أسباب ورود الحديث (تحليل وتأسيس)

الدكتور / محمد رأفت سعيد

صفحة جزء
الإمام السيوطي وأسباب الورود

لقد كان للإمام السيوطي ، الأثر الكبير في إبراز الجهود السابقة، في أسباب الحديث، والإفادة؛ في بيان منهجها، والتأسيس لنفسه في تقديم مبسوط في ذلك.

وقد مر بنا قوله في ذلك عند الحديث عن بداية الكلام في أسباب الورود، وارتباط ذلك بأسباب النزول، والمؤلفات المفقودة في هـذا الموضوع، وأحب أن يجمع كتابا في ذلك، فسلك مسلك التتبع للجوامع الحديثية، والالتقاط منها.

وسار على المنهج الذي استخلصه من طريقة الإمام البلقيني في [ ص: 141 ] الأمثلة التي ذكرها، أي تتبع في المع والالتقاط الأسباب على النحو الآتي:-

- قد لا ينقل السبب في الحديث، ولكن ينقل في بعض طرقه، وهذا سبله التتبع وهو ما ينبغي الاعتناء به، وبذل الجهد فيه.

- وقد يكون ما ذكر عقب السبب من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم ، أول ما تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت.

- وقد يكون تكلم به قبل ذلك، لنحو ذلك السبب.

- وقد يكون تكلم به، لا لسبب.

- وقد يكون تكلم به لأمور تظهر للعارف بهذا الشأن.

فهذه الأسباب التي حكاها عن منهج السابقين فيها، واختارها لتطبيق جمعه وتصنيفه عليها، فارتضى السؤال في الحديث نفسه، أو السبب المنفصل عن الحديث، وجاء بطرق أخرى، والظروف والملابسات التي ترتبط بأقوال الرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعرف بالخبرة والتتبع الواسع.

ولكن تطبيق الإمام السيوطي لهذا المنهج السابق، والذي وافق عليه، جعله يأخذ معه الأمثلة التي ذكرها الإمام البلقيني ، تصريحا بها في مقدمته مع الإيجاز، ونسبتها إلى البلقيني، وأغفل نسبتها عند التفصيل.

ففي خطبة كتابه، أشار إلى حديث ( إنما الأعمال بالنيات ) ، وتناول ابن دقيق العيد له، وكذلك البلقيني في أسباب الورود.

وما ذكره البلقيني كذلك، في حديث سؤال جبريل عن الإسلام، [ ص: 142 ] وحديث القلتين، وحديث الشفاعة، وحديث سؤال النجدي، وحديث ( صل فإنك لم تصل ) ، وحديث ( خذي فرصة من مسك ) ، وحديث ( السؤال عن دم الحيض يصيب الثوب ) ، وحديث "السائل": « أي الأعمال أفضل » ، وحديث سؤال: ( أي الذنب أكبر ) ، وحديث ( أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة ) .. فهذه نسبها عند الإجمال، ولكنه فصلها في جملة اختياراته، وزاد عليها الأمثلة الأخرى التي ذكرها البلقيني.

ولكن هـل الإمام السيوطي يعد في ذلك ناقلا دون إضافة؟

إننا لا نستطيع الحكم في ذلك، إلا بعرض مقارنة سريعة بين ما ذكره البلقيني ، وما ذكره السيوطي.

فأما الجانب المختصر عند البلقيني، فقد بسطه السيوطي بذكر الرواية وأسبابها، على النحو الآتي:-

حديث: أخرج الأئمة الستة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هـجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هـجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هـاجر إليه ) .

سببه: قال الزبير بن بكار في أخبار المدينة : حدثني محمد بن الحسن ، عن محمد بن طلحة بن عبد الرحمن ، عن موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث ، عن أبيه، قال: ( لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وعك فيها أصحابه، وقدم رجل فتزوج امرأة كانت [ ص: 143 ] مهاجرة، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فقال: يا أيها الناس، إنما الأعمال بالنية (ثلاثا) ، فمن كانت هـجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هـجرته في دنيا يطلبها أو امرأة يخطبها فإنما هـجرته إلى ما هـاجر إليه، ثم رفع يديه، فقال: اللهم انقل عنا الوباء (ثلاثا) . فلما أصبح قال: أتيت هـذه الليلة بالحمى، فإذا بعجوز سوداء ملببة في يدي الذي جاء بها، فقال: هـذه الحمى فما ترى؟ فقلت اجعلوها بخم ) >[1] .

وقد جعل السيوطي هـذا الحديث في بداية كتابه >[2] على الرغم من تبويبه للكتاب على الطريقة الفقهية، حيث بدأ بباب الطهارة، وسلك في ذلك مسلك الإمام البخاري رحمه الله في الجامع الصحيح، باعتبار أن النية أساس الأقوال والأعمال، وعلقها بالطهارة - كذلك - بين في تنقية القلب وتطهيره.

وأما حديث سؤال جبريل عن الإسلام والإحسان، فلم يورده السيوطي في التفصيل، وهذا يدل على أنه اختار من النماذج السابقة، والسبب الذي ذكر فيه هـو ما يتصل بمجيء جبريل عليه السلام في صورة رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، وكيف جلس بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ، وقول الرسول الكريم: ( فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ) >[3] . [ ص: 144 ]

وأما حديث القلتين، فإن السيوطي رحمه الله، قد ذكره في باب الطهارة، ولكنه قدم من اختياراته في باب الطهارة ثمانية أحاديث، وتسعة عشر سببا للورود، ومعنى ذلك أنه ليس بجامع لجهد غيره، وإنما أفاد من النماذج، والمنهج، وأحسن التطبيق في اختيارات أفادت من بعده.

وقال في حديث القلتين >[4] : حديث: أخرجه أبو أحمد الحاكم ، والبيهقي عن يحيى بن يعمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا كان الماء قلتين، لم يحمل نجسا، ولا بأسا، أو قال خبثا ) .

سبب: أخرج أحمد عن ابن عمر قال: ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يسأل عن الماء، يكون بأرض الفلاة، وما ينوبه من الدواب والسباع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء ) .

وقد وفق محقق " أسباب ورود الحديث " الدكتور يحيى اسماعيل ، في إضافة ما يراه من أسباب مناسبة في الهامش فيقول >[5] :

وللحديث سبب ثان: أخرجه أحمد في 2 / 107 ، من حديث عاصم بن المنذر ، قال: كنا في بستان لنا، أو لعبيد الله بن عبد الله بن عمر ، نرمي فحضرت الصلاة، فقام عبيد الله إلى مقرى البستان، [ ص: 145 ] فيه جلد بعير، فأخذ يتوضأ فيه، فقلت: أتتوضأ فيه، وفيه هـذا الجدل؟ فقال: حدثني أبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا كان الماء قلتين أو ثلاثا، فإنه لا ينجس ) .. والمقرى والمقراء: الحوض الذي يجمع فيه الماء.

وترك السيوطي حديث الشفاعة، وسببه قوله صلى الله عليه وسلم : ( أنا سيد ولد آدم ولا فخر ) . والحديث أخرجه أحمد في المسند 1 / 281 ، والترمذي في أبواب التفسير، تفسير سورة الإسراء 4 / 370 ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه >[6] .

وترك حديث سؤال النجدي، والذي أخرجه البخاري في كتاب الحيل، باب الزكاة 229، وكتاب الإيمان باب الزكاة من الإسلام 1 / 18 ، ومسلم في كتاب الإيمان 1 / 141 ، وأبو داود في كتاب الصلاة 1 / 92 عن طلحة بن عبيد الله قال: ( جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نجد ثائر الرأس، يسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول، حتى دنا، فإذا هـو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال: هـل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وصيام رمضان. قال: هـل علي غيره؟ قال: لا، إلا أن تطوع، قال: وذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة، قال: هـل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع، قال: فأدبر الرجل، وهو يقول: والله لا أزيد على هـذا ولا أنقص. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أفلح إن صدق ) . [ ص: 146 ]

وكذلك لم يذكر حديث: ( صل فإنك لم تصل ) ، وقد أخرجه البخاري في كتاب الأذان باب الالتفات في الصلاة، عن أبي هـريرة 1 / 192 .

ولم يذكر حديث: ( خذي فرصة من مسك ) ، ولم يذكر حديث: "السؤال عن دم الحيض يصيب الثوب"، وحديث السائل: « أي الأعمال أفضل » ، وحديث سؤال: ( أي الذنب أكبر ) . وعلى ذلك، فإن اختيار الإمام السيوطي من هـذه الأسباب السابقة، كان يسيرا، والذي اختاره منها هـو من النوع الذي يذكر فيه السبب بطريق آخر، أو في رواية أخرى. ومعنى ذلك أنه اختار في تصنيفه، الطريق الذي يحتاج إلى جهد وتتبع، وليس سؤالا في حديث، أو موقفا، أو طرفا في الرواية نفسها.

ولذلك سنجده قد توسع في الاختيار من الأمثلة الأخرى، التي ذكرها البلقيني بأسباب منفصلة عن الروايات.

فمثلا ذكر حديثا أخرجه أحمد ، عن السائب بن أبي السائب ، ( عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال: صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم. ) وأخرج البخاري عن عمران بن حصين ، ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من صلى قاعدا فله نصف أجر القائم. )

سبب: أخرج عبد الرزاق في المصنف، وأحمد عن أنس قال: ( لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهي محمة، فحم الناس، فدخل [ ص: 147 ] النبي صلى الله عليه وسلم المسجد، والناس قعود يصلون، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : صلاة القاعد نصف صلاة القائم، فتجشم الناس الصلاة قياما ) >[7] .

وأخرج عبد الرزاق ، عن عبد الله بن عمرو ، قال: ( قدمنا المدينة ، فنالنا وباء من وعك المدينة شديد، وكان الناس يكثرون أن يصلوا في سبحتهم جلوسا، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم عند الهاجرة وهم يصلون في سبحتهم جلوسا، فقال: صلاة الجالس نصف صلاة القائم قال: فطفق الناس حينئذ يتجشمون القيام ) >[8] .

وذكر كذلك حديث: ( لا تصوم امرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه، غير رمضان ) ، وذكر سببه في حديث امرأة صفوان بن المعطل >[9] .

وذكر كذلك - مع إضافة منه لما وقع عليه - الحديث الذي أخرجه الأئمة الستة عن أبي هـريرة قال: ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، ولكن ائتوها وأنتم تمشون، وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتمو ا. )

والسبب: أخرجه أحمد ، والبخاري ، ومسلم عن أبي قتادة ، عن أبيه، قال: ( بينما نحن نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ، إذ سمع جلبة رجال، فلما صلى دعاهم، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: يا رسول الله [ ص: 148 ] استعجلنا إلى الصلاة، قال: فلا تفعلوا. إذا إتيتم الصلاة فعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما سبقكم فأتموا ) >[10] .

ولكن إذا كان البلقيني قد جعل حديث معاذ سببا لورود الحديث: ( إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، ولكن ائتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا ) ، فإن السيوطي قد جعله سببا لحديث آخر أخرجه الترمذي ، عن علي وعن عمرو بن مرة ، عن أبيه، عن ابن أبي ليلى ، عن معاذ ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إذا أتى أحدكم الصلاة والإمام على حال، فليصنع كما يصنع الإمام" >[11] .

وهذا يدل على أن تحديد السبب، أمر اجتهادي، وأن السبب قد يصلح لأكثر من رواية، وأن السبب قد يتعدد.

وترك حديث: ( ما حدثكم أهل الكتاب ... )

وذكر حديث: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن الخراج بالضمان ) ، وأورد ما ذكره البلقيني، وزاد من اختياره أسبابا أخرى، منها:

ما أخرجه أحمد ، عن عروة بن الزبير ، قال: قال زيد بن ثابت : ( يغفر الله لرافع بن خديج ، أنا والله أعلم بالحديث منه، وإنما أتى [ ص: 149 ] رجلان قد اقتتلا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن كان هـذا شأنكم، فلا تكروا المزارع، فسمع رافع قوله: لا تكروا المزارع ) >[12] .

وذكر السيوطي كذلك، حديث زيد بن ثابت ، ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، رخص في العرايا ) >[13] .

ومع هـذا الاختيار، الذي اتبعه السيوطي مع من سبقه، إضافة عظيمة لأحاديث أخرى بأسباب مستقلة بلغت جميعها ثمانية وتسعين حديثا (98) ، وأربعة وسبعين ومائتي سبب. صنفها على أبواب الطهارة، والصلاة، والجنائز، والصيام، والحج، والبيع، النكاح، والجنايات، والأضحية، والأطعمة، والأدب.

ونستطيع أن نقول: إن صنيع الإمام السيوطي، قد أرسى دعائم هـذا النوع العظيم من أنواع علوم الحديث، في كثرة العدد، وتنوع الموضوعات، وتتبع الأسباب خارج الحديث.

وفتح الطريق أمام السالكين لهذا النوع الجدير ببذل المزيد من الجهود فيه. [ ص: 150 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية