الصياغة الإسلامية لعلم الاجتماع (الدواعي والإمكان)

الأستاذ / منصور زويد المطيري

صفحة جزء
ظهور علم الاجتماع

وأما إذا جئنا إلى الكتابات في علم الاجتماع، بعد رسوخه والاعتراف به، نجدها قد أوغلت في التبعية للغرب الليبرالي ، إلى درجة بعيدة، وسنحاول استعراض بعض الدراسات في هـذه الفترة التي تمثل بداية مشوار على الاجتماع.

وتعتبر رسالة المصري منصور فهمي >[1] ، المبتعث من قلب الجامعة المصرية إلى جامعة باريس سنة 1913م، أول رسالة في علم الاجتماع، وكان عنوان الرسالة " حالة المرأة في التقاليد الإسلامية والتطور الإسلامي " ، وكان المشرف عليها عالم الاجتماع والأنثربولوجيا اليهودي " لوسيان ليفي بريل " . يذكر المؤلف في مقدمة رسالته: " أنه سيغضب كثيرا من مواطنيه، ولكنه أراد تحري الحقيقة، مع أن قلبه يتمزق أسى على من سيجرح شعورهم بلا قصد، وهم في الوقت نفسه أعزاء عليه، غير أن الحقيقة من شيمة الأقوياء، بينما إغفالها من شيمة الضعفاء " >[2] .

وقد كان يبرر بذلك وقوعه تحت تأثير المستشرقين المتعصبين، فقد أتت رسالته مجافية لقواعد الدين، فضلا عما يجب أن يتصف به المسلم إذا تناول مبادئ الإسلام، من توقير واحترام وموضوعية. [ ص: 87 ]

وعندما نذكر عناوين الفصل الأول، تنكشف مدى مبالغة المؤلف في البعد عن روح البحث العلمي الواجب التحلي به، فهو يتحوي العناوين التالية:

" محمد يشرع للجميع، ويستثني من ذلك نفسه " ، ثم: " زيجات محمد " ، " حياته المنزلية " ، " آراؤه المعادية للمرأة " ، ثم: " آراؤه المناصرة للمرأة " ، وفي هـذا الفصل يتحدث عن القواعد الخاصة بالزواج، وكيف استثني النبي صلى الله عليه وسلم منها. وكما يقول د. سعفان " فلا يستطيع قارئ أن يتصور فصلا يحتوي على نقد لاذع للنبي صلى الله عليه وسلم ، ولحياته الزوجية والاجتماعية أكثر من هـذا الفصل " >[3] .

وقد سار الباحث على خطو أستاذه اليهودي، ووقع تحت تأثيراته، فكانت نظرياته بعيدة عن الصواب، ولا يليق صدورها عن مسلم. وقد تراجع عنها المؤلف فيما بعد.

وعلى الرغم من أن طه حسين >[4] يعد في عداد الأدباء، إلا أن رسالته عن " فلسفة ابن خلدون الاجتماعية " ، 1918م، التي أشرف عليها المسيو كازانوفا >[5] أستاذ الأدب العربي في باريس، لها علاقة كبيرة بعلم الاجتماع، حيث تناول البحث أراء ابن خلدون الاجتماعية. [ ص: 88 ]

واللافت للانتباه في هـذه الرسالة، أمران: يتعلق الأول: بإنكار المؤلف أن يكون ابن خلدون مؤسسا لعلم الاجتماع أو مبشرا به، وذلك على خلاف الغالبية من علماء الاجتماع المسلمين. وكذلك بعض الأوروبين. وقال عن رأي هـؤلاء: " إنني أعتقد أن تلك مبالغة جسيمة " . ويتعلق الأمر الثاني، برأيه في الإبداع الذي قدمه ابن خلدون، فهو يعتبر أن عبقرية ابن خلدون تجلت في أنه فصل السياسة عن الأخلاق، واللاهوت، والقانون، فقد خلص ابن خلدون السياسة من الاعتبارات الدينية، وعرضها في صورة علمية صرفة >[6] .

وكما نرى: فقد صور طه حسين ابن خلدون في صورة العلماني الذي يفصل أمور الدنيا عن الدين، وذلك نتيجة حتمية لتشبعه بالثقافة الغربية، ويغفل عن أن ابن خلدون فقيه من فقهاء الشريعة، وعلم من أعلام المذهب المالكي، قبل أن يكون سياسيا أو مؤرخا، كما أنه ابن البيئة والثقافة الإسلامية، وكان يصدر في نظرياته جميعا عن منطلق إسلامي مخض، كيف لا وهو الذي يقرر في هـذا الموضوع ما يأتي: " والخلافة هـي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها. وإذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع ال اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا " >[7] . [ ص: 89 ]

فقد اعتبر أن الشرع إنما جاء لسياسة الدنيا، والتوجيه إلى مصالح الآخرة أيضا.

وأما عن أول مؤلف بالعربية، يحمل اسم علم الاجتماع، فقد صدر في مصر سنة 1925م، وهو بعنوان " علم الاجتماع - حياة الهيئة الاجتماعية وتطورها " ، ألفه نقولا الحداد >[8] وهو عبارة عن جزأين.

ولقد لقي الكتاب ترحيبا حارا عند صدوره، فمثلا كتب أسعد داغر >[9] في مجلة المقتطف، 1925م: " وجملة القول: إن كتاب علم الاجتماع وحيد في بابه، فريد في نوعه، لم ينسج بعد على منواله، ولا سمحت قريحة كاتب بمثله " .

وكتبت مجلة " الشورى " عنه قائلة: " كتاب لم الاجتماع، هـو الأول من نوعه على ما نعلم، وقد اشتغل الأستاذ في الاستعداد لتأليفه خمسة عشر عاما " .

وكتبت " السياسة " قائلة: " نحن بإزاء مجهود عالج فيه المؤلف علما جديدا في العربية، وجاهد ليضع اصطلاحات جديدة، ولكل جديد حقه في الحياة " >[10] . [ ص: 90 ]

ويدور الكاتب في كتابه هـذا، في فلك الدراوينية والتطورية، فقد تأثر تأثرا كبيرا بمؤلفات أصحاب النظريات العضوية والتطورية، التي سادة أوربا في ذلك الوقت. فقد قرأ أعمال " هـربرت سبنسر " ، وترجم منها نصوصا كاملة.

وللتمثيل على آرائه، نورد ما يلي:

يقول الباحث عند حديثه عن منشأ الإنسان الأول، وتحت العنوان الفرعي: ابتدأت الإنسانية بتفوق جماعة واحدة: " أغضينا النظر فيما تقدم عن عقيدة خلق الإنسان الخالص؛ لأنا نعتنق في بحثنا لاجتماعي عقيدة تسلسل النوع الإنساني من نوع أحط منه، استنادا على تقرير العلم الطبيعي البيولوجي والجيولوجي لعقيدة التسلسل، العلم الطبيعي يؤيدها بيولوجيا، علم الاجتماع يؤيدها اجتماعيا أيضا، لما علمته فيما تقدم من استمرار الاجتماعية من المملكة الحيوانية إلى المملكة الإنسانية " >[11] .

ويقول في موضوع آخر - عند كلامه عن الدين-: " يظهر لمن درس عقائد الجماعات المنحطة المختلفة، أن الدين جاء بعد السحر والعرافة، وما يشبهها من العقائد، ولعله تولد منها.. والسحر والعرافة وما إليهما، جاءت بعد خرافات التشاؤم والتفاؤل؛ لأن بعض القبائل الهمجية الباقية إلى الآن ليس عندها عقيدة دينية بتاتا، وإنما عندها خرافات وأوهام من قبيل التفاؤل " >[12] .

ولم يكن المؤلف سباقا لنقل الداروينية بكتابه هـذا، بل إنه كان يساير الوضع السائد، حيث ازدهرت التطورية في تلك الفترة في العالم الغربي، وازدهر نقلها إلى العالم العربي. [ ص: 91 ]

ومن ناحية أخرى، يقول أحد مؤرخي علم الاجتماع في مصر: " لم تتح الفرصة، لتدريس هـذا العلم في مصر ، كعلم أساس إلا في سنة 1925م، التي تحولت فيها الجامعة المصرية من جامعة أهلية إلى جامعة حكومية، وقد أنشئ في كلية الآداب قسم مستقل، لتدريس علم الاجتماع، سار على نهج المدرسة الاجتماعية الفرنسية التي بدأها: " أوجست كونت " .. وأرسى قواعدها " اميل دوركايم " .. ولقد أثرت هـذه المدرسة، ولا تزال تؤثر، قسم الدراسات الاجتماعية في كلية الآداب بجامعة القاهرة، الجامعة الأم، وحتى يومنا هـذا " >[13] .

ومن أوائل الكتب التي صدرت بعنوان علم الاجتماع، كتاب د. عبد العزيز عزت الذي صدر عام 1949م بعنوان: " علم الاجتماع والعلوم الاجتماعية " ، تكلم فيه عن أهمية علم الاجتماع في فهم الظواهر الاجتماعية.

وفي عام 1953م، كتب د. حسن سعفان كتابه: " أسس علم الاجتماع " تناول فيه أغلب موضوعات علم الاجتماع، وقد طبع طبعات كثيرة درست لمعظم طلاب علم الاجتماع في مصر، والكويت ، ولبنان ، وليبيا ، وقد رجع المؤلف إلى عدد كبير من المراجع الفرنسية، والإنجليزية، والأمريكية >[14] .

ولسعفان مؤلفات أخرى متقدمة النشر، منها: مشكلات المجتمع المصري " 1951م " ، تاريخ الفكر الاجتماعي " 1957م " ، [ ص: 92 ] الدين والمجتمع " 1957 - 1958م " ، إلا أن هـذه المؤلفات " لا تنم عن موقف خاص للمؤلف، أو اتجاه نظري معين ينتمي إليه، فهي عبارة عن جهد تجميعي نشط، ولا تنطوي على أي إنجاز علمي حقيقي " >[15] . وقد انحصر نشاطه في الغالب في نقل مفهومات وتصورات المدرسة الفرنسية في علم الاجتماع من خلال أعمال " دوركايم " وتلاميذه.

وكتب د. عبد الكريم اليافي من سوريا كتاب: تمهيد في علم الاجتماع " سنة 1952م " ، وهو لا يختلف عن الكتاب السابق من حيث الاتجاه، حيث يدور حول النظرية في علم لاجتماع الأوروبي الكلاسيكي.

وهناك نوع آخر من الكتابة في علم الاجتماع ظهر مبكرا، وهو البحوث الأمبريقية الميدانية، وتمثل دراسة حسن الساعاتي " 1951م " : علم الاجتماع الجنائي، واحدة من أقدم الدراسات من هـذا النوع. وكذلك دراسته: التصنيع والعمران " 1962م " ، وقد استخدم في دراساته أساليب البحث الأمبيريقي.

ويعد المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في القاهرة - والذي أنشئ في منتصف الخمسينيات- رائدا في البحوث الأمبيريقية التي شملت مختلف الجوانب، كالتصنيع، والريف، والأسرة، والرأي العام، إضافة إلى الجريمة وانحراف الأحداث، وغيرها.

وبالنسبة لعلم الاجتماع في المغرب العربي، فإن نشأته جاءت مرتبطة بالسلطة الاستعمارية الفرنسية، وقد هـدف الاستعمار إلى إذابة الهوية الإسلامية، [ ص: 93 ] فكانت الدراسات الميدانية، تتجاهل دور الإسلام، لتعود إلى تاريخ البربر القديم وتحاول التركيز على الفروق بين العرب والبربر، فالمدرسة الاستعمارية في الاجتماع المغربي، كانت مشغولة بهدف أيديولوجي أساس صبغ كل أعمالها هـو:

العمل على تمثل السكان الريفيين - وخاصة البربر- سياسيا وفكريا ولا شك أن علم الاجتماع في تلك الفترة، لكان أداة للقهر، وتأكيد السيادة الفرنسية >[16] .

وملامح علم الاجتماع في المغرب في هـذه الفترة، يمكن تحديدها كما يلي:

1- إن علم الاجتماع كان ذا طبيعة عملية، هـدفها توفير المعلومات المطلوبة إلى رجال الإدارة الفرنسيين.

2- إن جميع الدراسات التي تمت، أجريت بواسطة فرنسيين.

3- إن الإطار النظري لتلك الدراسات، كان ذا مضامين سياسية واضحة تماما >[17] .

التالي السابق


الخدمات العلمية