رؤية إسلامية في قضايا معاصرة

الدكتور / عماد الدين خليل

صفحة جزء
( 2 )

إذا ضربنا مثلا بالمطالب الحيوية الأساسية للإنسان: الجنس، والطعام، والملبس، والمسكن.. فإننا سنجد بوضوح، كيف تتعاضد هـذه الأبعاد الثلاثة، وتتناسق، وتعمل مجتمعة، من أجل التحقق بأكبر قدر من المقاربة، للمطالب الإسلامية.

في التجربة الجنسية، يشكل الإسلام منظوره المتميز، منطلقا من رؤيته الإيمانية الشاملة، التي تنفسح آفاقها، لكي تتجاوز الضرورة، بعد تطمينها، إلى ما وراءها، حيث يصير الإنسان، قديرا بقوة الإيمان، على التعفف والاستعلاء، على المقاومة، ورفض الالتصاق بالأرض، وعلى تصعيد التجربة إلى مستويات عليا.. وهو يربط هـذه المقاومة الصعبة.. هـذا التجاوز لشد الضرورات.. هـذا التعفف الذي يتحصن به المؤمن، عندما تقفل أمام حاجته الأبواب المشروعة.. هـذه القدرة العجيبة على التصعيد والتحويل.. يربط هـذا كله بتقوى الله، ويمنحه بعدا عقيديا، يتجذر هـناك في الثواب والعقاب.

إنها قوة التوجيه، التي يملكها هـذا الدين، والتي تضع أتباعه في حالة تطوع، غير قسري، لمقاومة إغراءات السقوط، أو الاندفاع في المزالق.. أو - حتى - وضع الخطوات الأولى، على أعتاب الاستجابة الخاطئة.

والذي يمنح هـذا التوجيه قدرته على الفاعلية، ذلك الارتباط الوثيق، الذي ألمحنا إليه بين الممارسة والعقيدة.. ذلك التجذر بالتقوى، والإحسان، وهما محطتان معروفتان جيدا، لكل مؤمن جاد، يتوخى رضا الله، ويتقي غضبه، ما وسعه الجهد، وما أعانته القدرة، في طبقاتها جميعا.

ويعين التوجيه - كذلك - ويحضه، ويمنحه القدرة على الفعل، والتجاوز والتصعيد، خطان آخران من الضمان، هـما التشريع، والمناخ العام. ففي أولهما [ ص: 82 ] ترتب الأولويات، وتحدد المفردات، وترسم خطوات التنفيذ، ويمنح التعامل مع التجربة، أكبر قدر من التنظيم، والضبط، والمرونة.. فلا إفراط، ولا تفريط، وإنما هـو الحد الوسط، الذي يلبي مطالب الحاجة، دونما أي قدر من الكبت، والقسر، ولكنه لا يدعها تنفلت، وتتسيب، بأية صيغة من الصيغ، التي تذهب بالطاقة، الجنسية هـدرا، وتزيد التفكك العام، الذي يلحق بالمجتمع صنوفا من السوء، فكأننا والحالة هـذه، إزاء حماية للطاقة الفردية، والاجتماعية، على السواء، وإزاء تصريف للطاقة الجنسية، في قنواتها الطبيعية المحددة، دونما زيادة أو نقصان.

وكلنا يعرف الكبت المدمر، الذي مارسته النصرانية المحرفة، وعدد من الأديان الأخرى، تجاه هـذه المسألة، ويعرف كذلك، (الميل العظيم) ، الذي نفذته الوضعيات الجانحة، وأرباب الأهواء والشهوات.. وفي كلتا الحالتين كان الإنسان يضيع، ويضيع أيضا المجتمع على مداه، بما يلحق بالطرفين من دمار نفسي، وجسدي، وفكري، وبالتالي من شلل، أو عجز في الفاعلية الحضارية، يكون مصيرها الضمور، والتدهور، والسقوط.

إن التشريع الإسلامي للمسألة الجنسية، يقف عند نقطة التوازن، لا ينحرف ولا يتفلت ولا يميل.. لا يكبت ولا يهدر.. وهو يلاحق كل حالة، ويعالج كل مفردة، دون أن يغفل، أن ينسى، واحدة منها، مهما ضؤلت. إن تشريعات الزواج، والطلاق، والتعدد، وتنظيم الأسرة.. إلى آخره.. تلك التي لقيت من قبل الخصوم، من أصحاب المصالح والأهواء، نقدا وهجوما، استمرا فترات متطاولة من الزمن، ونعق بها الناعقون، من عبيد الحضارة الغربية، في الشرق الإسلامي، هـذه التشريعات، ما لبثت بمرور الوقت، وضغوط التجربة البشرية، وتراكم الخبرة، أن أثبتت مصداقيتها، وتفردها في مجابهة المعضلات، قبالة كل صنوف الفشل والإحباط، التي آلت إليها التشريعات الوضعية، والدينية المحرفة. واليوم نسمع من الغربيين أنفسهم، من مفكريهم، ومشرعيهم، والمعنيين بقضاياهم الاجتماعية، أن التشريع الإسلامي، لقضايا الجنس، والمرأة، والأسرة، والطفولة.. هـو وحده التشريع القدير على الديمومة، لأنه -وحده- الذي يناسب حجم التجربة، ويستجيب - بإعجاز باهر موزون- لمطالب الإنسان! [ ص: 83 ]

وثمة خط الضمان الثالث، الذي يحمي الطاقة الجنسية من الكبت والدمار، أو التبدد، والهدر، والضياع، ويعيق الخطين السابقين، على أداء المهمة، بأكبر قدر من التوازن، والنظافة، والإشباع.

إنه (البيئة) أو (المناخ العام) الذي يشكله الإسلام، عبر نسيج الحياة الاجتماعية، حيث تجتث كل صنوف الإثارة والإغراء، وتقفل كل المسالك والأبواب، إلى ظلمات الخطيئة، وسراديب الانحراف، وحيث تصير الوقاية، قاعدة الحياة اليومية، وحيث تسود العلاقات الاجتماعية، بين سائر الأطراف، مفردات العفة، والتطهر، والنظافة، والاعتدال، وحيث يتشكل، ما يمكن تسميته بالذوق العام، الذي يمارس نوعا من الرقابة العفوية، والاحتقار الجماعي، لكل انحراف، مهما دق وخفي.. ودونما هـمز ولمز، ودونما فضح، وتشهير، أو تجاوز لأمن الآخرين وحرياتهم.. ويكافئ، في مقابل هـذا وذاك، وبعفوية أيضا، كل المتطهرين، الذين يتجاوزون الدنس، ويعينون من هـم أقل منهم قدرة على الاجتياز..

إنه المناخ النظيف، الذي لا يؤزم، ولا يدفع إلى حافات الانهيار والسقوط، والذي يعين المسلم، على اجتياز رحلة الحياة اليومية، بأقل قدر ممكن من الإثارة والاحتكاك، والاحتراق، وبأكبر قدر ممكن، من الحث على التعفف، والتجاوز والتصعيد.

إن العلاقات العامة، والأنشطة الوظيفية، والممارسات التربوية والتعليمية، والمعطيات الإعلامية، ومفردات الحياة البيتية، تساهم جميعا في تشكيل هـذا المناخ العام، وحمايته، وتصعيده، من أجل تمكين الإنسان المسلم، من التحقق بأقصى درجات الطهر، والاعتدال. وإننا بمجرد أن نتذكر ما الذي يجري اليوم في شوارعنا، ومؤسساتنا، ودوائرنا، وممارساتنا التعليمية، وأنشطتنا الإعلامية، بل في بيوتنا، وأزقتنا، وأحيائنا، بسبب من ثأثرنا، وإعجابنا، وتبعيتنا للحياة الغربية المنحلة، من إثارة متجددة، لحوافز الجنس، تتميز بالحدة والامتداد، إلى كل خلايا الحياة الاجتماعية، وما يترتب على هـذا، من تلف في أعصاب المسلمين، الذين يتأبون على الانجراف، ومن دمار، وتفكك، لأولئك الذين [ ص: 84 ]

تكتسحهم الموجة.. والخسارة البالغة للحياة والمستقبل الإسلامي، في كلتا الحالتين.. ونقارن هـذا كله بالمناخ العام، للمجتمع الإسلامي الملتزم.. المناخ المتعفف، المتطهر، النظيف، أدركنا، بما تكاد الأيدي، أن تلمسه، كيف تصير ضمانات هـذا المناخ في الحياة الإسلامية، فرصة فريدة، لكي يجتاز الإنسان المسلم، رحلته اليومية متوازنا، مطمئنا، سعيدا.. قديرا على الفعل والإنجاز، غير مشتت ولا معقد، ولا متمزق ولا مكبوت.

ومرة أخرى، فإن الإسلام بتعامله الثلاثي هـذا، مع المسألة الجنسية، أو أي من المطالب الحيوية: توجيها، وتشريعا، وعلاقات عامة، إنما يضع المسألة في مكانها الصحيح تماما، ويمكن الإنسان من التعامل معها، بحجمها تماما، دونما إفراط أو تفريط.

التالي السابق


الخدمات العلمية