المنهج النبوي والتغيير الحضاري

برغوث عبد العزيز بن مبارك

صفحة جزء
المنهج النبوي ومفهوم التغيير الحضاري

سوف لا نسعى إلى البحث عن مفهوم للتغيير الاجتماعي من وجهة نظر العلوم الاجتماعية، والسلوكية الحديثة، لسبب واحد، هـو أنها ليست في العمر الحضاري الذي تعيشه أمتنا عموما، والحركة الإسلامية التغييرية خصوصا. فالموقع العملي للأحداث التي تمر بها الأمة داخليا، وخارجيا، مختلف عما يدور في الذهنية الحضارية المعاصرة، ولما تسعى إلى تحقيقه من الأهداف، تبعا لتصورها الكوني. أعني أن هـذه العلوم، وبشكل خاص علم اجتماع التغيير والحضارة، والثقافة، تعيش في عمر حضاري آخر، يتصل بجدلية الحضارة القائمة، وصيرورتها التاريخية الذاتية، التي لا يمكن بأي حال من الأحوال تعميمها، مالم تصبح معارفها معبرة عن القانون الفطري، الذي يحكم الخلق.

ومراعاة اختلاف الأعمار الحضارية، لازمة منهجية في مجال التغيير الاجتماعي، وقد أشار إليها ابن خلدون بذكاء في قوله: اعلم أن الدولة تنتقل في أطوار مختلفة، وحالات متجددة، ويكتسب القائمون بها في كل طور، خلقا، من أحوال ذلك الطور، لا يكون مثله في الطور الآخر، لأن الخلق تابع لمزاج الحال الذي هـو فيه >[1] . وابن خلدون هـنا، يوضح قاعدة مهمة في مستوى الدولة، يمكننا أن نعممها لتصبح حاكمة للسلوك الحضاري، وهذا ما أكده مالك بن نبي رحمه الله، بقوة في قوله: وعليه فلا يجوز لأحد وضع الحلول والمناهج، مغفلا مكانة أمته، بل عليه أن تنسجم أفكاره، وعواطفه، وأقواله، وخطواته، مع ما تقتضيه المرحلة التي فيها أمته.. أما أن يستورد حلولا من الشرق أو الغرب، فإن ذلك تضييعا للجهد، ومضاعفة للداء. إذ كل تقليد وأبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغي حاجته.. [ ص: 100 ] في هـذا الميدان، جهل وانتحار.. وعلاج أي مشكلة يرتبط بعوامل زمنية نفسية، ناتجة عن فكرة معينة، تؤرخ ميلادها عمليات التطور الاجتماعي، في حدود الدورة الحضارية التي ندرسها.. فالفرق شاسع بين مشاكل ندرسها، في إطار الدورة الزمنية الغربية، ومشاكل أخرى تولدت في نطاق الدورة الإسلامية >[2] .

ونفس الموقف نجده عند المفكر السيلاني المسلم البروفيسور عبد المجيد مكين ، الذي يرى أنه: في ظل الطرح الإسلامي، يبدو لنا معيار الوحي، هـو المدخل الوحيد لدراسة مشكلات وقضايا الفكر الإسلامي، إذ لا تجدي الطريقة العلمية الحديثة شيئا، في استكناه خبايا الظواهر الإسلامية، ومغازيها الحقيقية، وأبعادها الجوهرية، التي لا يمكن فهمها إلا في ضوء معيار الوحي. فالظواهر الإسلامية لا يمكن إدراكها بمعزل عن منهاج الوحي، وسياقه الذاتي. فالطريقة العلمية الحديثة تبقى دوما مفتقرة إلى عنصر أساسي، هـو مخ البحث وروحه، وهو من هـبات معيار الوحي للباحث المسلم، حيث لن يجد هـذا العقل ذاته، ووعيه، إلا ضمن هـذا الإطار >[3] .

فعندما أؤكد على هـذه القضية، فتأكيدي لا ينفي التعامل مع المناهج الاجتماعية السائدة في الحقل التغييري، وإنما يتطلب الأمر دائما أن نستعمل إمكاناتنا العقلية، ومنهجيتنا الذاتية كيما نتجاوز بعض المراحل الخطيرة.. والمنعطف الحضاري الراهن، الذي نعيشه، منعطف من المنعطفات، التي تحتاج إلى تجاوز أصيل، لأننا نعيش في مرحلة التأسيس لعمل نهضوي جديد، سوف يثمر في مستقبل الأمة، وسترى الأجيال اللاحقة عمل أجدادها الذي قاموا فأعلنوا ضرورة العودة إلى مصدر الطاقة الخلاقة، الذي أشع من قبل على الإنسانية، عندما فتح لها طريق التفكير العلمي، الذي يخضع لقواعد منهجية [ ص: 101 ] ومعيارية أخلاقية، قصد بها الشارع الحكيم تحقيق مقاصد الخلق في الدارين.

التالي السابق


الخدمات العلمية