إنفاق العفو في الإسلام بين النظرية والتطبيق

الدكتور / يوسف إبراهيم يوسف

صفحة جزء
المجال الثالث : العفو من المال النقدي

تحدثنا عن الأدوات كنوع من المال، يمثل مكمنا من مكامن " العفو " ، وتتناول هـذه النقطة المال النقدي، باحثين عنه مكمن " العفو " فيه، ذلك أن النقود تختلف عن غيرها من الأموال في أنها لا تشبع الحاجات بذاتها، وإنما تمثل الوسيلة إلى إشباع الحاجات بالحصول على الطيبات. فالمرء يستخدم النقود في الحصول على المعدات والآلات والأدوات، كما يستخدمها في بناء إمكانياته البدنية وصقلها، وتنميتها، والمحافظة عليها - وقد تحدثنا عن " العفو " في هـذه الإمكانيات والطاقات - وهو قبل ذلك يستخدم النقود في الحصول على ما يشبع حاجات من يعول، وتجب عليه نفقتهم. فهل بعد استخدام النقود في هـذه الاستخدامات، يوجد " العفو " فيها؟ أم أنه - باعتبارها وسيلة إلى الحصول على غيرها من الثروات - يظهر العفو منها في الثروات الأخرى، التي يحصل عليها الإنسان بواسطتها؟

لا شك أن الإنسان قد يشتري بنقوده ما يحتاج إليه لسد حاجاته الاستهلاكية والإنتاجية، ثم يبقى لديه قدر منها، يصلح لشراء مختلف الإمكانيات التي تسد حاجات الناس، ويكون في غير حاجة إليه في ظروفه الآنية.. فهل من حقه أن يحتفظ بهذا القدر في شكله النقدي؟ أم يجب عليه أن ينفقه في سبيل الله تعالى؟

إن إجابة هـذا السؤال، تحدد لنا إن كان في المال النقدي " عفو " أم لا؟ فإذا كان من حقه أن يحتفظ به في شكله النقدي دون استخدام، لم يكن في المال النقدي " عفو " . أما إن كان لا يملك الاحتفاظ به في هـذا الشكل، فيكون به " عفو " . فلنحاول الإجابة على السؤال المطروح. [ ص: 91 ]

لنذهب إلى القرآن الكريم لنرى موقفه من النقد الفائض عن شراء الحاجات الاستهلاكية، والحاجات الإنتاجية، يقول الله تعالى: ( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله، فبشرهم بعذاب أليم * يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، هـذا ما كنزتم لأنفسكم، فذوقوا ما كنتم تكنزون ) [التوبة:34،35].

لقد عرض لنا ابن العربي - رحمه الله تعالى - الأراء التي يوردها المفسرون في المعني بالكنز، وقد بلغت سبعة آراء، فهل هـو المال المجموع مطلقا؟ أم أنه المجموع من النقدين؟ أم هـو المجموع منهما ما لم يكن حليا؟ أو هـو المجموع منهما دفينا؟ أم أنه المجموع منهما لم تؤد زكاته؟ أم أنه المجموع منهما لم تؤد منه الحقوق؟ أم أنه المجموع منهما ما لم ينفق ويهلك في ذات الله>[1] ؟

بكل هـذه الآراء قيل. ومع احترامنا لجهود علمائنا ومفسرينا، فمن حقنا - على الأقل - أن نختار من بين هـذه الآراء، ما نراه الأقرب إلى روح الشريعة الغراء، والأكثر موافقة لسلوك الصحابة، الذين طبقوا هـذه الآية عندما نزلت.

وبادئ ذي بدء، فإن " الكنز - كما يقول ابن العربي - لا يكون إلا في الدنانير والدراهم وتبرهما، وهذا معلوم لغة " >[2] ، وعليه فإن الكنز ليس هـو المال المجموع مطلقا - كما هـو الرأي الأول - ومن لديه ثياب أو غلال أو غيرها من الأموال العينية لا يستخدمها، لا يسمى مكتنزا، [ ص: 92 ] ذلك أن هـذه الأموال يستفاد بعينها، وليس كذلك النقدين.. كذلك فإن الحلي من الذهب والفضة يستفاد به، ويستخدم في أغراض مشروعة، ومن ثم فلا يكون الكنز هـو المجموع من النقدين - كما هـو الرأي الثاني - وأيضا فإن جمع النقود غرض مشروع لاستخدامها في الوفاء بمتطلبات الحياة، وإذا جمعت واستخدمت في الأغراض المشروعة، فلا يعقل أن يلحق بفاعل ذلك ذم وإثم، وعليه فإن الرأي الثالث من الآراء التي أوردها ابن العربي غير مسلم. وأن يكون المال دفينا أو فوق سطح الأرض، فهذا فرق شكلي لا يرتب عليه الإسلام حكما، وبالتالي لا نقر الرأي الرابع من الآراء السابقة. وأما أن الكنز هـو المجموع من النقدين لم تؤد زكاته، وهو الرأي الذي يراه الكثير من الفقهاء، فالحقيقة أن في المال حقا غير الزكاة، وإن قال ابن العربي - في معرض انتصاره لهذا الرأي - " إن الكل من فقهاء الأمصار اتفقوا على أنه ليس في المال حق سوى الزكاة، وإذا لم يكن في المال حق سوى الزكاة وقضيت، بقي المال مطهرا، كما قال ابن عمر " >[3] ، فلقد محصت هـذه القضية، وثبت أن في المال حقا غير الزكاة بشهادة القرآن الكريم والسنة المطهرة، وأقوال الصحابة >[4] ، والسلف، بل إن ابن العربي - وهو صاحب النقل السابق - [ ص: 93 ] يقول في موضع آخر: " وليس في المال حق سوى الزكاة، وإذا وقع أداء الزكاة ونزلت بالمسلمين حاجة، فإنه يجب صرف المال إليها باتفاق العلماء " >[5] : فهو قد قال: " إن الكل من فقهاء الأمصار اتفقوا على أنه ليس في المال حق سوى الزكاة " ، وهو نفسه يقول: " إذا وقع أداء الزكاة ونزلت بالمسلمين حاجة، فإنه يجب صرف المال إليها باتفاق العلماء " وهذا لا يجعلنا نقول: إن ابن العربي - رحمه الله تعالى - قد تناقض في قوله، كما يقول ابن حزم ، إذ يقول: والعجب أن المحتج بهذا أول مخالف له.. فيرى في المال حقوقا سوى الزكاة.. فظهر تناقضهم >[6] ، لا نقول ذلك، وإنما نقول: إن ابن تيمية - رحمه الله تعالى - وضح المقصود بالقول : إنه ليس في المال حق سوى الزكاة (إن صح هـذا القول) ، بأن المقصود به: ليس فيه حق يجب بسبب المال سوى الزكاة، وإلا ففيه واجبات بغير سبب المال، كما تجب النفقات للأقارب، والزوجة، والرقيق، والبهائم، ويجب حمل العاقلة وقضاء الديون، ويجب الإعطاء في النائبة، ويجب إطعام الجائع وكسوة العاري فرضا على الكفاية، إلى غير ذلك من الواجبات المالية، لكن بسبب عارض، والمال شرط وجوبها >[7] . هذا وقد قرر الشيخ يوسف القرضاوي ، متابعا في ذلك العلامة الشيخ أحمد شاكر : أن الحديث الذي يقول: [ ص: 94 ] ( ليس في المال حق سوى الزكاة ) صحته: ( في المال حق سوى الزكاة ) ، وأن كلمة " ليس " زيدت في الحديث عن طريق النساخ، وشاع الخطأ بعد >[8] . وبصرف النظر عن هـذا، فقد جمع الشيخ القرضاوي بين الرأيين، بأن الذين يقولون ليس في المال حق سوى الزكاة، يقصدون أنه لا حق فيه سوى الزكاة في الظروف العادية، التي تكفي فيها الزكاة، ولا يوجد مقتض لتقرير حق فوقها، فإن وجد ذلك المقتضى، وجب القيام به >[9] ، ويشهد لهذا التوفيق - في نظرنا - أن ابن العربي - رحمه الله تعالى - عندما يقول: ليس في المال حق سوى الزكاة، يردف قائلا : وإذا وقع أداء الزكاة، ونزلت بالمسلمين حاجة، فإنه يجب صرف المال إليها باتفاق العلماء، وقد قال مالك: يجب على كافة المسلمين فداء أسراهم، وإن استغرق ذلك أموالهم >[10] فهذا الإرداف يؤكد أنه يعني بقوله: ليس في المال حق سوى الزكاة، أي عندما لا يوجد ما يبرر تقرير حق في المال، فإن وجد هـذا المبرر، وجب القيام به، كفداء الأسرى، والإنفاق على الفقراء، إذا لم تكفهم الزكاة.

وإذا ثبت أن في المال حقا سوى الزكاة، فإن أداء الزكاة لا ينفي عن المال صفة الكنز، إذا منعت بقية الحقوق الواجبة فيه، ومن هـنا فإننا لا نقر الرأي الخامس من الآراء الواردة. وأن يكون الكنز هـو المجموع من النقدين، أو المجموع منهما، ما لم ينفق ويهلك في ذات الله تعالى، فإن واقع المجتمع الإسلامي على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد صحابته، [ ص: 95 ] ينفي ذلك، فقد كان عدد من الصحابة على عهده، ومن بعده (صلوات الله وسلامه عليه) يملكون الكميات الكبيرة من النقدين، ويستخدمونها فيما ينبغي أن تستخدم فيه، لكنهم لم يهلكوها في ذات الله، بل ورثت عنهم من بعدهم. كما أن تشريع زكاة النقدين، يدل على أن النقود تملك بكميات تساوي النصاب أو النصب، كل ذلك يدل على أن الكنز ليس هـو المجموع من النقدين مطلقا، ولا هـو المجموع منهما، ما لم يهلك في ذات الله تعالى.

ولم يبق بعد استبعاد الاحتمالات الستة إلا الاحتمال السابع، والذي يجعل الكنز هـو المجموع من النقدين، لم تؤد منه الحقوق الواجبة. وهذا هـو ما أرجحه، ذلك أن الكنز في اللغة هـو الجمع >[11] ، والجمع في ذاته مطلوب للقيام بالحقوق الواجبة، فإذا منعت الحقوق من النقود المجموعة، فقد خرج بها عن وظيفتها، وأول هـذه الحقوق فريضة الزكاة، ثم يتلوها بقية الحقوق التي أوجبها الله سبحانه، وبينها رسوله الكريم، فجمع النقود مع منع الحقوق التي جاءت بها الشريعة، هـو الاكتناز الذي نهى الله تعالى عنه، وتوعد عليه.

والفرق الذي رجحناه، وبين الرأي الذي يجعل الكنز مقصورا على الذهب والفضة، إذا لم تؤد زكاتها، إنما يرجع إلى الخلاف السابق، هـل في المال حق سوى الزكاة؟ وإذا كنا قد انتهينا إلى القطع، بأن في المال حقوقا غير الزكاة، فيجب أن ننتهي أيضا إلى أن الذهب والفضة - النقود عامة - إذا لم تؤد منها الحقوق - وأولها الزكاة - كانت كنزا، [ ص: 96 ] وإذا أديت زكاتها ومنعت بقية الحقوق الواجبة، فلن يفارقها وصف الكنز. ومن ثم فإن إمساك المال النقدي عن الحقوق التي جعلها الله تعالى فيه، ليس من حق المسلم.. ومن الحقوق في المال، استخدامه فيما يعود بالنفع على المسلمين، من بناء الاستثمارات، وإقراض المحتاج، وإطعام الجائع، وتعليم الجاهل، وعلاج المريض، وغير ذلك من ضروب التكافل بين المسلمين، " والتي تعبر عن طبيعة النظام الإسلامي - كما رسمته آيات القرآن مكية ومدنية، وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم - صحاحا وحسانا - ومن أضاع ذلك، فليس ن الإسلام ولا من رسوله في شيء " >[12] والنتيجة النهائية هـي أن المال النقدي لا يسمح بحجبه عن الحقوق المقررة فيه، فإن حدث ذلك اعتبرت النقود كنزا، وحتى لا يقع المسلم تحت الوعيد الوارد في الكنز، فعليه أن يقوم بكل الحقوق الواجبة في المال من زكاة واستثمارات، وشتى فروض الكفاية الواجبة على الكافة، بنظامها المعروف في الإسلام. فإذا بقي مال نقدي لدى المسلم فوق الوفاء بهذه الحقوق، كان مالا مطهر، لا يلام على الاحتفاظ به، ويترقب استخدامه فيما ينبغي أن يستخدم فيه.

وبناء على كل ما ذكرناه، يكون " العفو " موجودا في الأموال النقدية، وتمثل هـذه الأموال بالتالي: " مكمنا من مكامن العفو " .

ويؤكد هـذه النتيجة نصيحة النبي صلى الله عليه وسلم لمن لديه مال يفيض عن كفايته من الإنفاق الاستهلاكي، والإنفاق الاستثماري، أن يبذله في وجوه النفع، [ ص: 97 ] مبينا أن إمساك هـذا الفائض شر، وإنفاقه خير، ولا شك أن المسلم مأمور بفعل الخير، منهي عن فعل الشر، لقد قال صلوات الله وسلامه عليه: ( يا ابن آدم إنك إن تبذل الفضل خير لك، وإن تمسكه شر لك، ولا تلام على كفاف >[13] وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى ) >[14] .

ولا يفوتنا أن نقرر شيئا معلوما في الإسلام، وهو أن إمساك النقود ورصدها لأداء واجبات أمر مطلوب، حتى وإن كانت الواجبات غير حالة، ما دامت متوقعة، فقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحث على إنفاق المال أن يستثني ما يرصده المسلم لدين، قال صلى الله عليه وسلم : ( ما يسرني أن عندي مثل أحد هـذا ذهبا، تمضي عليه ثلاثة أيام، وعندي منه دينار، إلا شيء أرصده لدين، إلا أن أقول به في عباد الله هـكذا وهكذا وهكذا، عن يمينه وعن شماله وعن خلفه ) >[15] ، وعن أبي هـريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لو كان لي مثل أحد ذهبا لسرني أن لا تمر علي ثلاث ليال وعندي منه شيء، إلا شيء أرصده لدين ) >[16] .

ففي هـذين الحديثين تقرير جواز إمساك النقود لأداء واجب، مثل له النبي صلى الله عليه وسلم بالدين، ويقاس على ذلك كل نقود ترصد لواجب ما، [ ص: 98 ] مثل الإنفاق الاستهلاكي، والإنفاق الاستثماري المطلوب للمحافظة على الطاقة الإنتاجية، وتجنيب أقساط دورية لجمع مال يستخدم في الوفاء بحاجة استهلاكية أو إنتاجية، فمثل هـذه الأموال مشغولة بالحق الذي ترصد له، فإمساكها غير ممنوع بل مطلوب.

إذا تقرر هـذا، واتضح لنا أن المال النقدي يعتبر أحد أهم مكامن " العفو " ، فإن المسلم مدعو إلى استخدام هـذا العفو، أو تمكين غيره ممن هـو في حاجة إليه من الانتفاع به.

وتختلف طريقة تقديمه من حالة لأخرى، فهناك حالات يكفي فيها تقديم " العفو " من المال النقدي في صورة قرض، يسترد عندما ييسر الله تعالى للمقترض أداءه، وهناك حالات يجب فيها تقديم المال في صورة هـبة أو صدقة، وهناك حالات يقدم فيها المال النقدي إسهاما في مشروعات عامة، تفي بفرض من فروض الكفاية المطلوبة من المسلمين، وهناك حالات يقدم المال النقدي فيها لبناء مشروع استثماري بشكل مستقل، أو بالاشتراك مع الآخرين بصورة من صور المشاركة، إلى غير ذلك من صور إنفاق " العفو " والتي بحثناها في المطلب الثالث. [ ص: 99 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية