النظم التعليمية عند المحدثين في القرون الثلاثة الأولى

الأستاذ / المكي أقلانية

صفحة جزء
تقديم بقلم: عمر عبيد حسنة

الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، خلق الإنسان علمه البيان، جعل التعلم فريضة شرعية على المسلم، وعبادة من أعلى أنواع العبادات وأسماها، وناط الخيرية بالتعلم والتعليم، فلا خير في سواهما، وبدأ الرسالة الخالدة الخاتمة بكلمة: اقرأ، ولم يبدأها بفرض صوم، أو صلاة، أو زكاة، أو جهاد، على أهمية ذلك في بناء الإسلام؛ لأن القراءة والكتابة والتعلم والعلم، هـي جماع الأمر كله، وهي مفتاح هـذا الدين، وحسبنا أن نعلم أن العلم والتعلم دين، وأن الدين علم ويقين، بعيدا عن الخرافة ، وإسقاط العقل، وأن العلم يدعو إلى الإيمان، والإيمان يقود إلى العلم، فكل من العلم والإيمان، يمكن أن يكون مقدمة، ونتيجة للآخر في الوقت نفسه.

فالعلم في الإسلام قاصد، والقراءة هـادفة، تنطلق باسم الله الخالق، الذي خلق الإنسان، وأنعم عليه، وميزه بالقدرة على التعلم، وتستصحب الاعتراف بفضل الله الأكرم، في تحصيل العلم، وتحقيق العبودية لله، وضبط المعرفة بأخلاقها، وتوجيه العلم ليؤدي وظيفته في تحقيق إنسانية الإنسان، وتخليصه من التسلط والطغيان السياسي والظلم الاجتماعي، والارتقاء به إلى استشعار المسئولية عن علمه، ماذا عمل فيه؟

يقول الله تعالى: ( اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق [ ص: 7 ] الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى إن إلى ربك الرجعى ) [العلق: 1-8].

والصلاة والسلام على النبي المعلم، الذي بعث في الأميين رسولا منهم، يتلو عليهم آيات الله، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين. الذي جعل مهمته التربية والتزكية، والتحويل الثقافي، تتمحور حول التعليم، وتنطلق منه ( بقوله: إنما بعثت معلما ) . واستصحب أهمية التعليم وحتى التخصص في شعبه، في كل مراحل الدعوة، في سلمه، وحربه، فكان من فداء الأسرى في معركة بدر ، أن يعلم الأسير عشرة من أبناء المدينة ، يكون ذلك ثمنا لفكاكه من الأسر. واعتبر العمل الفكري من أعلى أنواع الجهاد ، وكان الجهاد بالقرآن مصدر جهاده الكبير، استجابة لقوله تعالى: ( وجاهدهم به جهادا كبيرا ) [الفرقان: 52].

والنفرة لطلب العلم، والتفقه في الدين، مقدمة على نفير مواجهة الأعداء، وحصانة ثقافية، ومقدمة لا بد منها للنصر، لقوله تعالى: ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ) [التوبة:122].

كما جعل التفسح، وإتاحة المجال لطلبة العلم، والنفرة إليه سبيلا إلى الارتقاء، والرفعة درجات،

يقوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ) [المجادلة:11]. بحيث تحدد مكانة الإنسان، وارتقاءه في الجنة، بمقدار تعلمه وقراءته. [ ص: 8 ]

( يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : يقال لقارئ القرآن: اقرأ وارتق، فإن مكانك في الجنة عند آخر آية قرأتها ) .

وبعد: فهذا كتاب الأمة الرابع والثلاثون " النظم التعليمية عند المحدثين " للأستاذ المكي أقلاينة ، في سلسلة " كتاب الأمة " ، التي يصدرها مركز البحوث والمعلومات، بوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، في دولة قطر ، مساهمة بإعادة بناء شخصية المسلم المعاصر، الذي يفقه الدين، ويفهم العصر، ويكون قادرا على تحويل الفكر إلى فعل، وتخليصه من التقليد والمحاكاة، الذي يعتبر من أخطر الإصابات الثقافية، وأبرز مظاهر الكسل العقلي، بحيث يجسد القيم، في برامج عملية، ويبرهن على أن خلود الرسالة، إنما يتحقق بقدرتها على إنتاج، وإنجاب النماذج المطلوبة وتقديم الحلول الحضارية، لمشكلات البشرية الكبرى، وتخليصها من شقوتها، وإلحاق الرحمة بها، وأن معجزة الرسالة الإسلامية، إنما هـي معجزة تكليفية تعليمية، تتحقق من خلال عزمات البشر، وإراداتهم الفاعلة، والإشراف التربوي والتعليمي السليم على تكوينهم، في المراحل الأولى، وبناء مرجعيتهم، وتوجيههم، في المراحل التعليمية المتوسطة، وإثارة تفكيرهم. وبناء ملكة الإبداع، والتمرين على الاجتهاد الفكري، في مراحل النضج العقلي، ليكونوا مؤهلين لحمل أمانة البلاغ المبين، في الشهادة على الناس، والريادة لهم.

ونرى أن هـناك حقيقة، لا بد أن نؤكد عليها، ونعاود طرحها في كل الظروف والأحوال، على الرغم من أن الاعتراف بها قائم من الناحية النظرية، لكن كل التوجهات والمؤشرات -في عالمنا الإسلامي على الأقل- [ ص: 9 ] تدل على أنها تغتال، وتتجاهل عمليا، بحيث أصبحت أقرب للشعارات، التي ترفع بالمناسبات، للتظاهر والتفاخر والاحتفال، منها للواقع، وعزائم التطبيق، وهي: أن أي مشروع للنهوض والبناء، والتنمية ومعالجة الخلل والتجاوز، ومحاولة التغيير، والإقلاع من جديد، يتم بعيدا عن الارتقاء بنظام التعليم، واستمرار مراجعته وتقويمه، ودراسة جدواه، واختبار مدخلاته ومخرجاته، هـو من قبيل المجازفات السياسية، والضلال الاجتماعي، والعمى الفكري، ولون من الضرب في الحديد البارد، وابتعاد عن الموقع الفاعل، وتعامل مع عالم الأشياء، على حساب عالم الأفكار، التي هـي الإنسان، الأمر الذي يجعلنا نخسر الإنسان والأشياء معا، وتحول عن معالجة أسباب التخلف والتقهقر والتخاذل الفكري، والتقليد، والكسل العقلي، وتوفير أسباب الإبداع، إلى الاكتفاء بترميم الآثار، وادعاء العافية الكاذبة، أو الخادعة على أقل تقدير.

فليس عبثا في تاريخ هـداية الوحي، أن ينقل إلينا: أنه في البدء كانت الكلمة، وليس عبثا، أن تبدأ الرسالة الخاتمة بكلمة (اقرأ) ، لكن المشكلة التي نعاني منها اليوم: أن أمة اقرأ، أصبحت لا تقرأ. ذلك أن التعليم هـو المحضن والرحم، الذي تتخلق، وتنمو فيه، قابليات الإنسان، وتتشكل شخصيته، وتنمى مهاراته، وتتكون ثقافته، أو تصنع شاكلته، التي يعمل عليها -إن صح التعبير- والمدارس والمعاهد والجامعات هـي مجتمعات المستقبل، فأي تخطيط استراتيجي، أو استشراف للمستقبل، أو تصور لمجتمعه، أو رؤية لعالم الغد، بعيدا عن بناء نماذجه وأمثلته، في المدارس والمعاهد، هـو رسم بالفراغ، [ ص: 10 ] واستنبات للبذور في الهواء، وحراثة في البحر.

لذلك أطلق على صناعة التعليم، الصناعة الاستراتيجية ، وذلك لما يقوم به التعليم، من دور خطير في صياغة الأفراد، وتشكيلهم الثقافي والعلمي، والتأثير بعيد المدى، والوصول إلى النتائج غير المنظورة، حيث تزرع في معاهد التعليم، بذور مستقبل حياة الإنسان العقلية والسلوكية، فإذا لم نحسن بناء المقدمات، التي نملكها بشكل سليم، فسوف ننتهي إلى النتائج التي تملكنا، ولا نمتلك إزاءها أي إمكانية للتغيير.

وصناعة التعليم من الصناعات الثقيلة، والأساسية والدقيقة، والاستراتيجية في الوقت نفسه؛ لأن صناعة التعليم، لا تتعامل مع جوامد كسائر الصناعات، وإنما موادها الأولية، هـم البشر بكل مكوناتهم، واستعداداتهم ومواريثهم، وغرائزهم ودوافعهم، وتطلعاتهم، وخضوعهم لشتى العوامل المؤثرة في بناء الفرد. هـو صناعة مدخلاتها ومخرجاتها من البشر، أكرم خلق الله. فالتعليم لا ينصع الآلة، وإنما يصنع النفس ويكون العقل، ويمنح المهارة، التي تصنع الآلة، يصنع القادة، والزعماء، والعلماء، والآباء، والأمهات، والمبدعين والمفكرين، وبكلمة مختصرة يصنع الإنسان، ويحضره للتعامل مع الحياة، بشتى مجالاتها، فالتعليم يتعامل مع أعقد المهمات، وأخطرها، وأبعدها أثرا لذلك، فإن أي خطأ أو خلل أو عجز أو تقصير، سوف تكون له نتائجه الممتدة والمتراكبة، على المستويات كلها.

وبإمكاننا القول بكل اليقين: إن مظاهر التخلف والتراجع والعجز جميعا، لا تخرج عن أن تكون أعراضا للإصابة في العملية [ ص: 11 ] التعليمية، فالتعليم سبب النهوض، وسر التخلف والتراجع، لذلك نرى أن الأمم المتقدمة، لم يأت تقدمها من فراغ، من دعاوى وأمنيات، ولم يأت تقدمها بعيدا عن استشعار أهمية التعليم، واستمرارية المراجعة لنظم التعليم، وطبيعة المعلومات، ودورها في بناء الإنسان، وتشكيل مجتمع المستقبل، وقدرتها على تكوين الجيل، الذي يمتلك التفوق في السباق الحضاري.

وقد يكون من المفيد، أن نذكر هـنا، أن الرئيس الأمريكي، الذي يكاد يتحكم بالعالم، رضي لنفسه أن يكون رئيسا للتربية والتعليم، ويعلن ذلك؛ لأنه من التعليم، يكون الانطلاق إلى العالم، لذلك دعا لاجتماع حكام خمسين ولاية في قمة خاصة، للبحث في شئون التعليم في أمريكا ، وترجع مشكلة التربية والتعليم عند الأمريكيين، إلى وجود شعور متنام بأن نظامهم التعليمي، ليس بمستوى طموحات الأمة الأمريكية، ومكانتها في العالم، ولم يقتصر المؤتمر على النظرات السريعة، وإنما تجاوز إلى الدراسات، والإحصاءات الدقيقة، حول مدخلات ومخرجات معظم المواد، خاصة في الرياضيات والعلوم، وكانت النتيجة التي انتهت إليها بعض الدراسات: أن الأمريكيين يتفوقون في مجال الثقة بالنفس، ولكنهم غير معتادين على بذل الجهد، لأن الدراسات الجدية، لا تبدأ إلا بعد الدراسة الثانوية، كما أن المسئولين يلاحظون أن الفائزين في المسابقات في المدارس هـم غالبا أولاد المهاجرين، من أصل آسيوي على وجه الخصوص.

وقد تفجرت قضية نظام التعليم على المستويات كلها، عندما سبقت أمريكا في مجال رحلات الفضاء الخارجي، وكان من نتيجة ذلك، عنوان [ ص: 12 ] القرار الإعلامي والمثير: أمة في خطر، ولم تتوجه الدراسة لدرء الخطورة عن الأمة إلى أي موقع، غير التعليم، ومما جاء في الدراسة: إن طلابنا لا يدرسون المواضيع الصحيحة، ولا يبذلون النشاط الكافي، ولا يتعلمون بما فيه الكفاية. ومدارسهم تعاني من مستويات خفيضة، وغير متوازنة، كما أن جاهزية المعلمين غير سليمة، ولو أن دولة أجنبية غير صديقة، حاولت فرض هـذا الأداء التعليمي، غير المناسب، على أمريكا ، لاعتبرنا ذلك عملا من أعمال الحرب.

وأضافت الدراسة: وما لم تسارع الولايات المتحدة، لوضع الأمور في نصابها، فإن هـياكلنا الاجتماعية ستنهار، وثقافتنا ستتآكل، واقتصادنا سيترنح، ودفاعاتنا القومية ستضعف.

وحسبنا أن نعلم، أن الشركات في أمريكا، تنفق ما يناهز المائة مليار دولار، لإقامة دورات تدريبية، للحصول على كفاءات، لم توفرها الجامعات والمعاهد.

إلى جانب الكتب الكثيرة، التي عرضت لمسألة إخفاق التعليم، وإغلاق العقل الأمريكي، الأمر الذي أدى إلى افتقاره إلى مقومات الحس الحضاري، والتخوف من تميز مؤسسات التعليم الياباني، والتفوق على أمريكا في فهم المقومات الحضارية، والأسس اللازمة لإثراء العقل.

فالعملية التعليمية أو النظام التعليمي، بما في ذلك نوعية المعلومة، ومدى ملاءمتها، وأدوات التوصيل: من المعلم، والمناهج، والكتاب، والوسائل المعنية، أو تقنيات التعليم كلها، لا بد أن تخضع دائما، للمراجعة والتقويم، ودراسة الجدوى، والتغيير، والتطوير والتجديد في هـذا العصر، الذي يمكن أن يطلق عليه بحق عصر [ ص: 13 ] التسارع العجيب، وثورة المعلومات، حيث لم تعد تقتصر عمليات التطوير، والتحديث، على وسائل نقل المعلومة، وإنما تجاوزت ذلك إلى طبيعة، ونوعية المعلومة نفسها، وابتكار وسائل حفظ ونقل، واسترجاع المعلومات، وإخضاع المعلومات، إلى برمجات مسبقة، تقوم الحاسبات بدراستها، وتقرير النتائج المطلوبة فيها، توفيرا للطاقة، واختزالا للزمن، وبذلك تم نقل العملية التعليمية، من موقع الحفظ وأهمية الذاكرة، إلى موقع التفكير، وأهمية الابتكار والإبداع، الأمر الذي انتهى إلى صورة، جعلت من التراكم المعرفي والإنجاز العلمي، لعشرات السنين، أو مئات السنين، يختزل، أو ينجز في سنة واحدة، أو أقل. لذلك نعتقد أن الإبقاء على نظام التعليم التقليدي، سواء بالنسبة لطبيعة المعلومة، أو لوسائل التوصيل، سوف تنتهي بالجيل، إلى العزلة والغربة، في الزمان والمكان، والتحنط في متاحف التاريخ، حيث لا مجال للكسالى، الذين يفنون أعمارهم، ويستنزفون عقولهم، في الحفظ والتلقين ويقضون أوقاتهم، في عمليات حسابية عقيمة، ويعتمدون أصابعهم في عصر الحاسبات الإلكترونية، التي توفر أعقد العمليات بلحظات. لا مجال لهم في عالم الغد، إن لم نقل في عالم اليوم.

وقد تكون المشكلة بعجز وعدم إدراك، بعض من يوكل إليهم أمر التخطيط، للعملية التعليمية، للتطورات السريعة، والحاجات المتبدلة، واختلاف إيقاع العصر، واستيعاب التطورات العلمية من حولهم، إلى جانب الخلط بين أهداف ومنطلقات التعليم ووسائله، والتوهم أن الإبقاء على طرائق التعليم ووسائله التقليدية، التي تجاوزها العصر، من الأصالة، وحماية الأهداف، حتى ولو أدى ذلك، إلى الخروج من [ ص: 14 ] الحاضر والمستقبل معا، وكأن الوسائل التي أنتجت في عصور سابقة كانت لها مواصفاتها وسماتها وحاجاتها، باتت مقدسة وخالدة، ويجب أن تنتج في كل عصر، حتى ولو تغير الحال؛ ولعل من أخطر المشكلات، التي يعاني منها نظامنا التعليمي، في العالم الإسلامي، والتي لا بد من حسم الأمر فيها، هـي مشكلة عدم الاعتراف بأهمية التخصص، سواء في ذلك العلوم الإنسانية، أو العلوم التجريبية، وإنهاء مرحلة الادعاء الخادع، والرجل الملحمة، الذي يدعي المعرفة في كل شيء، حيث لم يعد العمر ولا العقل، يتسع إلا لاختصاص واحد، أو جزء من اختصاص، يمكن صاحبه من الإحاطة بالعلم، والتطوير له، والإبداع في نطاقه، واستيعاب التراكم المعرفي، ذلك أن الاختصاص، أصبح من لوازم التقدم العلمي، وتكامل التنوع المعرفي، إضافة إلى ما يترتب على الاختصاص، من متانة بناء المجتمع، وتماسك هـياكله، ونمو العمل المؤسسي، بحيث سيصعب على الفرد في المستقبل أي إنجاز بعيدا عن التكامل مع الآخرين، وبذلك تسهم فلسفة التعليم المتخصص، بالقضاء على الروح الفردية، والتبعثر والتمزق الاجتماعي، الذي يعتبر من أخطر آفات المسلم اليوم.

ولا شك أن هـناك خلطا بين مفهوم الثقافة، ومفهوم العلم، في الذهن المسلم المعاصر، فالثقافة في هـذا المجال، تعني: أن يعلم الإنسان شيئا عن كل شيء، حتى لا يعيش غريبا معزولا عن الحياة العامة، أما العلم فهو معرفة كل شيء عن الشيء، وهذا هـو التخصص المفضي إلى الإبداع.

وكم ستكون المأساة مخيفة، إذا علمنا أن كثيرا في عالمنا الإسلامي [ ص: 15 ] لا يزالون يتطاولون على غير تخصصهم، أو يعملون في غير تخصصهم، أو يغادرون تخصصهم، عمليا باسم العمل للإسلام والمسلمين، وكأن العمل للإسلام، يعني عمى الألوان، والعامية العلمية، ويعني العجز عن التعامل مع التخصص، وإدراك حاجة المسلمين إليه، من طب وهندسة وعلوم، وجعله في خدمة الإسلام، والتحول إلى مواقع الخطب، والوعظ والتنظير للإسلام، بلا زاد كاف من العلم الشرعي، وهذا التطاول، لا يقتصر على دارسي العلوم التجريبية، وإنما أصبح آفة عامة لحقت ببعض دارسي العلوم الشرعية أيضا، الذين يقحمون أنفسهم في الحديث عن أخطر القضايا العلمية الدقيقة، التي مجالها أهل الاختصاص.

وقد تكون المشكلة حقا، في تشكل ذهنية بعض قيادات العمل الإسلامي، أو القائمين على مؤسساته، فبدل أن يرعوا الدارسين ويشجعوهم، ويقنعوهم بأهمية التخصص، ودوره في البناء الحضاري الإسلامي، ويذللوا لهم السبل، ويتابعوا الإشراف على تحصيلهم، يقبلون منهم حالة التسكع، والفشل التي قد تؤهلهم فيما بعد للعمل في ريادة المؤسسات الإسلامية، فكم من الأطباء والمهندسين المتخصصين في شعب المعرفة المتنوعة، غادروا اختصاصاتهم، إلى ما يتوهمون أنه عمل إسلامي، والمسلمون بحاجة إلى تخصصاتهم.

ولا ندري كيف يمكن أن نقيم الدين، الذي هـو منهج شامل، لجميع جوانب الحياة، ونقوم بأمانة الاستخلاف الإنساني، ونبدع البرامج في كل المجالات، التي تمكن من تنـزيل الإسلام على الواقع، بدون الإيمان بأهمية التخصص، وترجمتها إلى واقع. [ ص: 16 ]

وقد يكون من المفيد التوقف قليلا أمام هـذه القضية من الناحية الشرعية، وبالمقدار البسيط، الذي يسمح به المقام، وهو: أن التخصص، في شتى فروع العلم والمعرفة، يعتبر من الفروض الكفائية،، حيث لا تتحقق مهمة الاستخلاف إلا باستدراكها، فإذا لم تتوفر للمجتمع الإسلامي، الاختصاصات المطلوبة، يعتبر المجتمع كله آثما من الناحية الشرعية، ولعلنا نقول: إن اعتبار تحصيل الاختصاصات العلمية المتنوعة من فروض الكفاية، يعني فيما يعني: تحقيق مبدأ الاكتفاء الذاتي للأمة المسلمة، ذلك أن فرض الكفاية يعرف: بأنه إذا قام به بعض المسلمين سقط الإثم عن الباقين، ومعنى قام به: أي أداه على الوجه الأكمل وكفى المسلمين الحاجة في هـذا المجال، أما إذا باشره بعض الأفراد، دون أن تتحقق الكفاية، فمعنى ذلك أن المجتمع بعمومه لا يزال آثما؛ لأنه لم يوفر ذلك، هـذه قضية.

وقضية أخرى لا بد أن نعرض لها أيضا وهي أن هـذه التخصصات، التي شرعت على الكفاية، تصبح لمن اختارها، وانسلك فيها فرض عين، لا تجوز مغادرته إذا كانت الأمة المسلمة بحاجة إليه.

صحيح إن هـناك علما وجوبه عيني، أو هـو فرض عيني، وهو معرفة فقه العبادات، وحكم الحلال، والحرام، أما فيما وراء ذلك فالعلوم جميعا، فرضيتها على الكفاية.

إن غياب هـذا الفهم عن العقل المسلم، وعن نظم التعليم، وفلسفته، يعتبر من الكوارث الثقافية، والعجز عن إدراك مقاصد الدين، والتوقف عن الامتداد، بعطاء النبوة الخالد، الذي بدأ التخصص فيه مع الخطوات الأولى، حيث كان يعرف: الأقرأ، والأفقه، والأفرض...إلخ. فهل [ ص: 17 ] يحق لنا بعد ذلك، أن نعتبر الطلبة الذين يغادرون جامعاتهم، والأطباء والمهندسين الذين يغادرون مواقعهم، إلى مجالات الوعظ والتنظير لأمور الدين من التدين السليم؟!

وما لم يدرك المسلمون بشكل عام، والقائمون على أمر التعليم، بشكل خاص، أهمية التخصصات العلمية المتعددة، واعتبارها من الدين، وأن الإبداع والنبوغ فيها، من الفروض، وأنها عبادة من العبادات، ويتحول العاملون للإسلام فعلا، من مرحلة الحماس، إلى مرحلة الاختصاص، واعتلاء المنابر الفاعلة، والمؤثرة، وامتلاك القدرة على إنتاج العلم، وجعله في خدمة مقاصد الدين، وإبراز المنهج الوظيفي للتعلم، فسوف يبقى كلامنا عن مكانة العلم والتعلم في الإسلام، دعوى بلا دليل، خاصة وأن الحاجة أصبحت ماسة اليوم لإسلامية العلوم وربطها بوظائفها وأهدافها التي تحقق إنسانية الإنسان، ذلك أن العالم المتقدم تكنولوجيا، بحاجة إلى هـدى الإسلام؛ لأنه امتلك الوسيلة، وافتقد الغاية، وتمكن من العلم، وأضاع الحكمة.

إن الكلام عن أهمية التخصص، ودوره في تحقيق الاكتفاء الذاتي للأمة المسلمة، على اعتبار أنه من الفروض الكفائية، يقودنا بشكل طبيعي، إلى التوقف عند قضية الابتعاث، من أجل التخصص، تلك القضية الخطيرة التي يمكن أن تشكل -لو أسيء استخدامها- جسرا للغزو الثقافي، والاستلاب الحضاري، يكرس التخلف والتبعية، وذلك إذا تمت بشكل عشوائي، وغير مخطط وهادف، بينما يمكن أن تكون مصدرا للتبادل المعرفي، والتفاعل الثقافي، والتحريض الحضاري، يشعر الأمة بالتقصير، ويستفزها لتستجمع قواها، وتستكمل نواقصها، وتستدرك [ ص: 18 ] الاختصاصات غير المتوفرة عندها، لتقلع من جديد.

ولا بد من الاعتراف أن الابتعاث التعليمي في العالم الإسلامي اليوم، صار يخلق مشكلة، بدل أن يقدم حلا؛ لأننا لم ندرك بعد، أبعاد القضية ومخاطرها تماما، كما أننا لا نحسن التعامل معها. فهو من جانب يشكل نزفا للعقول والطاقات الفكرية، التي ترتحل للغرب، للحصول على التخصص، فلا تعود بسبب العوامل الطاردة في العالم الإسلامي، والعوامل الجاذبة هـناك، حيث الحرية وتقدير قيمة التخصص، واحترام المواهب الإنسانية، وتقديم المكافآت المادية المجزية، بينما الحال في أنحاء كثيرة من العالم الإسلامي، محزن حقا، ذلك أن كثيرا ممن دفعتهم روح الانتماء، وحب الوطن، والشعور بالواجب نحوه إلى العودة، كان نصيبهم الضياع، والإهمال، والنسيان، والتعيين بمراكز بعيدة عن اختصاصهم، مساواة لهم بعوام المتعلمين، بحيث أصبحوا ينتظرون الفرصة للهروب، والعودة من حيث أتوا.

وقد كان المأمول من بعض دول العالم الإسلامي، أن تجد فيهم فرصتها، وتحسن الإفادة من هـذه الطاقات المتخصصة والمتميزة، الهائمة على وجوهها، بشكل أفضل، لكن مخططات السوء، تحاول الوصول إلى كل المواقع، حتى لا يبقى سبيل للنهوض. إضافة إلى أن بعض الجامعات والمعاهد في الغرب التي تحكمها الروح الاستعمارية ، وليس العلمية، رضيت لنفسها أن تتخصص بإعطاء الشهادات لأبناء العالم الإسلامي والعالم الثالث بشكل عام، دون أي اعتبار للمعايير العلمية والمعرفية، ليعودوا رؤوسا جهالا، يحتمون بشهادات من الغرب فاشلة، لقيادة مؤسسات علمية وعملية، فلا يزيدون الأمة إلا خبالا، بحيث [ ص: 19 ] تبقى الأمة المسلمة، بحاجة إلى الخبراء والعلماء والمستشارين، وسائر المناصب الأخرى التي تتحكم فيها، هـذا على أحسن الأحوال التي يعيشها العالم الإسلامي، إلا من رحم الله.

أما الوجه الآخر لقضية الابتعاث ، فهم أولئك الذين ينتهون إلى مزابل الحضارة الغربية، فلا يرون منها إلا صورتها الداعرة، ومجتمعها الإباحي.

وفي كلا الحالين، نرى الخسارة فادحة للعالم الإسلامي، سواء أولئك الذين انتهوا إلى مقابر الحضارة الغربية، وشكلوا دماء في شرايينها، وقوة في تقدمها ودفعها، فأصبحوا كالآلات في ماكنتها، توظف طاقاتهم، وتسخر أوقاتهم وإمكاناتهم، بعد أن أنفقت عليهم بلادهم المبالغ الطائلة، في مراحل التعليم الأولى، أم أولئك الذين انتهوا إلى مزابلها فضاعوا وأضاعوا.

ولذلك لا بد من استشعار خطر قضايا الابتعاث، وتخليصه من العشوائية والارتجال وإعادة دارسته، في ضوء الحاجات الحقيقية للأمة، وتحقيق المرجعية المطلوبة للمبتعثين، وتزويدهم بالدليل الثقافي أو الفكري، الذي يمكنهم من التعامل مع حضارة وثقافة البلاد، التي يرتحلون إليها، والإشراف عليهم من مؤهلين متخصصين.

ونحن في العالم الإسلامي لا نقتصر على الابتعاث العشوائي إلى الجامعات ومعاهد الغرب، بدون أن نزود الطالب بدليل فكري، ومقياس ثقافي لكيفية التعامل مع ثقافة الغرب، وإنتاجه الفكري، بل نصر على تكريس حالة التخلف، والتخاذل الثقافي أمام الآخرين، وبدل أن نقيم ندوات، [ ص: 20 ] ومؤتمرات تطرح من خلالها مشكلات المبتعثين العلمية والفكرية والثقافية، ونكون على إدراك مسبق بما تقدمه مراكز البحوث والدارسات والجامعات، ومراكز الإعلام هـناك، ونفتش له على المتخصصين القادرين على معالجته، ومناقشته مع الطلبة، والمبتعثين، وتبصيرهم بدوافعه، وأهدافه ومنطلقاته وأغواره، وكيفية الإفادة من إيجابياته؛ نقيم مؤتمرات لاتحادات الطلبة، ونحمل إليها مشكلاتنا، وقضايانا، وخلافاتنا في العالم الإسلامي، وإن لم توجد خلافات معاصرة، نستنجد بالتاريخ ليمدنا بمشكلات فكرية، وعقيدية، مضت بخيرها وشرها، وقد لا يكون الطلبة سمعوا بها من قبل، فنصبها فوق رءوسهم لنمزق وحدتهم ونكرس خصوماتهم، ونفرق جمعهم، ونحضرهم، شئنا أم أبينا، ليكونوا ضحايا الاستشراق والغزو الثقافي .

والذي يراجع قوائم الخطباء، والمتحدثين، في تلك المؤتمرات من سنوات، يراهم هـم أنفسهم، يصلحون لكل المناسبات، وكل الموضوعات، وكل المواسم، وقد لا يرى بجوار ذلك ندوة متخصصة بحاجات المبتعثين الأصلية، ونوعية دراساتهم واهتماماتهم، والمستقبل الذي نعدهم له، ونطلبه منهم، إلا من رحم الله.

فمتى نرتقي بندواتنا ومؤتمراتنا، ونبصر الساحة الثقافية والفكرية، التي يخضع لها هـؤلاء الطلبة، ونرسل لهم المتخصصين في العالم الإسلامي، يلتقون بهم، ويعالجون قضاياهم العلمية والثقافية؟ فذلك أجدى من أن يبقى كياننا الفكري قائما على مهاجمة الآخرين، دون أن نقدم البديل، وفي تلك الحال سوف ينتهي معها هـجومنا إلى مصلحة الآخرين.

ولعلنا نقول: إن قضية الابتعاث، لا تخرج عن أن تكون صورة من [ ص: 21 ] الصور المرعبة، التي وصلت إليها العملية التعليمية في عالمنا الإسلامي، بعد أن انسلخ أو كاد عن المرجعية الإسلامية، حيث تفشل المؤسسات التعليمية اليوم عن الإنتاج المطلوب، وكل منها تلقي باللوم على الأخرى، على الرغم من كل الوسائل المعينة، والتقنيات التربوية المتقدمة، وتوفر الكتاب المدرسي بإخراجه المتميز، ومواصفاته المطلوبة، وشكله الجذاب.

وحقيقة العملية التعليمية، في كثير من أنحاء العالم الإسلامي، أشبه بمن يقيم أشكالا وهياكل من الثلج، ثم يبكي على ذوبانها. لقد أصبح وضع المعلم ومكانته الاجتماعية، هـو النموذج الاجتماعي الرديء، الفقير، المهزوم، الذي يدفعه العوز، إلى مواقف وممارسات تزري بالقضية التعليمية، وتنفر منها، إلى جانب أن بعض الذين يلجأون إلى مهنة التعليم، بعد هـذا التردي، غالبا هـم الذين لا يجدون غيرها، وقد يترقبون الفرص للهرب منها، أملا في تحسين أوضاعهم، إضافة إلى العواصف السياسية، في بعض بلاد العالم الإسلامي، التي اقتلعت العملية التعليمية من أساسها، وعبثت بمفاهيمها وقيمها، وعايرت من يعملون فيها: ليس بمدى كفاءتهم التعليمية، وإنما بمدى ولائهم السياسي. وجرأت الكثير من الطلبة -بسبب انتماءاتهم السياسية والحزبية- على معلميهم وأماتت قابلياتهم للتعلم، وسمحت لهم باختراق قدسية المعايير التعليمية، والقفز من فوقها، للوصول إلى المعاهد، والكليات، والبعثات، بدون مؤهل علمي مناسب، إضافة إلى أوهام كثيرة زرعت في عقول الطلاب، بأن التعلم سبيل البوار، وأن الذي يمتلك المال يستطيع التحكم بكل الخبرات، وتوظيفها، وأن الذي يمتلك العلم، عالة [ ص: 22 ] على من يمتلك المال والسلطان، الأمر الذي يكرس الجهل، ويقتل القابليات للتعلم، ويلغي الدافعية تماما مهما حاولنا التظاهر بغير ذلك.

ولعل من أخطر إصابات العملية التعليمية، أو نظم التعليم، في عالم المسلمين اليوم، هـو في إنتاج شخصيات مشوهة، مشوشة، متناقضة، وممزقة، تعيش صراعا وانشطارا ثقافيا لا ينتهي، نتيجة لتناقض الموارد التعليمية، واضطراب فلسفة التعليم، الذي يذهب ضحيتها الطالب، وذلك بسبب الفصل بين التعليم الديني والتعليم المدني، الذي كان ثمرة طبيعية للصراع بين العلم والدين، أو بين العلم ورجال الكنيسة على الأصح، عندما وقف رجال الكنيسة في وجه العلم والعلماء، ومن ثم جيء به إلى عالم المسلمين، الذي لم يعان من تلك المشكلات أصلا، وإنما كان ارتقاؤه العلمي، بسبب الإسلام الذي اعتبر العلم بشكل عام عبادة، وفريضة عينية، أو كفائية.

لذلك بإمكاننا القول: إن مؤسسات التعليم المدني -إن صح التعبير- التي أقيمت في العالم الإسلامي، إنما بنت فلسفتها، على تكريس فصل الدين عن الحياة، ومعاداته، ووضعه في خانة الخرافة والأساطير ، والغيبيات المبهمة ، وحاولت إلغاء الوحي كمصدر للمعرفة؛ لأنه غير خاضع للحس والتجريب، وأريد لمؤسسات التعليم المدني، أن تخرج أعداء للإسلام، جهلة بتاريخه وثقافته، وحضارته، يدينون للتحكم الثقافي الغربي، في المنهج، والمصدر، والمرجع، والأستاذ، وكان من [ ص: 23 ] الطبيعي أن يحتل خريجوا مؤسسات التعليم المدني، المواقع المؤثرة، في المجتمع، سواء قلنا: إن ذلك جاء بسبب التخطيط والاحتواء الثقافي والسياسي. أم قلنا: بأنهم هـيؤوا بطبيعة دراساتهم لشغل وظائف الدولة الحديثة، بينما انغلقت بعض مؤسسات التعليم الشرعي والديني على الماضي، فعاشت غربة الزمان، وإن لم تعش غربة المكان، الذي عاشته مؤسسات التغريب، ولم تتنبه لشمولية التصور الإسلامي، وأهمية التخصصات المطلوبة للمجتمع، وأهمية تطوير فلسفتها، ومناهجها، ودراساتها، وحوصر خريجوها ببعض الوظائف الهامشية، التي حالت دون تأثيرهم في المجتمع، مما أدى إلى عزوف كثير من الطلاب عنها، إلا في حالات خاصة، من الفقر والعجز، عن متابعة التعليم، في مؤسسات تقتضي نفقة، أو بسبب ضعف المستوى العلمي، الذي لا يؤهلهم إلى دخول مؤسسات التعليم المدني، وهنا وقعت الواقعة في نوعية الطلبة، وفي أسلوب التعليم وطرائقه، ولولا عطاء الصحوة الإسلامية، التي حفزت الكثير من الطلبة النابهين على الدراسات الشرعية ودخلت المؤسسات التعليمية حقيقة، ولم تخرج منها، كما هـو المنطقي والمطلوب، فأنقذت كثيرا من الأجيال المسلمة من التيه وضياع الانتماء الحضاري، وأعادت الثقة والاعتبار لبعض خريجي المدارس الشرعية، وتقدمت بهم إلى الحياة، لكانت الكارثة التعليمية الثقافية مدمرة فعلا.

ونستطيع أن نقول أيضا: إن مؤسسات التعليم الشرعي، لم تستطع [ ص: 24 ] الامتداد بالنظم التعليمية، التي بدأت فيها مسيرة التعليم الإسلامي، في القرون الأولى، ولم تحاول أن تدرك فلسفتها، فانقلبت عند كثير منها الوسائل إلى غايات، وثوابت، فاستقرت واستمرت، عليها، ظنا منها أنها من الدين، فجففت بذلك منابع الدين في الكتاب والسنة، وغيبت مقاصده عن فلسفة التعليم، وسادها التقليد والمحاكاة ، وانغلقت عن المجتمع كما أريد لها، وانعزل خريجوها عن الحياة، ووظائف المجتمع الجديد، وحدث الانشطار الثقافي الرهيب بين خريجي التعليم الشرعي وخريجي التعليم المدني.

وقد لا نكون معنيين باستقصاء إصابات العملية التعليمية، في عالمنا الإسلامي، والتي تحول دون الإبداع، والإنتاج المطلوب، بعد هـذا التاريخ العريق من النظم، والأنماط التعليمية، التي يزخر بها تراثنا، والتي نعجز اليوم عن محاكاة إنتاجها، وحسن تطويرها، والامتداد بها، على الرغم من التقدم كله في أدوات التوصيل، ولكن ذلك لا يمنع من الإشارة السريعة إلى مواطن الانهدام الرئيسة، التي أتينا على ذكر شيء منها، ولعل من أخطرها على الإطلاق تهديم مدرسة التعليم الأولى (المعلم الأول) ، أو تهديم مرحلة التعليم الأولى في حياتنا العلمية، وهي: المرأة الأم، وحرمانها من التعليم لعقود طويلة، تحت شعارات من التدين المغشوش، والثقافة الفاسدة، والفهوم المعوجة، وغلبة التقاليد الظالمة على التعاليم الإسلامية، التي جاءت ثمرة للتخلف والغياب الحضاري، عندها أصبحت قيمة الجهل أفضل من قيمة العلم، بالنسبة للمرأة، [ ص: 25 ] فاعتبر تعليم المرأة مفسدة لها، لذلك وحفاظا على دين المرأة وخلقها، منعت من التعليم، سدا للذريعة، ودرءا للمفسدة، وكأن العلم مفسدة والجهل محمدة!

فكان العلم والتعليم مقتصرا على كثيرات ممن رق دينهن بحسب الظاهر، وكان لا بد لهذه الفتاوى المحزنة، التي يتذرع بها، أن تسقط أمام المنطق، والشرع، والواقع، فخرجت المرأة المسلمة إلى التعليم، لتجد أستاذاتها اللواتي يمثلن القدوة، ممن يتنكرن للدين، ويسخرن من تعاليمه، التي تحرم من العلم وتشيع الجهل.

لذلك نقول بكل اليقين: إن تقاعس العلماء العاملين والمصلحين، عن مهمتهم في تصحيح الحال، وتحرير المرأة من التقاليد الجائرة، التي لا علاقة لها بالتعاليم الشرعية، هـو الذي أشاع هـذا الواقع البئيس ومكن لأن تجيء دعوات تحرير المرأة، وأهمية تعليمها، على يد أعداء الإسلام، من المفسدين في الأرض، فكانت دعاواهم في تحرير المرأة في الحقيقة، دعوة إلى تحللها، وكانت الاستجابة لدعاواهم طبيعية؛ لأن المرأة في العالم الإسلامي أعطاها الله، وحرمتها التقاليد الظالمة، فكانت دعوة التحرير، والتعليم على يد دعاة التغريب، فتهدمت بيوتنا ومؤسساتنا التربوية والتعليمية الأولى من داخلها. ولا تزال رواسب التقاليد المخالفة للتعاليم الإسلامية، تعمل عملها في حياتنا وتتحكم بالمرأة باسم التدين، أو باسم الدين، وتمنعها من التعليم سدا لذريعة الفساد، وادعاء بضرورة انصرافها إلى القيام بوظيفتها الأولى، وهي تربية أولادها، ولا ندري كيف يمكن لها القيام بتربية أولادها، وتأهيلهم لمجتمع لا تعرفه، وحياة [ ص: 26 ] لا تدركها؟ وكيف يمكن لأم جاهلة أن تعد أبناءها للتعامل مع الحياة، وتبصرهم بمسالكها؟ وهي أشبه ما تكون بالمعوقة، الفاقدة لبعض نعم الله عليها من الحواس.

وهنا قضية قد يكون من المفيد التوقف عندها قليلا، وإن كان لها مقام آخر، وهي: ظاهرة محاصرة بعض النصوص بحجة فساد العصر، سدا للذريعة، ودرءا للمفسدة، والتوسع في مبدأ سد الذرائع، إلى درجة أدت إلى تعطيل كثير من النصوص، الأمر الذي يتنافى مع خلود الشريعة، ويناقض علم الله الذي أنزل الشريعة، بتطور الأحوال في الزمان والمكان، فالله أعلم بالعصور، وفسادها، وصلاحها، وما يصلحها، فالمصلحة فيما أمرت الشريعة، والمفسدة فيما نهت عنه، وتعطيل كثير من النصوص باسم سد ذريعة الفساد، يشكل خطورة لا تقل من حيث النتيجة عن فعلة أعداء الإسلام، في ادعاءهم بأن الشريعة إنما جاءت لعصر ماض، ولا تصلح لهذا العصر، بعد أن تطورت المجتمعات.

فالنتيجة عند من يعطل النص سدا للذريعة ودرءا للمفسدة، ومن يعطل النص لعدم صلاحتيه لهذا العصر واحدة، وبدل أن يعمل المسلمون لتحقيق مقاصد الدين، وتصويب الوسائل التعليمية وتطبيق النصوص جلبا للمصالح، استنفدوا طاقاتهم في درء المفاسد فضاعت المصالح وشاعت المفاسد.

وحسبنا أن نعلم: أن الإسلام لم يفرق بين المرأة والرجل، في [ ص: 27 ] التعليم، والولاء والبراء، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فالمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، إلى درجة تميزت فيها المرأة في بعض المراحل، وتفوقت فاستدركت على الصحابة، وصوبت لبعضهم، وكانت عائشة تفتي في عهد عمر وعثمان رضي الله عنهم ، وكان يجلس في حلقة نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي رضي الله عنهم مشاهير العلماء والمجتهدين، كما أن المرأة تعلمت وبايعت وهاجرت وشاركت في الجهاد.

والحقيقة أن الفرصة ما تزال سانحة لتحرير المرأة (المعلم الأول) من الإفساد والإباحية التي أريدت لها، باسم الحرية، وتحريرها من التقاليد الجائرة، التي لا علاقة لها بالتعاليم الشرعية، لتأخذ دورها في الحياة الإسلامية، تعلما وعملا، وتحسن القيام بوظيفتها الأولى، في التربية والتعليم، ذلك أن الإسلاميين المعاصرين انشغلوا بالدفاع عن المرأة في الإسلام نظريا، عن الاشتغال بإعادة بناء شخصيتها، وتنشئتها وفقا لتعاليم الإسلام إلى حد بعيد.

ولا بد لنا من القول: إن التعليم على أهميته، وخطورة الآثار المترتبة، على الخلل في العملية التعليمية، يبقى منظومه في نظام مجتمعي أكبر مساند، لذلك فالاعتماد على التعليم وحده في التغيير، وعدم إدراك دور المؤسسات المساندة، التي تسهم بتشكيل المناخ المناسب، وتنمي القابليات، قد لا يؤدي الغرض تماما، وينتج المبدعين، لذلك لا بد أن [ ص: 28 ] نعمم حركة التغيير الجذري الشامل، لتؤمن بها جميع المؤسسات المجتمعية، وعندئذ يستطيع التعليم أن يؤدي دوره، ويسرع الخطا، ويحقق النتائج، لذلك نرى ابن خلدون رحمه الله يقول: إن ازدهار العلم مرتبط بمدى وفرة العمران .

والعمران الاجتماعي أو الحضاري هـو التقدم، والتكامل في كل أبنية الجسم الاجتماعي الكبير.

إن انعدام المناخ الحضاري أو وفرة العمران، كما يقول ابن خلدون، هـو الذي يجعل طلبة العالم الإسلامي مبدعين متألقين في الغرب، متخلفين مأزومين وعجزة معطلين في عالم المسلمين.

وبعد: فلعل الكتاب الذي نقدمه، في سلسلة كتاب الأمة عن " نظم التعليم عند المحدثين " يشكل إسهامة بارزة في تبصير المسلم المعاصر، بنضح المنهج النبوي، الذي تمثل في مناهج المحدثين، وغيرهم منذ وقت مبكر، سواء في ذلك بناء المرجعية لطالب العلم، وترتيب تراكم المعرفة، في إطار النظام التعليمي، وتشكيل مركز الرؤية، وذلك بحفظ القرآن أولا، قبل الجلوس لتلقي علم الحديث، أو في استكمال المعرفة في الموطن، قبل الارتحال، والابتعاث لطلب العلم، أو في استنفاد الوسائل الممكنة في توصيل العلم إلى أهله، أو الخصائص المطلوبة للمدرس، أو المعلم القدوة، الذي يعتبر ركيزة العملية التعليمية، سواء في ذلك اختبار وصوله [ ص: 29 ] إلى المرحلة العلمية المشهود لها قبل الجلوس للتعليم، أو العناية بمظهره وهيئته، أو طرائق الحصول على المعلومة واختبارها، أو تحويل الفكر إلى فعل، والعلم إلى عمل، أو دور المرأة في نظام التعليم الإسلامي، أو التخصص في الفن المطلوب، وعدم قبول الروايات، وادعاء العلم من غير أهله. هـذا التاريخ التعليمي، الذي لا يزال يشكل سبقا في بعض جوانبه إلى اليوم، لكن تبقى المشكلة في عجز المسلم المعاصر، عن تمثل التراث وفقهه وامتلاك القدرة، للامتداد به في ضوء فهمه للعصر، واعتبار ذلك عبادة من أسمى العبادات، يحكمها الإخلاص لله في النية، والصواب في الوسيلة، والاحتساب في الأجر. والله والمستعان. [ ص: 30 ]

التالي


الخدمات العلمية