إخراج الأمة المسلمة وعوامل صحتها ومرضها

الدكتور / ماجد عرسان الكيلاني

صفحة جزء
تقديم بقلم: عمر عبيد حسنة

الحمد الله الذي لم يسلط على الأمة المسلمة عدوها تسليط استئصال وإبادة، وإنما هـي عقوبات يوقعها بسبب معاصيها الخلقية والفكرية والسياسية، ومنبهات حضارية للقضاء على الكيانات الرخوة، والعناصر الشائخة في جسدها، تحصنها دون عوامل الموت والفناء، وتحرك فيها الإمكان الحضاري، وتوقظ القدرة الكامنة، وتحرضها على الإقلاع من جديد.

والصلاة والسلام على المرسل بالهدى ودين الحق، تركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هـالك، الذي أخرج الأمة المسلمة النموذج، وناط بها مسئولية الشهود الحضاري، بما تمتلك من الرسالة المعيارية: ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) [البقرة:143].

وإذا صح لنا أن نقول: بأن نهوض الأمم ومعاودة إخراجها واسترداد دورها، مرهون إلى حد بعيد باستقراء ظروف وشروط ميلادها الأول، أدركنا أهمية الاهتداء بقيم الكتاب والسنة، وتطبيقات السيرة، في عملية البعث الإسلامي، أو إخراج الأمة المسلمة من جديد.

وبعد:

فهذا كتاب الأمة الثلاثون " إخراج الأمة المسلمة " للدكتور ماجد عرسان الكيلاني ، في سلسلة " كتاب الأمة " التي يصدرها مركز البحوث والمعلومات، برئاسة المحاكم الشرعية والشئون الدينية في دولة قطر، مساهمة بإعادة تشكيل شخصية المسلم المعاصر الفاعل، واسترداد دور الأمة المسلمة في الشهود الحضاري، وذلك بإعادة بناء نسيجها الاجتماعي، وإحداث التفاعل بينها وبين [ ص: 7 ] الإسلام، وتخليصها من الرؤية النصفية والجزئية، التي تستحوذ عليها، والتي نأت بها عن مقاصد الدين وأهدافه، وعطلت قدرتها على السير في الأرض، والنظر في سنن الله في الأنفس والآفاق، واكتشاف القوانين والأقدار التي تنتظم الحياة والأحياء، وامتلاك الوسائل التي لا بد منها لتحقيق مقاصد الدين، والقيام بأعباء الاستخلاف الإنساني.

ونحن لا ندعي بتقديمنا لهذا الكتاب " إخراج الأمة المسلمة " الذي يعتبر مكملا للكتاب السابق " مقومات الشخصية المسلمة " ، أو إخراج الفرد المسلم، أننا بلغنا ما نريد في المسألة التربوية، سواء منها ما يتعلق بتربية الفرد، أو ما يخص إخراج الأمة المسلمة، ذلك أننا نعتقد أن ملف المسألة التربوية، يجب أن يبقى مفتوحا، حيث تتجدد الأساليب والأوعية التربوية بتجديد الحياة، وتنوع المشكلات والقضايا التي يعرض لها الإنسان مع تطور المكتسبات المعرفية والعلمية، التي لا بد لها من تطوير مرافق لأبنية أخلاق المعرفة، أو لمناهج إسلامية المعرفة.

ويمكن لنا اعتبار الكتابين مساهمة متقدمة، في إطار التأصيل المنهجي التربوي، كما يمكن من وجه آخر، اعتبارهما خامات ومعادن تربوية، تحتاج إلى الكثير من التصنيع والصياغة، والتجسيد العملي في البناء المؤسسي، في المجالات المتعددة، في محاولة جريئة لتجاوز (الأبنية الفكرية والمؤسسية المسبقة) ، التي استمدت قداستها من الإلف، وقوة الاستمرار، والوراثة، التي قد يتقبلها العقل، وتتسرب إلى الثقافة، بدون فحص واختبار، كما تورث الأشياء المادية عن الأسلاف والآباء.

وكنت أتمنى أن تتاح فرصة للمساهمة ببعض الملاحظات والمفهومات حول إخراج الأمة المسلمة، وما تتمتع به من الإمكان الحضاري، وامتلاك الرسالة المعيارية، والتواصل الثقافي بين أجيالها، الأمور التي تقتضيها خاصيتا الخلود وختم النبوة، والتي تعتبر من لوازمهما، وكيف أن الدورات الحضارية التي عرض لها علماء التربية والاجتماع والتاريخ، لم تنطبق بشكل رياضي صارم على الأمة المسلمة، وأن حسابات أعدائها لم تصدق تماما عليها؛ لأن لهذه الأمة دائما مفاجآتها، التي لا تزال تستعصي على تقديرات خصومها، وإن لم تنج بعمومها منها، لأن سنن الله في الكون [ ص: 8 ] وأقداره لا تحابي أحدا. ذلك أن مواثيق الله لحملة الرسالة الخاتمة، واستقراء التاريخ، يؤكدان أن الطائفة القائمة على الحق لا يمكن أن تتوقف، أو تغيب؛ لأن ذلك يعني -فيما يعني- إصابة مهمة البلاغ المبين، وقضية التكليف نفسها، إذ كيف يمكن أن تتوقف الأمة القائمة على الحق، التي تمتلك خطابه ومعياره، بعد توقف نسخ الشرائع.. الأمة التي تتحمل مسئولية منهج النقل لتعاليم النبوة.. لذلك فالقيم تبقى محفوظة بحفظ الله، وإن أصيب منهج العقل والاجتهاد، هـذا من جانب، ومن جانب آخر؛ فإن عصمة عموم الأمة ( لا تجتمع أمتي على خطأ. وفي رواية: على ضلالة ) ، تعتبر من الضمانات النصية والعملية على امتلاك القدرة على النهوض دائما، والحيلولة دون الإصابات الموصلة إلى الوفاة، وإن كان ذلك لا يمنع عنها المرض والتوعك.. ومن مظاهر المرض والتوعك: عجز المؤسسات التربوية الحالية عن وضع الأوعية الصحيحة لحركة الأمة، وعجز المؤسسات التقليدية الموروثة عن الآباء -خاصة في عصور الجمود والتقليد الجماعي- عن تجاوز القراءة النصفية للحياة، حيث غابت فيها علوم الإنسان، التي تشكل المدخل الطبيعي والأساسي للتعامل معه، وتقدير موقعه بدقة، من البناء الاجتماعي وتقويم سلوكه بمنهج الله، كما غابت فيها دراسة السنن الاجتماعية في الأنفس والآفاق، وإدراك قوانين الحركة التاريخية في نهوض وسقوط الأمم، الأمر الذي لا بد من الإحاطة به في عملية التحويل الثقافي، وإعادة النسيج الاجتماعي.

إن عدول المؤسسات التربوية عن فقه كتاب الكون والاجتماع البشري، انعكس على قراءتها للكتاب والسنة، وحاصر قدرتها على تعدية الرؤية، والامتداد والخلود لقيم القرآن نفسه، الأمر الذي جعل العمل والعاملين في الحقل الإسلامي، خارج سياق الحياة والواقع.

وقضية أخرى كانت ولا تزال جديرة بالبحث أيضا، ونحن بصدد تأصيل منهج إخراج الأمة المسلمة، وهي: غياب الأبعاد الحقيقية لمفهوم فروض الكفاية ، وموقعها كواجبات اجتماعية، تساهم بتماسك نسيج الأمة الاجتماعي، وتشعرها بالمسئولية التضامنية، وتنهي بها إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي على مختلف الأصعدة.

لقد هـمشت فروض الكفاية، حتى كادت تقتصر على قضايا المصير، وكل [ ص: 9 ] ما يتعلق بحالات الوفاة ولوازمها من التغسيل والتكفين، وحمل الجنازة، ودفنها، بعيدا عن إبراز دورها في آفاق الحياة المتعددة، في كل ما له علاقة بمهة الاستخلاف الإنساني، والتعمير الحضاري، وأهمية تقديمها على الفروض الفردية، وإدراك دورها في حياة الأمة، وتأمين حاجاتها من مختلف التخصصات المطلوبة، والتي تصبح بعد اختيارها فروضا عينية على أصحابها. هـذا إضافة إلى انكماش مفهومها، في الذهن المسلم المعاصر، فالمعروف من مفهوم فرض الكفاية أنه إذا قام به بعضهم، سقط الإثم عن الباقين، ومعنى قام به: أداه على الوجه الأكمل إلى درجة الكفاية الاجتماعية، ولا يعني ذلك بحال من الأحوال مباشرته فقط، كما هـو شائع، سواء وصل إلى درجة الكفاية وتحقيق الاكتفاء أم لا.

ومن الأمور اللافتة أيضا، ونحن بصدد طرح قضية فروض الكفاية وأهمية تحرير القول في أبعادها، ودورها الهام في تشكيل نسيج الأمة، والإسهام بحصانتها وعافيتها - أن الآلية الفقهية التي تشكل الأوعية الشرعية لحركة الأمة، ومسالكها بشكل عام، وخاصة في عصور الجمود، والعصبية المذهبية، والتقليد الجماعي، جعلت للاجتهاد البشري القابل للخطأ قدسية النص الديني المعصوم، الأمر الذي قاد إلى الكثير من الصراعات والتمزقات المذهبية، كما انتهت إلى تجريدات ذهنية، وآلية ميكانيكية لإنتاج الأحكام الفرعية، التي قد تنأى عن مقاصد الدين العامة، ولا أدل على ذلك من شيوع فقه الحيل الشرعية الذي يمكن اعتباره فقه مخرج، وليس فقه مقصد، وصاحبه حامل فقه وحافظ، وليس بفقيه.. ولذلك قرر بعض الفقهاء أن تطبيق القياس -أحد مصادر التشريع- على إطلاقه، قد يفوت مصلحة شرعية معتمدة ومقصدا من مقاصد الدين، لذلك كان لا بد من العدول إلى الاستحسان كمصدر للأحكام لتحقيق المصلحة الشرعية.. ويمكن أن نصنف في هـذا الإطار " فقه المقاصد " - الكثير من اجتهادات الأئمة: ابن تيمية ، والشاطبي ، والشوكاني ، والطاهر بن عاشور ، وغيرهم من الذين تنبهوا لأهمية البعد الاجتماعي لمقاصد الشريعة، الذي يجب أن يشكل المحور الذي تدور حوله الأحكام الفقهية.

ومن الإصابات الفكرية والتربوية في نطاق الأمة، والتي لا بد من تسجيلها هـنا: [ ص: 10 ] أن لا يكون في مكتبتنا الفقهية التي تمثل القسم الأعظم من المكتبة الإسلامية والثروة التراثية الكبرى، إلا بعض الكتب التي لا تتجاوز أصابع اليد في مقاصد الشريعة وأهداف الدين العامة!

ولعل ذلك بسبب الخلل التربوي، الذي أدى إلى نمو الفقه الفردي، وانقطاع الفقه عن مجرى الحياة العامة، وعزلته عن الواقع المعاش، وإغلاق بابه، الأمر الذي جعل الحياة تدخل من أبواب أخرى بعيدا عنه. حيث بقيت مؤسسات التربية والتعليم، تبدي وتعيد في المشكلات التاريخية على الرغم من تطور العصر، وتغير المشكلات، وتجدد الحياة.

وقضية أخرى قد تكون جديرة بلفت النظر أيضا، وهي: أن اعتماد أنظمة الحكم والأشكال السياسية فقط، معيارا للنظر إلى الأمم، والحكم عليها، وتقويمها، فيه الكثير من التجاوز والمجازفة، والبعد عن الحقيقة والواقع، نحن هـنا لا نتنكر لمدلول ( قولة الرسول صلى الله عليه وسلم : كما تكونوا يول عليكم ) ، وأن أنظمة الحكم تشكل إلى حد بعيد بعض النوافذ التي ينظر من خلالها إلى طبيعة تركيب الأمم والحكم عليها، وإنما نرى جوانب أخرى لمدلول قول الرسول صلى الله عليه وسلم ، تخص الجانب التربوي الذي يلفت النظر على أن التغيير والتحويل لواقع الأمة، لا يبدأ من رأس السلطة، التي لا تعدو أن تكون ثمرة طبيعية لبذرة الواقع وشجرته، وإنما يبدأ التحويل من العكوف على الذات، والبدء من أغوار النفس بإعادة التربية والصياغة، وتغيير البذور الفكرية، لتنتج ثمارا أخرى في رأس السلطة، فالله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. هـذا إضافة إلى أن الواقع يدل على امتداد الأمة المسلمة الثقافي والفكري والتاريخي، على الرغم من الكثير من الإصابات والتمزقات السياسية، حيث الكثير من الأنظمة السياسية -في عالم المسلمين- تاريخيا، عاشت معزولة إلى حد بعيد عن ضمير الأمة المسلمة، ولعل في طلب الرسول - صلى الله عليه وسلم - للمسلمين ملازمة القرآن، عندما ينفصل عنه السلطان، دليل من وجه آخر على امتداد أمة الرسالة والدعوة، ولو توقفت مؤسسات السياسة والحكم.

ونحن هـنا لا ننكر أثر وتأثير النظام السياسي في نسيج الأمة ومؤسساتها التربوية التي [ ص: 11 ] يحولها لتنتج على هـواه، إلا أننا نعتقد أن إعداد الفرد، وحسن إخراجه طبقا لتعاليم النبوة، وتغيير ما بنفسه يبقى اللبنة الأولى والأساس في البناء، وأن الخلل في وسائل ومؤسسات التربية في إخراج الفرد الصالح غير المصلح، لا يلغي دوره وأهميته، وإنما لا بد أن يعود بالإلغاء على الوسيلة المخطئة، علما بأن القيم الإسلامية، والتطبيقات النبوية، ضبطت النسب بين كل من دور الفرد، ودور الأمة، حتى لا تصاب آلية التغيير الاجتماعي بالتصلب والتكلس، وتنتهي إلى نوع من الحتمية في إنتاج النماذج المطلوبة والعاجزة عن الخروج على قوالب البيئة الاجتماعية.

وبعد: فهذه ملاحظات سريعة فرضتها مساحة الكتاب، رأيت تسجيلها سائلا الله سبحانه أن يرزقنا الإخلاص، ويلهمنا الصواب، إنه نعم المسئول. [ ص: 12 ]

التالي


الخدمات العلمية