الصياغة الإسلامية لعلم الاجتماع (الدواعي والإمكان)

الأستاذ / منصور زويد المطيري

صفحة جزء
الهدف الثاني

يهدف علم الاجتماع الإسلامي إلى قياس مدى اقتراب المجتمعات الإسلامية، أو بعدها عن الإسلام، وهذا هـدف مرتبط ارتباطا أساسيا بالهدف السابق، حيث إنه لا يمكن فصل العقيدة عن الشريعة، أو النظام في الإسلام، فبينهما علاقة وطيدة، تشبه تماما علاقة جذور الشجرة بالشجرة نفسها، فمن المستحيل قيام النظام الإسلامي بدون العقيدة الإسلامية، كما أنه من الخطأ وصف أي مجتمع بأن عقيدته إسلامية، كما أنه من الخطأ وصف أي مجتمع بأن عقيدته إسلامية، وهو لا يطبق الشريعة الإسلامية في حياته.

ويعني ما سبق أن نظام الإسلام نظام شامل، يتناول جميع شعب الحياة، وينظم علاقات الإنسان مع نفسه ومع غيره. ويبتر الإسلام حين، يفهم على أنه مجرد طقوس وعبادات وشعائر يؤديها الفرد بصيغ معينة، ولكن الإسلام طاعة شاملة لحكم الله في جميع نواحي الحياة الاقتصادية والسياسية والأسرية والقانونية والتربوية، في الحرب والسلم، وفي كل علاقة بين شخصين. فكل نواحي الحياة لها حكم في الإسلام، إما ينص من كتاب أو سنه، أو باستنباط من نص، أو بقاعدة عامة. [ ص: 117 ]

بل إن لفظة الإسلام نفسها، تدل على هـذا المعنى، فهي تعني " الانقياد والامتثال لأمر الآمر، ونهيه، بلا اعتراض " . وقد سمي ديننا بالإسلام؛ لأنه طاعة الله، وانقياد لأمره ونهيه، بلا اعتراض >[1] .

ولفظ العبادة مثل لفظ الإسلام، لا يمكن قصرها على الشعائر فقط، ولكنها تعني طاعة الله سبحانه وتعالى ، وتنفيذ أمره، وهي بالتحديد كما عرفها ابن تيمية : " اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال، والأعمال الباطنة والظاهرة، فالصلاة، والزكاة، والصيام،والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين،وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، ولإحسان للجار، واليتيم، والمسكين، وابن السبيل، والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء، والذكر، والقراءة، وأمثال ذلك، من العبادة " >[2] .

إن المسلم لا يجد أي مشكلة في معرفة شمولية الإسلام، ولكن المشكلة في النظرة العامة السائدة عند بعض المثقفين، الذين درجوا على رؤية العالم محصور بين رؤيتين أيديولوجيتين هـما : الاشتراكية والرأسمالية ، ولو أنهم بذلوا أقل الجهد في فهم الإسلام؛ لأدركوا أن له رؤية متكاملة وشاملة، ليست بالاشتراكية ولا بالرأسمالية، بل تختلف عنهما، حيث تسلك مسلكا وسطا بالنسبة للمسائل الاجتماعية، كما أنها رؤية سابقة، برزت إلى الوجود قبل أن توجد الرأسمالية والاشتراكية، وهي ليست فكرا بشريا، ولكنها وحي إلهي. [ ص: 118 ]

" ومسألة تنظيم الإسلام للحياة الاجتماعية في جوانبها المختلفة... كانت نتيجة للوحي القرآني، ولوقائع السيرة النبوية، أكثر مما كانت ثمرة للاجتهاد النظري الفقهي الذي اتسعت آفاقه على تعاقب الأيام. بل إن نظريات الفقهاء والأئمة في الأحوال الشخصية، والنظم العائلية، والحقوق الدولية، والتنظيمات السياسية العسكرية، والتفرعات المالية والاقتصادية، ليست إلا امتدادا لبعض الوقائع الجزئية، التي حدثت على عهد الرسول عليه السلام . وكان له فيها قول أو تنبيه أو إرشال أو تقري " >[3] والحقيقة أنه ليس من الغلو التأكيد على أن أي واقعة جديدة في الحياة الإنسانية المعاصرة كلها، لها بشكل أو بآخر، أصل في الكتاب أو السنة، أو وقائع السلف الصالح، أو كليات الإسلام وقواعده العامة.

ويشتمل النظام الاجتماعي في الإسلام على تشريع للأسرة، يوضح علاقات أفرادها ببعضهم، كما يشتمل على نظام اقتصادي مالي، يحدد طرق الكسب والإنفاق، وينظم العلاقات المالية بين الناس، ويحدد مفهوم الملكية وبين قيودها. كما يتعرض لأسس التكافل بين أفراد المجتمع.

كما يشتمل على نظام سياسي أو نظام الدولة، يتضمن مبادئ عامة للحكم والسياسة، وبيان لعلاقة الراعي الرعية، وحقوق الرعية مسلمة كانت أو غير مسلمة، وقواعد السلم والحرب. كما يشتمل على نظام للعقوبات يكفل للمجتمع السير في الطريق السليم، الذي شرعه الله لهم >[4] .

وجميع التشريعات الإسلامية السابقة، تقف موقفا وسطا بين الانغلاق والانفتاح، [ ص: 119 ] بين التضييق والحجر، وبين الحرية غير المحدودة. فمنهج الإسلام يقوم على الضبط والتهذيب، لا على الكبت، ولا على الانفلات.

ولا شك أن الموقف الوسط هـو الأمر الطبيعي، الذي يوفق بين الأطراف المتنافرة، " وبما أن الإسلام هـو القانون الطبيعي للتعامل، فإذا لم يطبقه مجتمع إسلامي ما، فإنه يتجه آليا إلى الظلم والانحدار. وحتى لو طبق هـذا القانون مجتمع غير مسلم فإنه ينتعش >[5] " .

وسنعرض فيما يلي عرضا موجزا لتشريعات الإسلام العامة في الأمور الاجتماعية السابقة، حيث تعتبر هـي المقياس، الذي نقيس على ضوئه مدى بعد المجتمعات الإسلامية أو قربها منه، فهي تشكل الصورة المثالية للمجتمع الإسلامي، فكل انحراف عن هـذه الصورة يعني ابتعادا عن الإسلام. وهذا ما اقترحه أحد علماء الاجتماع المسلمين حيث قال : " كما نريد أن تمثل هـذه الصورة ما يسميه علماء الاجتماع: النمط المثالي، الذي يمكن استخدامه لقياس مدى انحراف المسلمين في تصرفاتهم عن الإسلام " >[6] والحقيقة أن هـذه الصورة مجردة هـكذا، ناقصة، ولا تكون مكتملة إلا حينما تكون مصحوبة بالقيم الأخلاقية، التي أمر بها الإسلام، والتي يكون لها أكبر الأثر في تطبيق شريعة الإسلام في كل أمر.

ولعل من أهم هـذه القيم: التقوى، الاستقامة، والصدق، والإصلاح، الإيثار، التعاون، والصبر. ونلاحظ أثر هـذه القيم خلال [ ص: 120 ] الحياة العامة، فمثلا السبب المباشر في اللجوء إلى القوانين الوضعية، بدل الشريعة، هـو فقدان التقوى، التي هـي أهم قيمة أخلاقية في الإسلام، وتعني: اتقاء عذاب الله بطاعته، وتنفيذ أوامره. وإلا كيف يفسر لجوء جماعة مسلمة إلى الحكم بغير الإسلام، ومخالفته في أمور أساسية؟.

والذي رشك فيه أيضا، أن صورة المجتمع الإسلامي المثالي، لا يمكن فصلها عن التقوى وسائر الأخلاق الإسلامية. بل إن لهذه العبادات كالصوم، والصلاة، والزكاة، والحج، ولا يمكن فصلها عن التقوى وسائر الأخلاق الإسلامية. بل إن لهذه العبادات التي يظن أنها فردية للوهلة الأولى، آثارا اجتماعية.

وقد وصف الله تعالى الصلاة بأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر: ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) (العنكبوت: 45) ، وذلك نتيجة لما تزرعه في نفس المسلم من حب الطاعات، ومن كراهية المعاصي. ونظرا لأن المسلمين يؤدون الصلاة في جماعة خمس مرات في اليوم، ويجتمعون لأداء الجمعة في كل أسبوع، فإنها تنشئ بين المسلمين المحبة والإخاء، وتقوي الروابط بينهم. كما أنها تعلمهم على النظام والانضباط، والمحافظة على الأوقات.

وأما الصيام، فغن آثاره الاجتماعية واضحة، فالمسلمون يصومون جميعا في شهر واحد. ومع بداية هـذا الشهر يظلل المجتمع كله جو من الطهارة والنظافة والإيمان، ودماثة الأخلاق، وحسن الأعمال، وتنشأ عاطفة كبيرة بين فضلاء المسلمين، نحو الفقراء والمساكين. ولعل من حكم الصوم الظاهرة هـي الإحساس بما يحس به الفقير، الذي يطوي على الجوع بطنه أياما عديدة. وهذا ما يدفع المسلم أكثر فأكثر، نحو مد يد العون لكل محتاج. بالإضافة إلى أن الصوم يعود إلى الصبر، والتجلد، وقوة التحمل. كما أنه كالصلاة تماما، يزيد من التقوى، التي تعتبر ركيزة في تصرفات المسلم. [ ص: 121 ]

وكذلك الحج والزكاة، لا تقل عنهما أبدا في آثارهما الاجتماعية >[7] وبناء على ما سبق فإن المجتمع الإسلامي المثالي ترتبط فيه الشريعة بالعبادة، والقيم الأخلاقية.

وسوف تتجاوز التفصيل في الهيكل الاجتماعي العام للمجتمع الإسلامي، المكون من أنظمته الثلاثة : النظام الأسري، والنظام السياسي، والنظام الإقتصادي؛ لأن ذلك معروف ومدروس بشكل يسهل الرجوع إليه، والاطلاع عليه في كثير من المصادر >[8] .

التالي السابق


الخدمات العلمية