل الإعلام وبرامج الأطفال ومؤسسات الرعاية الاجتماعية والتكافل وتنشئ وزارات للثقافة والإعلام والإرشاد والمعسكرات والمخيمات والرحلات والمتاحف ومراكز البحوث والدراسات, والتخطيط لأوقات الفراغ، وتنظيم وسائل الترفيه, والرياضة، لتتحول الى وسائل تربوية ذات أثر في بناء الإنسان وإكسابه المهارات المطلوبة وفقا لأهداف الأمة، وجعل هـذه الوسائل جميعا مؤسسات تربوية مساندة.

فالتربية الإسلامية إذن, ليست ذلك الكتاب المعنون بها, الذي يحتجز زمنا من اليوم الدراسي.. وليست مجموعة بحوث عملية في فروع الشريعة أو العلوم الشرعية, وإنما هـي فلسفة كاملة تسهم في بنائها وتحقيقها وتجسيدها وتحويلها الى واقع عملي متحرك, كل المواد الدراسية، والمعارف، والممارسات, التي تبدأ مع الفرد ابتداء من طفولته التي تغرس فيها بذور مستقبل حياته السلوكية وتنمى فيها حواسه, ومرورا بكل موارده الثقافية والعلمية والتدريبية, وانتهاء بمجموعة الخبرات والمسالك المتراكمة، التي يتحصل عليها في شيخوخته, وينقلها الى الأجيال المتداخلة من بعده. فالتوهم أن التربية تقتصر على كتاب أو كتب، أو أن التربية الإسلامية حدودها كتاب التربية الإسلامية المدرسي، هـو بحد ذاته سبب من أسباب الخلل والعجز الذي تعاني منه العملية التربوية, والقصور في إنتاج الإنسان الصالح المتكامل.

والواقع الذي نحن عليه, لا يخرج عن هـذا الخلل الذي ينتج لنا النماذج التي تعاني التمزق، وبعثرة رقعة التفكير, واختلاط الأمور، وعدم وضوح الهدف، والعجز عن رؤية المثل الأعلى – فلكل مادة هـدف, ومثل أعلى – الى درجة تصل معها المواد الدراسية الى مرحلة التناقض, والتناكر , والتداخل الحضاري , والتنافر الثقافي , ويصبح المتعلم هـو أول الضحايا.. [ ص: 16 ]

فهو الإنسان الكل على مولاه أينما يرسله لا يأت بخير, الذي يتنازعه شركاء متشاكسون, وليس الإنسان العدل ذا النسق المنسجم, والشخصية المعافاة, قال تعالى ( وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هـل يستوي هـو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم ) ( النحل: 76) .

( ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هـل يستويان مثلا ) ( الزمر: 29) .

علم أصول الفقه التربوي

وقضية أخرى في هـذا المجال لا بد من الإتيان على ذكرها ولو بقدر بسيط ومن ثم يترك أمر بحثها وتفصيلها المتخصصون فالموضوع وهي: إن الوصول الى التربية الإسلامية, أو بلورت المسأله التربوية الاسلاميه في ضوء الرؤية الإسلامية الشاملة في القرآن، وبيانها في السيرة والسنة، بما يمكن إن نسميه: (فلسفة التربية الإسلامية) لا بد أن يعني ترجمة هـذه الفلسفة الى واقع عملي, وإيجاد وسائل تشكيل الشخصية وفقا للفلسلفه الإسلامية بمعنى: امتلاك القدرة على تحقيق التفاعل بين الإنسان وبين المبادئ الإسلامية لإخراج الإنسان المسلم والأمة المسلمة.

إن الوصول الى بلورة المسأله التربويه الإسلامية من الكتاب والسنه والوصول الى الآليات, والوسائط، أو الوسائل التي تمكن من ذلك, لا يمكن أن يتم مثلا من خلال مناهج وآليات وأساليب تذكير علماء وصول الفقه الذي يعني استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصليه, للوصول الى علم الفقه أو معرفة الحكم الشرعي في الحلال والحرام..

كما أنه لا يمكن أن يتم من خلال مناهج وآليات علماء مصطلح الحديث الذي اهتموا بضوابط النقل ومناهجه؛ لتحقيق سلامه النص.. ولا من خلال مناهج وآليات علماء اللغة الذين وضعوا القواعد للحفاظ عليها وعلى دلالات الألفاظ بما يتفق مع معهود العرب في الخطاب والأسلوب.. ولا من خلال أسلوب ومناهج [ ص: 17 ] وآليات علماء القراءات.. ولئن كانت هـذه المناهج جميعا تساهم بتشكيل الإنسان, وتزوده بأقدار من المعلومات الضرورية, وتساعد في التربية, ولكن يبقى للعملية التربوية مناهجها, وآلياتها الخاصة بها، التي تتكفل بإحداث التفاعل بين المعلومة والإنسان, بين المعرفة والإنسان, لتترجمها الى مسالك وأعمال, وتطبيقات: وبدون العملية التربوية, أو المناهج التربوية, تبقى الأحكام الفقهية, وسائر المعلومات, عبارة عن نظريات مجردة, أو حقائق مجردة, ومعارف واردة, لا نصيب لها من التنزيل على الواقع أو الارتفاع بالواقع ليتعامل معها وهذه وظيفة التربية..

وهي بهذا الاعتبار تشبه الى حد بعيد دليل العمل أو دليل التشغيل للآلة الذي بدونه لا تحدث الحركة ولا يحدث الإنتاج.

ولسنا الآن بحاجه الى القول: إن لكل علم أساليب تفكيره, ووسائل فهمه, ومناهج الوصول الى حقائقه, لأن الأمر أصبح واضحا, يكفي أن نقول: بأن علماءنا ابتكروا من المناهج والآليات بمقدار ما احتاجوا اليه للوصول الى العلوم والمعارف في التفسير والحديث والفقه واللغة... الخ..

فلكل علم منهجه.. والمحاولات التي ترى أن علم أصول الفقه هـو السبيل الأوحد للوصول الى مقاصد الشارع في شتى فروع المعرفة فيه الكثير من التجاوز والمجازفة.

لذلك, لا بد من علم لأصول الفقه التربوي في الإسلام, ولأصول الفقه الاجتماعي, والفقه الاقتصادي... لا بد من منهج لكل فرع من فروع المعرفة, يتناسب معها، ويوصل إلى نتائجها.. ذلك أن تطبيق منهج علم للوصول الى نتائج علم آخر, مفسد للمنهج, ومفسد للنتائج في الوقت نفسه.. وإن كنا نرى أن تلك العلوم ليست بعيدة عن القضية التربوية, فجوانب التواصل فيها تفوق مواقع التفاصيل.

إن علم أصول الفقه عرض لآيات الأحكام التي لايزيد عددها على أحسن الأحوال عن خمسمائة آية, ومع ذلك استنبط الفقهاء منها هـذه الذخائر [ ص: 18 ] والكنوز.. أما ماوراء ذلك من الآيات, فلا بد لنا أن نعترف بأن التخصص والاستنباط في شعب المعرفة الأخرى, قد توقف من الزمن.. وماهو موجود في مواريثنا القافيه, لا يشكل نقطة في بحور الفقه التشريعي المتخمة.. لذلك, بقيت آيات القران فيما وراء آيات الأحكام, للتبرك والترتيل.. أما الدراسات الإنسانيه التي تهيئ محل الحكم وتطبيقه, فمع الأسف توقفت من عهد بعيد, في الوقت الذي امتدت, وتبلورت, وتأصلت عن الآخرين, الأمر الذي لا بد أن يشكل استفزازا, وتحديا, ومنبها حضاريا يدفعنا لاستئناف السير على الرغم من كل العقبات الداخلية, ولعل في مقدمتها: العقول إلي تألف التقليد, وتحارب التفكير والإبداع, وتقدس مناهج الأسلاف, وتضن فيها البداية والنهاية والكفاية, وبذلك يتوقف خلود الرسالة, ويقيد العقل, وتفتقد الحكمة, وتضع الأمور بغير مواضعها.

عقلية التبعيض

وقد يكون من المشكلات الاساسيه التي تعاني منها العملية التربوية الإسلامية: عقلية التبعيض والتفكك , أو النظريات الجزئية التي تفتقر الى الشمولية والتوازن وضبط النسب لأنها في النهاية المطاف تمثل النظرة الأحاديه الضيقه التي تتوهم أنها اكتشفت الحقيقة المطلقة كلها واستحوذت عليها من كل جوانبها، فلذلك تتحزب لها وتنغلق عليها وتلغي حق غيرها في النظر وتلغي أيضا حقها في النمو والامتداد الذاتي كما تحول دون الافاده من جهود الآخرين ولو جاءت من المنطلقات نفسها ونبتت في التربة نفسها علاوة على القدرة على الإفاده من نتاج الأمم الأخرى فيما يحقق الانتفاع.

ولعل من مظاهر هـذه النظريات الجزئية المتحزبة، والنظرات التبعيضية التي تورث الفشل والإحباط ومن ثم التخاذل الفكري والشلل التربوي, والانتحار الروحي والهروب أحيانا من عالم الحياة, والواقع, والحقيقة, الى عوالم الوهم, والخرافة, والعطالة, وانطفاء الفعلية: مانراه من [ ص: 19 ] الإصابات الداخلية التي لحقت بعض مؤسساتها التعليمية والتربوية والدعوية.

فهي تارة تقدم علوما محفوظة ولا تقدم تربية, وتارة أخرى تقدم تربية ولا تقدم علما وضوابط شرعية لسلوك الإنسان.. وبذلك, تستمر في حياتنا المعادلة الصعبة ويستحيل على المؤسسات العلمية والتربوية بوضعهما الحالي أن تسهم بحلها وهي: جلد الفاجر وعجز الثقة فبعض المؤسسات التي اعتمدت العلوم دون أهدافها وحكمتها, ونسيت دورها في تشكيل الإنسان، أخرجت حفظة ونماذج من حملة الفقه, ولكن لا فقه لهم, ولا يخرجون عن أن يكونوا نسخا جديدة لكتب قديمه لسانهم لسان العلماء ولكن قد تكون قلوبهم وأعمالهم أعمال السفهاء كما يقول الإمام الغزالي رحمه الله: (لم أجد من علماء عصري الذين علمتهم المساجد والمدارس إلا طلاب دنيا يشترون متعها بالدين) : لذلك دعا -رحمة الله- الى أحياء علوم الدين في النفوس.. فإذا كان هـذا في زمن الإمام الغزالي فما عساه أن يقول لو رأى حالنا اليوم؟!

كما أن بعض المؤسسات والتكايا والزوايا، والربط الصوفية، حاولت أن تقدم تربية، ورياضات روحية, وتزكيات نفسية بعيدا عن ضوابط الشريعة وأصولها. واعتمادا على خطرات القلوب وشطحات العقول, فضلت وأضلت وانتهت الى ضروب من الانتحار الروحي, الذي يلغي الحس الحضاري المسئول, ويؤدي الى الإرجاء والانسحاب من المجتمع, والسلبية في التعامل مع الحياة، وأحيانا الى لون من الشذوذ والانحراف وعبادة الله بما لم يشرع؛ حيث تمجد الخرافة وتهزم الحقيقة وتخرج النماذج المشوهه التي تنفر بسلوكها بدل أن تغري به.

المعنى المطلوب في التربية الإسلامية اليوم.

وفي اعتقادنا أنه على الرغم من وجود مقومات ومكونات الفلسفة التربوية الكاملة والمتكاملة في الإسلام بكتابه وسنته ووجود الأبنية الفكرية والتربوية [ ص: 20 ] في نطاق العقيدة والعبادة والمعاملة, والسلوك, والأخلاق, والفكر، والمعرفة, فإن المطلوب من الوسائل التربوية أو الآليات التربوية هـو التأصيل لكيفية إحداث التفاعل وإعادة بناء النسيج الاجتماعي للأمة في ضوء ذلك.. إننا نعتقد أن الله الذي خلق الإنسان أعلم بما يحقق له السعادة والخير والمصلحة. ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) . (الملك:14) ، وأن الوحي الذي جاء ثمرته لتجربة النبوة التاريخية قد وضع لنا الأسس العامة للمعرفة والفلسفة التربوية وشرع لنا العبادات والمعاملات كمجالات للتدريب والتطبيقات العملية.. ولعل في العقيدة، وتنوع العبادات وتكاملها, ما يكفي لبناء الإنسان الصالح المصلح, فالوحي اختصر لنا كثيرا من تجارب الخطأ والصواب، ووفر علينا الكثير من إهدار الجهود والطاقات في مجال النظرية الفلسفية.. ويبقى المطلوب من التربية الإسلامية أن تجتهد في إبداع الوسائل والآليات التي تحدث التفاعل, وتأخذ بيد الإنسان الى الإسلام.

ثنائيات متقابلة.

نعود الى القول: إنه على الرغم من تكامل البناء التربوي في الإسلام:

( صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ) ( البقرة: 138) , إلا أنه يبقى المطلوب من فلسفة التربية الإسلامية المعاصرة أن تكون قادرة بشكل شرعي ومقنع على أن تجيب عن الكثير من القضايا التي لا تزال تشكل ثنائيات متقابلة, كما تشكل مشكلة تربوية في الوقت نفسه, نتيجة لمواريث فكرية لم يتم تمحيصها وتنقيتها في ضوء الأصول المعتمدة من الكتاب والسنة, ذلك أن تلك المواريث بقدر ما تشكل غنى في الرؤية, وخصوبة في المعرفة والتجربة, إلا أنها يمكن أن تشكل في الوقت نفسه عوائق, وآصار وقيودا إذا لم نتمكن من وضعها في موقعها المناسب والصحيح.

نقول: إنه لا بد لفلسفة التربية والتعليم أن تنتهي من هـذه الثنائيات, وتعيد ترتيبها على شكل يؤدي الى التكامل, وعدم التقابل.. يؤدي الى [ ص: 21 ] التوازي وعدم التصادم, لإنقاذ الإنسان المأمول من التمزق التربوي, والصراع, والتبعثر، والتخاذل الفكري.

ولعل في مقدمة هـذه الأمور: تحديد مصادر المعرفة في التربية الإسلامية, ومجالاتها, وبيان النسق الصحيح, والسياق الممتد لكل من الوحي والعقل, ومناهج التلقي لكل من الوحي والعقل, ووسائل اختبار لكل من معرفة الوحي ومعرفة العقل, وإبراز عدم تعارض صحيح المنقول لصريح المعقول, لأن مصدر الوحي والعقل هـو الله، وأن العقل دليل الوحي, ووسيلة فهمه, ومناط تكليفه, وأن الخلل التربوي إنما يكون بنفي معرفة الوحي، وبقاء الإنسان أمام أسئلة حائرة مؤرقة لا يمتلك العقل الإجابة عنها, أو إلغاء معرفة العقل, وتعطيل أعظم النعم, وأرقى الميزات التي كرم بها الإنسان, أو توهم التعارض بين العقل والوحي, وفي ذلك إلغاء للوحي أيضا بتعطيل آلة فهمه.

والأمر الثاني الذي لا بد لفلسفة التربية من حسمه في ضوء الكتاب والسنة, وفهم الجيل المشهود له بالخير: قضية القدر والحرية, وهل القدر يعني إلغاء الكسب البشري، وإلغاء حرية الإنسان في الاختيار, وخلق أفعاله, وجعل قضية الثواب والعقاب بعيدة عن العدل الإلهي في ضرورة ترتيب النتائج على المقدمات, والله تعالى يقول: ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) (النجم: 39) وأن الفوز يمكن أن يكون بدون عمل, مما يعني إلغاء للعقل والوحي معا, وتعطيلا لدور التربية والدعوة؟

إن علاقة الأقدار بالأسباب التي شرعها الله، وأمر الإنسان بانتهاجها للوصول الى النتائج, هـي أشبه بمعادلات رياضية في القران, والسنة والسيرة.. وأن الأسباب والسنن هـي أقدار الله، التي شرعها لعبادة:

ولعلنا نلمح ذلك في قوله تعالى: ( سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا ) ( الأحزاب: 38 ) .. وأن الله الذي شرع الأسباب, [ ص: 22 ] لم يشرعها ليقيد نفسه بها, وإنما ليتعبد المخلوق بمدى إتباعها وانتهاجها.. وأن التكليف لا يمكن أن يتم بدون حرية, فالمسئولية ثمرة الحرية, وإلا أصبحت الحياة عبثا من العبث, الأمر الذي انتهت إليه المذاهب الوجودية.. وأن انتهاج الأسباب التي شرعها الله، هـو غاية التكليف والعبودية.. ومن ثم يأتي دور الإيمان بالقدر في الأداء الإيجابي في المجال التربوي , وانتشال الإنسان من السقوط والإحباط.. لقد فهم الصحابة أن الإيمان بالقدر يعني الايجابية, واستفراغ الجهد, وضرورة مغالبه القدر بقدر، وأن ذلك هـو الدين.

وقضية أخرى تستدعي من فلسفة التربية قولا فصلا, وهي: العلاقة بين النص الديني المطلق, والفهم والاجتهاد البشري المقيد بظروف الزمان والمكان والعلم المحدود والعمر المحدود في معرفة مراد الله من النص الديني.. وأن هـذا الاجتهاد فهم بشري يجري عليه الخطأ والصواب, ولا يشكل الحقيقة المطلقة في كل زمان ومكان.. وأن العصمة والقدسية إنما تكون للنص الديني، ويبقى هـو المقياس.. وأن الفهوم البشرية ليست لها صفة القدسية, لذلك هـي عرضة للتغيير والتبديل, والتجديد والفحص والاختبار والإيقاف والتأجيل في كل عصر, وخاصة بعد تراكم المعارف، وتطور آليات الفهم.. وأن النص الديني مطلق الزمان والمكان والفهم البشري نوع من الفكر في تنزيل النص على واقعة محددة ضمن زمان ومكان محددين..

وهكذا, قضايا الاجتهاد والتقليد.. والتراث والمعاصرة.. والإبداع في مجالات الحياة, والابتداع في الدين, والفرق بين الإبداع والابتداع ..

والتمييز بين الغزو الثقافي والتبادل المعرفي , تحت شعار:

الحكمة ضاله المؤمن, أينما وجدها فهو أحق بها.. وكذلك الواقعية والمثالية .. والتمييز بين الخصوصية والعالمية, في مجال الثقافة.. والفردية والجماعية.. والرجل والمرأة... والثقافة والسياسة.. والعلم والدين... والتنوع والاختلاف.. والوسائل والغايات... والثابت والمتغير... [ ص: 23 ]

والعمل الديني والعمل المدني أو العصري... الخ هـذه الثنايات التي لا بد لفلسفة التربية من تحرير القول فيها ضمن إطار تربوي، ووسائل تعليمية تنقذ الجيل من التمزق, والتبعثر, والثنائية, وتحقق له الإنسجام الفكري والثقافي, وتخلصه من الوهن, بسبب فساد العملية التربوية.

المرأة.. والوأد التربوي.

وقد يكون من المفيد ونحن بصدد الإشارة لنماذج من هـذه الثنائيات وضرورة تحرير القول فيها من قبل فلسفة التربية, لضمان العافية للجيل القادم, والسلامة لنسيجه الاجتماعي, وتمكنه من الإبداع والشهود الحضاري، أن نتوقف قليلا أمام قضية لا تزال تفرض نفسها على الفكر التربوي الإسلامي، لأنها لم تأخذ بعد موقعها ومكانها السليم في البناء التربوي الإسلامي المعاصر, ولا يزال الكثير من جوانبها محل أخذ ورد، وكأن تكرار القول فيها أصبح ضربة لازب على العقل الإسلامي, ضمن خريطة محددة مسبقا, وهي: قضية المرأة, وما تتمتع به وظيفتها التربوية من خصوصية, وطبيعتها النوعية من قابلية تربوية أيضا, علما بأن القضية التربوية عملية مشتركة من كل الوجوه, والأفراد..

فالمعروف أن خطاب التكليف الإسلامي، بأبعاده المتعددة، إنما جاء عاما للرجل والمرأة على سواء، عقيدة وعبادة, ومعاملة وأمرا ونهيا وموالاة وحقوقا وواجبات وجعل الله ميزان الكرامة والفوز: التقوى والعمل الصالح,, وليس الذكورة ولا الأنوثة لأنها أمور قسرية لا يد للإنسان فيها, ولذلك لا يقبل عقلا أن تكون محل مسئولية وتفضيل, وإنما المسئولية على الأمور الاختيارية.. وأن القوامة التي شرعها الله للرجل هـي في الحقيقة مسئولية إشراف وأهلية قيادة وليست تشريفا.. ذلك أن الشرف إنما يكون بالتقوى والعمل الصالح.. فالخطاب عام, إلا من بعض المساحات التي ينفرد فيها الرجل, أو تنفرد فيها المرأة حسب الطبيعة النوعية ومقتضيات الوظيفة الاجتماعية. [ ص: 24 ]

والذي يستقرئ سيرة خير القرون, يجد أن الحياة الاجتماعية, كانت طبيعية, ومتكاملة, ومنسجمة في البناء التربوي الإسلامي, ولا يجد أثرا لهذه الثنائية إلا من بعض حالات خارجة عن النسق, والتي يمكن أن نعتبرها من الأمور المربية, قدرها الله لتكون من وسائل الإيضاح المعينة على فهم دور الرجل أو المرأة, وضرورة التصويب, لم تخرج عن النطاق الطبيعي.. فلما تراجعت التربية الإسلامية, وضعف العلم الإسلامي, وتحكمت التقاليد الاجتماعية وحلت محل التعاليم السماوية, وحكمت العقلية القبلية الجاهلية, مكان التربية النبوية, برزت هـذه الثنائية التي لا تزال تفرض نفسها على الواقع الإسلامي, حتى وصلت الأمور الى درجة من التطرف والغلو, والى الخروج أحيانا, فحرمت المرأة من التعليم, ومن الثقافة, ومن العبادة في المسجد، ومن الولاء, والبراء، والقيام بمسئولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وتحمل الشهادة وأدائها, وألغيت ذمتها المالية, وحقها في الإرث, وعطاؤها في الجهاد, تارة باسم ضرورة التفرغ لوظيفتها التربوية, وأخرى باسم الحرص على شرفها وعفتها, وثالثة باسم فساد العصر, وشيوع الفتن وكأن وظيفتها التربوية يمكن أن تؤدي وهي جاهلة بالحياة, والعصر, والمجتمع الذي يطلب إليها تربية أولادها للتعامل معه, ولا ندري: كيف يمكن أن تقوم بأداء وظيفة تربوية, وتخرج نماذج لحياة لا تعرفها, وكأن التربية تقتضي الجهل, والغباء, والعطالة, بحيث تصبح أقرب لتنظيف البيت والطفل منها الى تربيته، وكأن بعضنا أحرص على المرأة من الله الذي شرع لها حدود وظيفتها, وهو الخالق لها العالم بتقلب الأحوال, والأزمان, والفساد, والصلاح..

وقد تكون الخطورة في إيقاف وتعطيل بعض التعاليم والأوامر الشرعية بحجة الحماية من الفساد، كالخطورة في إلغاء أحكام الشريعة, والخروج عليها, بحجة عدم الصلاحية لهذا الزمان.. وأظن أن الأمرين في النهاية يصدران عن عقلية واحدة, وإن اختلف الاتجاه. [ ص: 25 ]

ولذلك نقول: إن تعثر العملية التربوية وفسادها في إطار المرأة، أبلغ أثرا، وأخطر شأنا منه في نطاق الرجل.. وأن المرأة التي ادعينا حمايتها، أوتينا من قبلها, وعدنا من حمايتها والدفاع عنها فلم نجدها، وصحونا بعد فوات الأوان, لنرسلها إلى مؤسسات التعليم فتجد أن المشرفين, والمشرفات على العملية التعليمية والتربوية ممن تربوا خارج الإطار الإسلامي, وسبقوا إلى التعليم, هـن قدوتها. كل هـذا كان يتم باسم الدين.. وأعتقد أن الكثير من المواقف في السيرة وعهد الخلافة الراشدة، لو حدث بعضها في مجتمعات اليوم لترتب عليها، مسالك خطيرة من بعض الجهلة, وسالت دماء غزيرة, باسم حماية المرأة.

لذلك نقول: إن الوأد التربوي والنفسي والاجتماعي, لا يزال يتم, لكن بصورة أكثر حداثة وإخراجا.. وما لم تستطع العملية التربوية اقتحام العقبة، وإعادة الاعتبار للمرأة, وتبصيرها بدورها كما شرعه الله, وإعطاءها ما أعطاها الإسلام في الحياة الاجتماعية, وإدراك موقعها في العملية التربوية فسوف يستمر الخلل، ويستمر العجز, ويكرس التخلف باسم التدين, وتفرغ المرأة من أخص خصائصها في الوظيفة التربوية التي ندعي أنها خلقت لها... وما لم يتم التحرير من العادات والتقاليد الاجتماعية التي تمارس باسم الدين – وهي ليست من الدين – على يد رواد الإصلاح الإسلامي والتربية الإسلامية, فسوف يكون الخروج عن التعاليم الإسلامية على يد أعداء الدين من المفسدين في الأرض.

عالم الغيب.. والشهادة.

ومن الثنائيات الخطيرة التي تستدعي وقفة بسيطة أيضا, تثير الموضوع, وتعيد طرحه من جديد، وتغري في تناوله, وتحرير القول فيه في نطاق فلسفة التربية الإسلامية, لتخليص الشخصية المسلمة من الأرجحة والاضطراب, واختلال التوازن, وعدم ضبط النسب، [ ص: 26 ] والسقوط تحت وطأة المجتمعات المادية الغازية, بثقافاتها الغالبة, إلى جانب ردود الفعل المتولدة عن السلبية, والعجز, وانطفاء الفاعلية التي يعنون لها في العالم الإسلامي بعناوين الإيمان:

قضية حدود عالم الغيب الذي يعتبر ركن الإيمان, وغاية المصير, ونهاية الحياة, ومستقبل الإنسان، في مقابل عالم الشهادة، واضطراب المعادلة عند مسلم اليوم, وعجز العملية التربوية عن التنشئة السليمة في هـذا الإطار، وعدم قدرتها على تحديد مدلولات عالم الغيب, وتحويل الإيمان به, وترجمته إلى معنى إيجابي ينشئ الدافع, ويربي الإرادة العازمة، ويحمي من السقوط , وينمي جانب الاحتساب, ويشعر بالمسئولية, ويعد بالعدل المطلق, وعدم فوت النتائج والثواب، ويربي الرقيب والوازع الداخلي, ويحمي من الآفات النفسية, من اليأس والقنوط, ويوقظ القلق السوي, ويهون المصائب, ويغري بالتضحية, وإخراج إنسان الواجب: ( وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ) (الشعراء: 109) . ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ) (الزلزلة: 7) .

والمشكلة: أن عجز العملية التربوية اليوم يتمثل في إسقاط الأمد الغيبي تماما، أو جعله ذا ظلال سلبية كئيبة على السلوك, وبناء الشخصية, ليصيبها بالعطالة, والتواكل، وفقدان التوازن, والتحول عن مجال التكليف, والمسئولية والمكابدة في عالم الشهادة، والنكوص عن القيام بأعباء الاستخلاف, للاشتغال بأمور الغيب, مما ليس مجاله العقل والفعل.. أو بمعنى آخر: افتقاد التوازن في هـذا الموضوع جعلنا ندع ما نملكه في عالم الشهادة، إلى الانشغال بما يملكنا في عالم الغيب.. وما لم تجب فلسفة التربية الإسلامية عن هـذه الثنائية, وتجعل الإيمان بالغيب في موقعة الصحيح من البناء التربوي, وتحرر القول في مصطلح الغيب, وأنه لا يرادف المستقبل من كل وجه, فسوف يستمر الوهن, قد يسمى الماضي غيبا: ( ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك ) ( آل عمران: 44) . [ ص: 27 ]

وقد يسمى الحاضر الغائب عن ساحة المشاهدة غيبا, وقد يسمى المستقبل في عالم الشهادة، غيبا, ويبقى على كل حال, غير الغيب بمعنى العالم الآخر الذي يختص الله بعلمه وتتوقف معرفته على إخبار الوحي, وإداك العقل..

لذلك قد يكون من الخطورة التربوية بمكان, التوهم بأن استشراف المستقبل, والتخطيط له, واستقراء التاريخ ليعين ويوجه إلى ذلك, لون من اقتحام المحظور الشرعي.

نعود إلى القول: ما لم تستطع فلسفة التربية, الإجابة السليمة عن هـذا الأمر، وتحدث التفاعل بين الإنسان والإيمان بالغيب, في تربيته وسلوكه, وتبقى تتردد العملية التربوية بين إنكار بإطلاق، باسم العقل والعقلانية, أو تجاوز الحدود التي بينها الوحي في فهمه, والاستغراق، في التعامل معه بلا ضوابط الوحي, فسوف نستمر في استقبال أفواج من المشوهين, من ضحايا العملية التربوية القاصرة, سواء أكان التشويه بسبب إنكار الوحي، أم إنكار العقل.

إن إنسان الواجب, إنسان الاحتساب, صاحب الإرادة العازمة, والدافع القوي، والدور الايجابي في كل الظروف، الذي نريد التربية الإسلامية أن تخرجه, سوف لا يتخرج بأبعاده المطلوبة إذا غاب البعد الغيبي, بسبب عجز مؤسساتنا التربوية, أو إذا غبنا في البعد الغيبي.

وقضية أخرى قد يكون من المفيد أن نعرض لها، ونذكر بها, وهي: أنه لا بد من الاعتراف أن فروعا كثيرة من المعرفة, وخاصة في مجال العلوم الإنسانية (علم النفس, والاجتماع، والتربية، والسياسة, والاقتصاد....الخ) , قد توقفت عن الامتداد في حياة المسلمين الفكرية من زمن بعيد، وما عندنا من المواريث في هـذه المجالات, لا يخرج عن أن يكون بوارق وومضات لم تتبلور, ولم تؤصل بالشكل الصحيح.. وأننا سبقنا في هـذه المجالات، وأن كثيرا من هـذه العلوم تمنهجت، وتأصلت, وتبلورت عند [ ص: 28 ] الأمم الأخرى، من خلال عقيدتها، وفلسفتها عن الكون، والإنسان والحياة..

والتحدي الصعب اليوم هـو: كيف يمكن للمتخصصين في هـذه العلوم – وغالبا ما جاءت تخصصاتهم في معاهد, ومناهج, ومعلمي الحضارات والثقافات الأخرى - أن ينفلتوا من التحكم, ويخرجوا من النسق التربوي والثقافي الذي درسوا في مناخه, ويمتلكوا الاقتدار على التمكن من أدواته وآلياته فقط, والفكاك من نسقه, ومن ثم إنتاج فقه تربوي إسلامي، من خلال المرجعية الإسلامية, ومصادر المعرفة الإسلامية في الكتاب والسنة، وردم فجوة التخلف, وإلغاء التبعية الفكرية، والعمالة الثقافية, والارتفاع إلى مستوى الخطاب التربوي العالمي، أو العطاء التربوي الإسلامي, وإغراء الناس بالإسلام حقيقة ؟

وهنا لا بد من القول: إن ميراث المسلمين في الإنتاج التربوي التاريخي، تركز على إنتاج الشخصية, وتمحور حول الجانب التطبيقي للبناء التربوي في قيم الكتاب والسنة, أكثر من الانشغال بتحديد المفهومات, وتأصيل الفكر النظري، الأمر الذي اقتضته العصور اللاحقة, أو الأجيال اللاحقة, بمعنى: أن المسلمين الأوائل اشتغلوا بوظيفة المفهوم عن الاشتغال بتحديد المفهوم والمصطلح, وأخشى أن أقول: بأننا اليوم ننشغل بالمصطلح عن وظيفته.

لذلك فإن من المجازفة والسذاجة بمكان أن نقوم بعملية مقارنه – مع الفارق- بين ما أنتجه المسلمون في عصور متقدمة, في الإطار النظري، مع ما وصلت إليه هـذه العلوم من رحلتها الطويلة.. وكان الأولى للقياس الصحيح, أن نقيس الإنتاج التربوي الإسلامي بعصره, من إنتاج العصر نفسه عند الآخرين, وضمن الإطار النظري والتطبيقي, لندرك تميز المسلمين وتفوقهم, وعندها نلقي باللوم على أنفسنا, وتقصيرنا, ونتخلص من العقلية الذرائعية التي تسوغ قصورنا, حيث نلقي بالتبعية على السابقين فنقع بما نتنكر له. [ ص: 29 ]

مرحلة الفكر التعبوي.

ويتفرع عن هـذه القضية, وجه آخر لا بد من الإشارة إلية, وهو: أننا في مرحلة استرداد الذات, وحمايتها من ثقافة وسياسة الغالب الذي حاول تكريسها بالاستعمار , كان من الطبيعي أن ينشأ عندنا رواد لهذه المرحلة, يكتبون في فروع المعرفة المختلفة, بما فيها المعرفة التربوية , بما يمكن أن نسميه: مرحلة استرداد الذات وحمايتها وتعبئتها ضد الذوبان، لذلك جاءت الكتابات كلها تقريبا بأسلوب تعبوي, يحتفظ بالمسلمين, ويحول دون ذوبانهم, وكأنه يقول لهم: بأن في الإسلام كفاية وغنى, بل فيه أفضل مما في الحضارات الأخرى, فاستمسكوا به, وأقبلوا على كنوز.. احتفظوا بالمسلمين ليجيئ المتخصصون, فيقوموا بدورهم في التأصيل, والتنظير, والتطبيق، والفقه التربوي.

لذلك, نقول: أن الارتقاء بالتبعية على هـؤلاء، دون إدراك دورهم بدقة, وقوع أيضا في الشرك الذي ننكره, ونتنكر له، مع الاعتراف بأن الخطورة, كل الخطورة أن يمتد هـذا الفكر التربوي التعبوي بعد انتهاء مرحلته, أو أن يبقى يستغرق المساحة كلها، حتى وان قلنا بضرورة استمراره وبحدوده الطبيعية.

التربية بالقدوة.

وقد يكون من المناسب هـنا أن نشير الى الدور المؤثر، والواعظ والبليغ في نطاق التربية بشكل عام, والتربية الإسلامية بشكل خاص, وهو: التربية بالقدوة.. ذلك أن القدوة أو الأنموذج, هـو في الحقيقة, تجسد للمثل الأعلى في الواقع البشري المحسوس والمشاهد, وترجمة للنظرية الى ممارسة وتطبيق, وتحويل للفكر والأمل الى فعل وعمل, من خلال عزمات البشر, وبذلك تتحقق القناعة الفكرية المحسوسة الى جانب القناعة العقلية المجردة, بأن المثل الأعلى ليس خيالا بعيد المنال، ومستحيل التنزيل على الواقع. [ ص: 30 ]

ومن هـنا نقول أن الضرورة العقلية والتربوية تقتضي أن يكون الأنبياء من البشر, وأن يكونوا رجالا يأكلون الطعام, ويمشون في الأسواق, وتجري عليهم سنة الحياة، التي تجري على سائر البشر. ولولا أنهم من البشر, لما استحقوا تربويا أن يكونوا نماذج للاقتداء وتجسيد المثل الأعلى، إذ كيف يشكل قدوة البشر, وترجمة أمينة للمبدأ، من لا يحس إحساس البشر, ولا يتمتع بصفاتهم, ولا يطيق طاقاتهم!؟

فالتربية على المثل الأعلى, وبعث النزوع والتطلع اليه, والإغراء به في نفوس البشر, لا بد له من نماذج ورموز في كل عصر.. لا بد له من أفراد ممتازين يجسدونه, ويثيرون الاقتداء به عند الآخرين, لمحاكاته والارتقاء اليه, الى جانب استصحاب سير الانبياء والصحابة, لتتواصل الحلقات التربوية التاريخية وتدلل على الصلاحية لكل زمان ومكان.. لكن المشكلة التربوية الحقيقية أو العبارة أدق " الخطورة التربوية " في هـذا المجال: عندما تتحول هـذه الرموز وتلك النماذج الى أوثان أو أصنام من دون الله، تضفى عليها الصفات والخصائص الخارقة, وتدعى لها العصمة عن الخطأ, واحتكار المثل الأعلى.. فبدل أن تكون ممثلة ومجسدة المثل الأعلى, تصبح هـي المثل الأعلى, والمقياس لكل شئ, يوزن بها الحق. ولا توزن به...

وهنا تبدأ مرحلة غياب المثل الأعلى بالمفهوم الإسلامي, وبروز الصنم الذي يحتكر كل الحقيقة في ذاته, وترتكس العملية التربوية, ويصبح الرمز أو الأنموذج قيدا على العقل, يحول دون انطلاقة الفكر، وقدرته على الإبداع والاكتشاف والاجتهاد, وتعود الابائية (والطوطمية) التي تحمل معها الاصار والأغلال لمحاصرة الانسان.

لذلك نرى أن القيم والمبادئ الإسلامية التربوية عوفيت من هـذا الداء – و إن أصيبت به بعض التطبيقات – عندما توجهت الى تقدير وتقديس الصفة, والوظيفة والعمل الناتج الموزون بميزان الحق، وأغرت باعتناقه, وتعشقه والتطلع اليه, ولم تقدس النماذج لأشخاصهم وإنما قدست القيم التي يمثلونها.. قدست الكرم، ولم تقدس شخصية الكريم وشكله.. [ ص: 31 ]

قدست قيم العمل ولم تقدس شخصية العادل.. وهكذا.. فإذا ذكر عمر رضي الله عنه , ذكر العدل. وإذا ذكر عثمان رضي الله عنه , ذكر الكرم والحياء, واذا ذكر خالد رضي الله عنه ، ذكرت القوة والجهاد في سبيل الله.. وذلك حتى تكون هـذه المعاني – من الناحية التربوية – في متناول الجميع الذين يعزمون على الارتقاء إليها، وليست حكرا على شخصية الأنموذج.

وبمعنى آخر: لقد قدست وخلدت القيم الإسلامية، معاني البطولة , ولم تقدس البطل.. وفي هـذا ما فيه من التحرير والارتقاء. فالارتباط والمعيار دائما هـو الحق والمثل الأعلى, حيث يوزن الرجال بالحق, ولا يوزن الحق بهم. فالرجال يعرفون بالحق, ولا يعرف الحق بالرجال.. وكل إنسان يجري علية الخطأ والصواب، ويؤخذ من كلامه ويرد إلا الرسول صلى الله عليه وسلم , لأنه مسدد بالوحي, ومؤيد به.

ولذلك يمكن أن نقول من هـذا المنطلق التربوي: أننا بذلك نجعل عملية التربية عملية متبادلة ومشتركة بين الأمة ونخبتها.. بين القيادة المتسلحة بالحق, المنتصرة له, والقاعدة دائما على الحيلولة دون تحول رموزها الى أوثان تقودها بدون وعي.. فالأمة تراقب النخبة, والنخبة ترتفع وتسمو بمقدار إرادتها العازمة في التزام المثل الأعلى والحق، ومقدار عطائها في إطاره.

أما عندما ترتكز العملية التربوية ويسود التقليد الجماعي, والمحاكاة ويتوقف التجديد والإبداع والاجتهاد والتقدم والتقويم عندها تتحول رموز العمل الى أوثان تفسد العملية التربوية والدعوية.. فبدل أن يكون القدوة أنموذجا مربيا، يصبح وثنا معطلا.

وهنا حقيقة لا بد من الإشارة إليها أيضا, لأنها في نظرنا قد تكون مكملة ولازمة لما سبق وأشرنا إليه بالنسبة لهذه النماذج والرموز وهي ما قلناه: بأنه يجري عليها محلا للقدوة الكاملة, لأن كل الناس – غير الرسول صلى الله عليه وسلم – لا وحي لهم، يسدد خطأهم.. لذلك نقول: أن غياب معيار, [ ص: 32 ] التصويب والتخطيئ بالحق, يؤدي بالضرورة الى التستر على الخطأ، ومحاولات تبريره وتسويغه بعقلية ذرائعية، كما هـو حاصل الآن في كثير من مجالات العمل والمواقع الإسلامية, حيث تتحول بعض القيادات والرموز الى معصومين, لم يحدث لهم ولا خطأ واحد في سيرتهم كلها.

ولعل هـذا يعتبر من أخطر الإصابات الداخلية في مجال تربية الأفراد, وبناء شخصياتهم الأمر الذي يضلل القيادات بإخراجها عن بشريتها لتصبح عقبة أمام كل نمو, وتصويب, وارتقاء, وتفكير حر, والانتهاء من ثم الى ضرب من التصنيم والتوثين والأبائية المعطلة التي حذر القران من السقوط فيها.

لذلك قد نقول هـنا: إنه يجب أن نفرح وأن نسر عندما نكون قادرين على اكتشاف خطأ أو أخطاء لهذه الرموز. تماما كما نفرح بصوابها...وان هـذا الاكتشاف سوف لا يضرها ولا يسقطها بل يؤكد بشريتها..

وقد يكون الخلل أو أسباب المشكلة في ذلك: أن العقل المسلم الذي وقع فريسة النظرة الجزئية, والتبعيضية، وغياب الرؤية الشاملة للأشياء، لا بد أن يقود ذلك إلى لون من التطفيف في الوزن والكيل, يدفعه الى أن ينظر إلى الأشياء ويقومها من خلال هـذه النظرة الجزئية, والموقف الواحد وتعميمها على المواقف والاجتهادات.. فإذا رضينا أن ننسب الخطأ لأنسان أو نثبته عليه فإن ذلك حتما سيقود العقل الجزئي إلى إسقاطه كليا وتناسي كل كسبه وصوابه في سائر الأعمال الأخرى. أي أن العقل الجزئي يسقط تاريخا طويلا من عمل الخير والصواب, بسبب خطأ واحد!! وقد يسقط تاريخا طويلا من عمل الشر والفساد والإفساد، بتوهم صواب واحد!! إنه اختزال للتاريخ في موقف عن الشيخ, أو الزعيم أو الرئيس أكثر من الدفاع عن الحق نفسه.. ويبرزون خطأه إلى درجة قد تحمله إلى مواقع العصمة وتخرجه عن طبيعته البشرية.. وعندها, تحيط به أخطاؤه وينقلب الإتباع إلى قطاعات بشرية تسيطر عليها وتحركها روح القطيع.. [ ص: 33 ]

ونعتقد أن العقل المسلم لو ربي على النظرة الشمولية (وكفى المرء نبلا أن يعد معايبة) , لكانت حمايته لأحبائه ورموزه, كحماية الطبيب المعالج, لا كحماية الأم الحنون التي تحول دون وليدها وقسوة الدواء الشافي, ويكون ذلك الامتناع سبيلا إلى إنهاء حياته.. وهذه آفة كل تستر على الخطأ، وعدم السماح بالنقد والتقويم بنوايا مخلصة, تحت شتى الظروف والمعاذير.. ومخاطر ذلك في المجالات التربوية, دمار للفرد والأمة على حد سواء..

الترغيب.. والترهيب..

وقضية أخرى قد تكون فرعا عما نعرض له أيضا, وهي: أن بعضا منا, سواء أكان ذلك في المجال التربوي، أو في مجالات الدعوة والعمل الإسلامي – وكلها لا تخرج عن النطاق التربوي- لا يرى مناقشة السلبيات التي يمكن أن يقع فيها العمل, أم حتى مجرد ذكرها، وإنما يرى أن نكتفي بذكر الإيجابيات, والتركيز عليها, بحجة أن ذلك يخلخل الصفوف، ويبصر العدو بمواطن الضعف، ويصيب النفوس ببعض الاحباطات والارتكاسات على المستوى التربوي, لذلك يرى أن تقتصر التربية على ذكر الايجابيات والترغيب دون الترهيب.. وفي اعتقادنا أن ذلك هـو مقتل العمل والتربية، فالقران عرض للترغيب والترهيب, معا, وحسب مقتضيات الحال, حتى في مراحل الطفولة الأولى:

( يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور ) (لقمان: 17 – 18) ... واعتمد التقويم والتسديد, حتى في أشد الحالات حراجة: حالات الهزيمة.

وفي الوقت الذي نرى بعض الصحابة يسألون عن الخير ليفعلوه، نرى بعضهم الآخر يسأل عن الشر مخافة أن يدركه. [ ص: 34 ]

التعسف في التفسير. ولعل بعض مظاهر المشكلة في العملية التربوية الإسلامية اليوم: أن قضية التعسف في تفسير النصوص من الكتاب والسنة, لم تقتصر على الجانب العلمي, والدراسات المادية, والكونية, أو ما يسمى بالإعجاز العلمي في محاولة لإثبات سبق الإسلام إلى هـذه النظريات, بشكل متخلف يدعو إلى الحزن أحيانا, ويشكل شاهد إدانة على فقر وعجز العقل المسلم اليوم, لأنه يستنزف نشاطه وطاقاته في اللهاث وراء إثبات ما وصل إليه العلم من نظريات وحقائق, ليعوض عن مركب النقص, ويدعي السبق الموهوم, وإنما تجاوز التعسف في التفسير إلى مجالات أخرى لعلها الأخطر في مجالات العلوم الإنسانية, في محاولة للتفتيش والانتقاء لبعض الآيات القرآنية والمصطلحات اللفظية, وإخراجها من سياقها, وعدم القدرة على إبصار وظيفتها, وتحميلها بعض المعاني الخفية, وحملها على نظريات في علم النفس والتربية والاجتماع, أو حمل الآيات عليها, والنظر إليها من خلال المذاهب والمدارس الفكرية, أو التربوية, المعاصرة. وقد تكون المشكلة الأخطر أن يتوسع بعض المفكرين المسلمين في فهمه لبعض الآيات, فتاره يقبل الإسلام عنده التربية الماركسية, وأخرى تنتقي بعض الآيات التي تلتقي نع التربية الرأسمالية, وثالثة نجد أصولا للمذهب الوجودي, ومذهب النشوء والارتقاء.. ونخشى أن نقول: لقد أصبح لكل إنسان فهم خاص للكتاب والسنة, اليوم، بحسب نظرته, ومواريثه, ومعتقداته، وقناعاته المسبقة. تحكم النسق الغربي. ولعلنا نقول: إن المشكلة إنما جاءت من تحكم النسق المنهجي الغربي في عمليات التفكير الإسلامي، خاصة لدى من تخصصوا في مناخه، أكثر من القدرة على الإفادة من الآيات الفهم والكسب البشري، ومن ثم توليد نظرة [ ص: 35 ] متميزة للتفكير, متسقة مع مصادره, وأصوله المعرفية, ونظرته للكون والإنسان والحياة, وبذلك يكون كل الناتج: إعادة قولبة الإسلام في القوالب الغربية, وتقديم الحيثية, والفلسفة الإسلامية لقولبته.. وهذه الحالة هـي الأخطر في الحوار, والتبادل المعرفي, والمواجهة الحضارية, من التحدي المباشر, حيث تتوهم المؤسسات التربوية والفكرية, الوصول إلى الإسلامية في النظرية والتطبيق, لكن الحقيقة هـي أن كلمة الإسلامية, أو الأسلمة لا تخرج عن أن تكون شعارا, ويافطة, أو ملصقا على المناهج والأساليب الغربية في التفكير.. وفي هـذه الحالة, قد يكون الأفضل لنا أن نحتفظ بالهاجس والقلق الدافع إلى الوصول إلى الفقه التربوي الإسلامي مستقبلا, من أن نتوهم أننا أحسنا صنعا بما نفعل, وبذلك نضل الغاية.

المعادلة المختلة

ولعل من بعض مظاهر الأزمة التي تعاني منها العملية التربوية في العالم, والتي ألحقت شيئا من الأذى بالتربية الإسلامية على يد بعض المتخصصين بالتربية ضمن إطار النسق الغربي: أن بعض المدارس والاتجاهات التربوية, اعتمد بناء الفرد أساسا للوصول إلى المجتمع الفاضل أو المنشود, ضمن فلسفة التربية التي تراها الأمة, وأسقط دور البيئة, والمجتمع, والمواريث الثقافية والتاريخية في عملية البناء التربوي, وانتقى لذلك الأدلة والوقائع التي تدلل على ما ذهب إليه.. وبعضهم الآخر يعتقد أن الفرد من الناحية التربوية هـو وليد البيئة, والجماعة, والوراثة الثقافية والعضوية, فالجماعة هـي المربية للفرد, ابتداء من الأسرة, و انتهاءا بالمجتمع, وألغى دور الفرد في القدرة على المبادرة والانفلات من أسر الجماعة, وامتلاك القدرة على التغيير.

وقد تكون المشكلة في الكثير من المدارس والاتجاهات التربوية هـي: الخلل في التوازن, وضبط النسب, في ضوء الحالات والمشكلات التي تعاني منها الأمة في كل زمان ومكان.. فقد يكون الارتكاز على الفرد تقتضيه ضرورة معينة, في مرحلة معينة, و لا يعني ذلك بالضرورة إسقاط دور الجماعة, [ ص: 36 ] وأهميتها في الصياغة والتشكيل التربوي.. وقد تقتضي ظروف أخرى إبراز دور الجماعة, والتركيز على التلاحم الاجتماعي, وإعادة بناء النسيج الاجتماعي الذي أصابه الوهن. ولا شك أن للجماعة, والبيئة, والمواريث الثقافية, دورا بارزا في التشكيل التربوي, والتحويل, والتغيير, بطبيعة فطرة الإنسان الاجتماعية, ( والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه, أويمجسانه, أو ينصرانه ) .. فالتشكيل والتغيير يأتي من البيئة والجماعة, لكن ذلك لا يؤخذ على إطلاقه, ولا يمنع من دور الفرد في التغيير والتحويل.. ولو كانت الجماعة هـي كل شيء في التغيير, والتنشئة, والتشكيل التربوي والثقافي, لأدى هـذا بالضرورة إلى توقف حركات الإصلاح والتغيير, وسلب القدرات من أفراد النخبة المبصرين لما يجب أن ترتقي إليه الأمة. فأفكار الإصلاح لا يمكن أن تبدأ بأفراد ممتازين, يتحركون في إطار نخبة تستطيع الانفلات, والقفز من فوق أسوار البيئة, والمجتمع, والواقع, والمواريث التقليدية, وتحاول فيما بعد أن تتوسع بنشر تلك الأفكار, وتحضر لها المناخات الاجتماعية المناسبة لتصبح فيما بعد: إنتاج نخبة, وإنجاز أمة.. فالأفراد لايمكن أن يتحركوا إذا لم يستطيعوا أن يحركوا القابليات, ويهيئوا القناعات الجماعية للنقلات النوعية والتغييرات الجذرية. فالفرد و الجماعة في العملية التربوية, يمكن أن يكون كل منهما مقدمة و نتيجة في الوقت نفسه.. فالنبوة هـي حركة أفراد غيرت المجتمع و البيئة, لكن التغير لم يتم بدون تربية عصبة, وحماية عصبة, أو نخبة, لذلك, فمقولة: " الناس على دين ملوكهم " , صحيحة إلى حد بعيد.. فكثيرا ما نرى طوابع الظلم والذل تلحق بشعوب كاملة, وتموت فيها روح الفاعلية, بسبب فراعينها أو قوارينها.. فالرغبة في تحقيق المصالح, والرهبة من لحوق الأذى, تطبق الواقع, فيصبح الناس من خوف الموت, في موت.. ومن خوف الذل, في ذل.. ومن خوف الفقر, في فقر.. ويكون الوازع السلطاني [ ص: 37 ] أقوى من الوازع الفكري , أو الوازع القرآني .

لكن مقولة: ( كما تكونوا يولى عليكم) , صحيحة أيضا إلى حد بعيد .. فليس السلطان, والقيادات الفاعلة، إلا ثمرة للمجتمعات، والوراثات الفكرية, والمناخ التربوي والثقافي..

ويبقى المطلوب للعملية التربوية: ضبط النسب، وإعادة التوازن المفقود في معادلة الفرد والجماعة من الناحية التربوية.

فصحيح أن فرعون استخف قومه, فأطاعوه.. لكن صحيح أيضا أن موسى تربى في بيت فرعون وخرج عليه، وقوض حكمه..ومؤمن آل فرعون أيضا، خرج على الواقع, ودعا إلى التغيير..ومواثيق الله هـي التي تحمي من السقوط التربوي، وتبني الصمود في وجه شيوع مناخ الظلم، ويصبح من أعظم الجهاد: كلمة عدل عند سلطان جائر: ( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ) (القصص: 5) .

فالإسلام بدأ غريبا عن البيئة والمواريث بكل أبعادها.. بدأ خطوته بإيمان فرد، ثم بحركة أمة.. والتربية الإسلامية, عندما عجزت عن التغيير للواقع السياسي الظالم, والمستبد، تاريخيا، لم تنهزم وتستسلم، وإنما استطاعت أن تحتفظ بالأمة المسلمة، بعيدا عن التأثر بالسلاطين المستبدين، وأن تعزلهم عن ضمير الأمة ريثما تتاح الفرصة التي تمكن من التغيير.

وبالإمكان القول: إن توقف الخلافة الراشدة عن الامتداد السياسي، لا يعني توقفها عن الامتداد في الميدان العلمي والتربوي والثقافي.. ولعل تاريخنا الحقيقي هـو التاريخ الثقافي, حيث نرى خلود ذكرى العلماء المجاهدين المربين, وغياب سيرة السلاطين المستبدين.

ودور العملية التربوية يكمن في القدرة على تحديد دور الفرد في عملية التغيير التربوي، ودور الجماعة والوسائل التربوية معا في التأثير وتشكيل الرأي العام الذي يشكل المناخ السليم لتنشئة الأفراد. [ ص: 38 ]

نعود إلى القول: بأن التربية هـي التنمية، وهي الثقافة.. هـي الرحم الذي تزرع فيه الأجنة، وتتعهد؛ لتنطلق في جميع مجالات الحياة.

والذي لا بد أن نشير إليه: أن محاولات إجهاد النفس في الوصول إلى نظرية تربوية إسلامية، أو فلسفة تربوية، أقل ما توصف به: أنها محاولات في غير الموقع المطلوب.. ذلك أن ما جاء به الإسلام يشكل بناءا تربويا متكاملا، في مجال العقيدة التي تخلص الإنسان من كل ألوان العبودية, وتعتق نفسه, وروحه, وعقله، من الأغلال, والآصار, والآبائية، والتقليد، وتكسبه الاطمئنان والسكينة تجاه أخطر المشكلات الحياتية: الموت، والمصير، والرزق, والحياة، كما فرض الإسلام عبادات متكاملة لبناء الشخصية هـي بمثابة تطبيقات واستجابات عملية عضوية وسلوكية لقضية عقيدية فكرية، ومعاملات مرتبطة بقيم وضوابط ومسالك اجتماعية.. إلخ.

وكأن المطلوب تربويا هـو: كيفية ابتكار الوسائل والمناهج التربوية لإحداث التفاعل بين الإنسان والإسلام، وانصباب البحث على مناهج وآليات الفهم، والتوصيل، وإعادة صناعة النسيج الاجتماعي، والفكر التربوي، أكثر من الانصراف إلى التنظير الذي كفلته القيم التربوية الإسلامية في الكتاب والسنة, وامتحن بالتطبيق التاريخي.

وبعـد:

فهذه بعض الخواطر في المسألة التربوية, نقدم بها لهذا الكتاب " مقومات الشخصية المسلمة " الذي نرجو أن يضع الخطوات الأولى الصحيحة والمتخصصة على طريق الفكر التربوي المتخصص الطويل، بعد مرحلة التعبئة واسترداد الذات, كما نرجو لها أن تثير الكثير من القضايا التي تستدعي النظر, والبحث, والتوفر على الإختصاص.. ولا نقصد العمل والتخصص الفردي، لأن العملية التربوية عملية متراكبة، تشارك في بنائها مجموعة علوم وتخصصات لم يعد ينفع معها إلا العمل الجماعي المتكامل..

والكتاب الذي نقدمه, نعتقد أنه محاولة جادة, ومساهمة مقدورة في مجال [ ص: 39 ] وسائل إخراج الإنسان الصالح المصلح, كثمرة لتربية المدرسة الإسلامية, وتقديم قراءة تربوية دقيقة وذكية للأصول والمصادر المعرفية الإسلامية, ودليل عمل, بعد مرحلة التعميم وتداخل الموقع.

وعلى الرغم من أن السمة الأكاديمية هـي الطابع المميز للكتاب, الأمر الذي تقتضيه مرحلة الخروج من التعميم إلى التخصيص والتخصص, ويقتضي أيضا دراسة الكتاب دراسة متدبرة وليس قراءته, تبقى بعض الطروحات محلا لمزيد من البحث, والنظر, والتأمل, والتنوع في وجهات النظر.. وكل إنسان يؤخذ من كلامه ويرد إلا الرسول المعصوم صلى الله عليه وسلم .. وتبقى التربية هـي القضية الأم التي لا يكفي فيها كتاب ولا كتب.. ولعل الله ييسر المزيد من البحوث والدراسات في مجال المعرفة الإسلامية للوصول إلى إسلامية المعرفة والإنتاج الفكري, ضمن إطار النسق المعرفي الإسلامي, وإنقاذ وتخليص الأمة من أزمتها, وإعادة دورها في الشهود الحضاري: ( لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) (البقرة:143) [ ص: 40 ]

التالي


الخدمات العلمية