الإسلام وصراع الحضارات

الدكتور / أحمد القديدي

صفحة جزء
الفتنة ونشأة الفكر السياسي الإسلامي

رأينا في الفصل السابق، كيف أن تاريخنا الإسلامي، يصلنا أعرج معوقا، بعد مروره بالمحرفين من الحاشيات المتعاقبة على البلاطات، وعرفنا كيف يكيد المعاصرون لتاريخنا بالطعن والتشكيك، وقد نجحوا في ذلك العمل التخريبي بعض النجاح، بتوجيه ذكي مخطط من أجهزة الإعلام والاستعلام المعادية، حتى إن اسم الإسلام أصبح يعني لدى بعض الشباب، العنف. والغريب المدهش أن أبناء الحضارة الغربية، الذين رسخوا هـذه المغالطة في أذهان الرأي العام، ينتمون إلى الحضارة نفسها التي فجرت على مدى جيل واحد (ثلاثون عاما) من 1914م إلى 1944م حربين عالميتين، راح ضحية أولاهما ثلاثون مليونا من البشر، وراح ضحية الثانية سبعون مليونا من البشر، وانتهت هـذه الأخيرة بفاجعة نووية، مسحت من على الأرض مدينتين كاملتين، هـما هـيروشيما وناجازاكي باليابان . وهذه الأحداث ليست من عصر ما قبل التاريخ، بل إن (أبطالها) وضحاياها، ما يزالون يعيشون بيننا إلى اليوم.

والفكر المادي الغربي، هـو الذي أباد شعوبا كاملا، كان آخرها شعب سكان أمريكا الأصليين، الملقبين بالهنود الحمر ، منذ عام 1492م إلى أواسط هـذا القرن العشرين، وكذلك الملحمة الدموية المريرة للتجارة بالعبيد الأفارقة، بعد اختطافهم من أدغالهم، وقبائلهم، مما يمثل اليوم وصمة عار على جبين أوروبا وأمريكا. وأقرب إلينا تاريخيا محاولة إبادة ستالين لمخالفيه التي قدر عددها المؤتمر العشرون للحزب الشيوعي السوفييتي نفسه، بخمسة ملايين ضحية في ثلوج سيبيريا ، ومحاولة إبادة شعب فيتنام ، الذي افرغت طائرات أمريكا على رءوس أبنائه [ ص: 75 ] قنابل توازي ما أفرغ أثناء الحرب الكونية الثانية، على أوروبا بأسرها. وجاءت المأساة الاستخرابية المسماة زورا بالاستعمارية ، فأظهرت للإنسانية بشاعة الفكر الغربي العلماني، الذي استحل دماء الشعوب المستضعفة وأراضيها، وخيراتها، فسخرتها القوة العمياء لخدمة ازدهار الغرب ورفاهيته، وزيادة استهلاكه.

وإنك لو قلبت تاريخ القرون الخمسة عشر من الحضارة الإسلامية، على كل الوجوه، لما عثرت على أمثال هـذه المذابح، والمجازر، التي حدثت في الغرب، انطلاقا من الفكر الغربي، أو من انحرافاته.

ونحن حين نذكر بهذه الحقائق، فبقصد إبطال مفعول السحر الزائف، الذي أعمى عيون جيلنا المسلم، لينظر إلى تاريخه بدون عقد أو مركبات نقص، وليعرف أن ما يميز حضارته الإسلامية، هـو الفكر المضاد للفكر الرسمي، الذي ساد عبر التاريخ. فكل سلوك بشري في الدول الإسلامية المتعاقبة، مال إلى الاستبداد ، وخرج عن الشريعة، واجه فكرا إسلاميا حرا، كان بمثابة كفة الميزان الشعبية الأخلاقية المرجعية، لإعادة الحق إلى مجراه، والعدل إلى منتهاه، ورد الباطل عن هـواه.

إن رصيد الإسلام من الفكر الحر المتمسك بالشرع والحق، هـو الذي صنع التاريخ الأكبر، تجاه سلوك الاستبداد، والظلم الفردي أو الرسمي، الذي صنع التاريخ الأصغر. وذلك الرصيد المجيد، هـو المخزون، الذي يخوض به الإسلام صراع الحضارات، في صورة حدوث صراع، أو يدخل به حوار الحضارات، في حالة الجنوح للحوار.

وفي البدء كان فجر الإسلام، التحم التاريخ الأكبر مع التاريخ الأصغر، لصيانة أعظم تحول طرأ على الحضارة الإنسانية، بظهور الإسلام وانتشاره [ ص: 76 ] السريع، وتغيرت الخارطة البشرية في محيط يبلغ قطره حوالي ثمانية آلاف كيلومتر، في ظرف جيل واحد، شرقا وغربا، وجنوبا وشمالا.

التالي السابق


الخدمات العلمية