رؤية إسلامية في قضايا معاصرة

الدكتور / عماد الدين خليل

صفحة جزء
وقـفـة للنـقـد

( 1 )

ما من شك في أن نصف القرن الأخير كان فترة من أخصب الفترات في تاريخ الفكر الإسلامي، وبعبارة أدق: في تاريخ الكتابة والتأليف عن الإسلام من قبل (الإسلاميين) أنفسهم، وقد لمعت في هـذه الفترة أسماء متميزة أغنت المكتبة الإسلامية بعطائها المتدفق الموصول، إلى جانب حشد من المؤلفين من أصحاب الكتاب الواحد أو الكتابين والثلاثة..

وما من شك - أيضا - في أن أهم ما تميزت به جل معطيات هـذه الحقبة الحديثة من الزمن هـو (التعصير) .. أي محاولة طرح القيم والمفاهيم والقضايا الإسلامية من وجهة نظر معاصرة أسلوبا، ومنهجا، وموضوعا.. دون أن تفقد أصالتها أو تبعد بشكل أو آخر، عن أطروحات الإسلام وتصوره ورؤياه الحقة.. وأصبح بمقدور المثقف المعاصر أن يلتقي بالإسلام بالصيغة التي يستطيع أن يفهمها ويتواصل معها، بعد أن كانت أساليب ومناهج القدماء، ومفكري الفترات المتأخرة تصده عن التوغل في فهم الإسلام.

وكانت تبرز إلى جانب هـذه الميزة الأساسية مجموعة من الميزات لا يقل بعضها أهمية عنها، وفي مقدمتها ولا ريب الطابع الحركي لكثير من هـذه الكتابات، فهي ليست كتابات فكرية أو فقهية صرفة، وإنما تضمنت الكثير من القيم الحركية واستهدفت تكوين وتربية وتحريك الجماعات الإسلامية، بالفكر الذي ينتمون إليه صوب الأهداف التي آمنوا بها وتعشقوها.. ولا غرو، فإن هـؤلاء الكتاب الرواد هـم أبناء الحركات الإسلامية، وقادتها، على مدى عالم الإسلام.. وكانوا يكتبون وهم يعيشون (التجربة) أو يسيرون قريبا منها على أقل تقدير.. [ ص: 139 ]

وثمة (الشمولية) التي تميزت بها هـذه الكتابات عن معطيات الفترات السابقة التي كانت تحكمها الرؤية التجزيئية حيان.. والشمولية واحدة من أهم عناصر التأليف الحديث أهمية، وأكثرها ثقلا، وهي جانب أساس في منهج التعامل مع الإسلام، والكتابة عنه، فهذا الدين العظيم الذي منح الإنسان موقفا إزاء الكون والحياة والعالم، يتميز بالشمول والاستشراف والتوحيد، ويرفض التجزئة، والدونية، والثنائية، ما كان له أن يدرك وفق منهج غير هـذا المنهج الذي يلم الجزئيات ويوحد المعطيات ويركب القيم لكي يقدم للناس صيغة الإسلام على حقيقته: ذلك العمل المعماري المتوحد العالي، المركب الذي يتمنع على الفهم الجزئي والرؤى المفككة..

التعصير، والحركية، والشمولية.. تلك هـي - بإيجاز شديد - الملامح الأساسية لمعطيات كتابنا الرواد الذين شقوا مجرى حديدا في مجال الكتابة عن الإسلام، وأنشئوا مدرسة، لها كيانها المتجدد، ومنهجها الخاص، وطرائقها المتفردة.. فكان ما كان من قدرة تلك الأعمال على (التأثير) و (البناء) ، ومن ضخامة الدور التي أدته في مسيرة الحركة الإسلامية المعاصرة، استشرافا، وبرمجة، وتقويما، وإغناءا، وتكوينا..

وبمجرد أن نتذكر بعض نماذج هـذه المؤلفات الحديثة، الرائدة، من مثل: (الظلال) ، أو (المعالم) ، أو (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟) ، أو (رجال الفكر والدعوة في الإسلام) ، أو (الجهاد في سبيل الله) ، أو (شروط النهضة) ، أو (وجهة العالم الإسلامي) ، أو (عقيدة المسلم) ، أو (منهج التربية الإسلامية) ، أو (جاهلية القرن العشرون) ، أو (الفكر الإسلامي الحديث، وصلته بالاستعمار الغربي) ، وغيرها مما لا يتسع المجال لذكره، ومما هـو معروف جيدا بسبب انتشاره الواسع وتأثيره العميق.. بمجرد أن نتذكر هـذه النماذج، فإننا سنعرف حجم الدور الذي لعبته كتابات هـؤلاء الرواد، [ ص: 140 ] وهو حجم كبير إن على مستوى التقاليد المنهجية التي أرساها هـؤلاء، أو على مستوى البناء الحركي الذي كانت هـذه المؤلفات بالنسبة إليه بمثابة الهادي، والموجه، والدليل..

* * *

ولكن ماذا عن الجيل التالي من الكتاب الإسلاميين الذين حملوا الأمانة، وواصلوا المسيرة وهم يجدون أمامهم طريقا معبدا إلى حد كبير؟ ماذا عن الجيل التالي الذي وازى بعضه في بداياته عصر الرواد، وامتد بعضه الآخر عبر السنين التالية يكتب، ويؤلف، ويواصل المشوار؟

الحق إن المكتبة الإسلامية شهدت على يدي هـذا الجيل، إغناء متزايدا في محتوياتها، وأخذ سوق الكتاب الإسلامي عبر العقد الأخير يشهد ما يمكن أن يكون متوالية هـندسية في حسابات (الكم) بحيث أصبح القارئ يحار في أيها يأخذ وأيها يدع.. ومما شجع على اتساع نطاق هـذه الحركة التأليفية قيام عدد من دور النشر الإسلامية في أكثر من بلد، أخذت على عاتقها مهمة نشر الكتاب الإسلامي وتشجيعه.. وتخصصت في هـذه المهمة وحققت نجاحا طيبا كان له دوره الفاعل فيما نحن بصدده من تزايد عدد المؤلفات الإسلامية بشكل يلفت الأنظار.

ولا بد - إذن - إزاء هـذا التكاثر الذي هـو بحد ذاته ظاهرة صحية تملأ قلب المثقف المسلم بالثقة والأمل والاعتزاز.. لا بد من وقفة نقدية تضع يدها على ما يعانيه بعض هـذا العطاء من مناقص، وما استمرأه من عيوب إن على مستوى المنهج أو الموضوع.. لا بد من إشعال الأضواء الحمراء على درب الحركة التأليفية كيلا توغل فيما يمكن أن يحمل الفكر الإسلامي ومناهجه بالكثير من الأوهان والأخطاء، ويزيد من عناء القارئ الذي يجد نفسه إزاء هـذا العطاء المنوع، المتشعب، الكثيف والذي يتوجب عليه أن يملك معه القدرة المتبصرة [ ص: 141 ] على الانتقاء، وإلا غدا وقته وماله عرضة لاستنزاف ليس له أي مردود إيجابي أو إضافة جادة.

إنها نقدات متواضعة قد يضاف إليها الكثير فيما بعد، وهو أمر يتوجب على كل مفكر إسلامي أن يسهم فيه في أعقاب كل حقبة.. فبالنقد الهادف المترع بالمحبة والإخلاص، لا الكراهية والمكر، يمكن أن نتعلم الكثير.. نقدات أولية من أجل المؤلف والقارئ على السواء، فكلاهما رصيد ثمين في مجرى الحركة الإسلامية المعاصرة يدفع إلى التقدير والاعتزاز، ذاك بعطائه السخي، وهذا بإقباله الذي ضربت به الأرقام القياسية في ميادين القراءة والاقتناء.

في بعض هـذه المؤلفات يلمح الإنسان تطرفا باتجاه (الإنشائية) .. مئات، بل ألوف من الكلمات والجمل والفقرات، لا توثق بنص، ولا تعزز بدليل، فيها تبذير واضح في اللغة، وتجاهل لقواعد الاقتصاد والتركيز.. ونحن في عصر السرعة والتكثيف، بأمس الحاجة إلى هـذا الاقتصاد، والتركيز لأنه يمنحنا الفكرة، بالعبارة، والعبارتين، بدلا من هـذا التطويل الذي لا يفترس الوقت دون جدوى فحسب، ولكنه يبعث على الملل أيضا.. والملل هـو عدو المطالعة اللدود، وخصمها اللجوج، الذي يعرف كيف ينفر الناس منها، ويبعدهم عنها.. صحيح أن (الإنشائية) هـي ضرب من القدرة على الإبداع، ولكنه إبداع ناقص - إذا صح التعبير - إبداع مفكك، متراخ، سائب الأطراف.. ولا بد من استكماله بالشد والترصين، والتحديد الصارم.. إن المؤلف يتوجب أن يكون مهندسا.. كل كلمة عنده بمقدار.. وأي تغيير في مواضع الكلمات قد يقلب عمارته الفكرية رأسا على عقب. وبعض كتابنا - للأسف - يفتقدون الحس الهندسي لأنهم يفرشون تصورهم في أكبر قدر من الكلمات، بحيث أن أي تغيير فيها.. أي حذف أو استئصال، لا يؤثر عليها البتة.. أليس هـذا من قبيل التبذير الذي لا مبرر له؟ [ ص: 142 ]

وفي مقابل (الإنشائية) ، وعلى الطرف النقيض الآخر، نلمح عددا من الكتاب يسرفون في نزوعهم (الأكاديمي) فيقدمون أفكارهم وفق أشد الطرائق تيبسا وجفافا، حتى إن عباراتها وفقراتها لتكاد تتكسر تحت عينيك وأنت تمر عليها.. إنهم يحشدون النصوص من هـنا وهناك، ويطرحونها كم هـي، لا يزيدون عليها ولا ينقصون.. أين التحليل، والإضافة، والإبداع؟ أين الأسلوب المتميز، واللغة القديرة على التعبير؟ لا يجد الإنسان شيئا من هـذا لأن بعض الكتاب يفقدون هـذه القدرات ويختبئون، لتغطية عجزهم، وراء النظم الأكاديمية متصورين أن مهمتها تقوم فقط على تجميع النصوص عن موضوع ما، وتنفيذها وفق هـذا التسلسل أو ذاك..

لا بد من تحقيق قدر من الوفاق بين الاثنتين: الإنشائية، والأكاديمية.. إذا أردنا عملا متكاملا لجذب القراء، ويمكن لفكرنا الإسلامي من غزو الأفكار والعقول والتوغل إلى الأعماق.. إننا - على هـذا المستوى، كما هـو الحال على أي مستوى آخر - يتوجب أن نتعلم من مدرستنا الكبرى: القرآن الكريم.. فها هـنا نجد في آيات الله البينات توازنا معجزا بين الشكل والمضمون.. بين الجمال والفكرة.. بين الأسلوب والمعطيات..

وثمة - أيضا - ما يعاني منه بعض الكتاب، مما يرتبط بالمسألة السابقة أشد الارتباط: إنه افتقاد الرؤية المنهجية أو الحس المنهجي الذي يمنح الكاتب قدرة عفوية على التركيب بين الجزئيات وفق نسق معين للتعبير عن فكرة ما، أو مجموعة أفكار مترابطة، ولتقديم تصور عن مسألة ما، أو مجموعة مسائل متقاربة.. الكلمة تربط بشقيقتها بحساب، والفقرة تلي سابقتها بحساب، والفصل يأخذ مكانه في خطة البحث بحساب، ومجموع الفصول والمباحث، يتم اختيارها وتخطيطها وتأشير حدودها النهائية بحساب.. مهندس معماري - مرة أخرى - هـو المؤلف، وما لم يمتلك القدرة على تحقيق التناسب والتناظر والتقابل والتماثل، وملء الفراغ، وتنفيذ التخيل بأكبر قدر من [ ص: 143 ] الأمانة، فإنه قد يقدم عملا لا يحسد عليه، وبما أنه يبذل جهده في حقل العمل الإسلامي على وجه التحديد، فإنه محاسب على قصوره، وتفريطه.. فإن الله سبحانه يجب إذا عمل أحد عملا أن يتمه، كما يعلمنا رسولنا عليه الصلاة والسلام..

هناك معضلة تجاوز الإفادة من العلوم الحديثة المساعدة (أو الموصلة) ، في ميدان البحث الإسلامي.. تجاوز هـذه العلوم ذات الثقل المعلوم، كأن ليس بينها وبين حقائق الإسلام صلة، وكأن ليس في معطياتها ما يعين على تقريب الفكر الإسلامي للعقل الحديث، أو على تعزيز وترصين مناهج البحث في آفاقه الواسعة، وحقوله المتعددة.

هل من جدار يقف بيننا وبين الإفادة من هـذه العلوم؟ من علم الاجتماع، أو النفس، أو الآثار، أو السياسة، أو القانون، أو الطب، أو الهندسة بفروعها كافة.. من علم الطبيعة، والكيمياء، والحيوان، والنبات؟ من علوم اللغات، والفلسفة والمنطق ... إلى آخره؟ أبدا.. ليس ثمة ما يقف حائلا دون ذلك.. بل على العكس تماما، فإننا نجد في كتاب الله ما يفعنا إليها دفعا، ويغرينا بها.. فنحن لسنا أبناء الكنيسة التي وقفت بمواجهة العلم، وسعت إلى الحجر عليه، وأعلنته هـرطقة وكفرا.. ولكننا أبناء الدين الذي دعانا كتابه الكريم في عشرات المواضع ومئاتها إلى التفكير في خلق السماوات والأرض، والتنقيب في بنيانهما المعجز، والكشف عن أسراره ونواميسه، واعتمادها لتطوير الحياة، وتحقيق فهم أعمق لهذا العالم..

إن أي بحث إسلامي يتوجب أن يفيد من هـذه العلوم التي تعتبر مناهج البحث الحديث مسألة اعتمادها بداهة من البداهات فتسميها بالمساعدة أو الموصلة.. أي المساعدة على البحث والتنقيب والكشف، والموصلة إلى القيم المعرفية، والحقائق العلمية.. فكيف تغيب عن بعضنا مسلمة كهذه؟ إن هـذا الرفض غير المبرر، ينعكس ولا ريب على الأبحاث الإسلامية التي تتمخض عنه: [ ص: 144 ] هزالا، وتسطحا، ورؤية أحادية الجانب، واهتزاز في البناء العلمي، وعدم قدرة في تقديم قناعات على قدر كاف من التوثيق..

وتسير بموازات هـذا، معضلة أخرى.. إنها رفض متابعة تيارات الثقافة الغربية الحديثة ومعطياتها التي تتمخض باستمرار عن المزيد.. إذا كان بعض الكتاب يرفضون - في الحالة السابقة - اعتماد العلم الغربي، فإنهم هـا هـنا يرفضون متابعة المعطيات الثقافية أو حتى قراءتها لأغراض الاطلاع فحسب. وإذا لم تكن لديهم حجة هـناك أو كانت من الضعف بسبب عدم وجود أي تعارض في الأمر، فإنهم هـا هـنا يتكئون على حجة قد تبدو في ظاهرها مقنعة، وهي أن العلم الغربي عطاء محايد لا يحمل فلسفة ولا رؤية في معظم الأحيان، فالإفادة منه ممكنة من خلال توجيهه توجيها إيمانيا صرفا.. ولكن الثقافة أمر آخر.. إنها فلسفة وموقف، ورؤية، وتقليد اجتماعي، وتعبير ذاتي.. و.. و.. إلى آخره.. إنها جوهر حضارة نقيضة للإسلام.. إنها مزيج من إفراز مادي أو علماني على أحسن حال.. فكيف يتوجب اعتمادها أو الاتكاء عليها خلال التأليف، في هـذا الجانب أو ذاك من جوانب الفكر الإسلامي؟

هذا ما يبدو في الظاهر.. ولكن ما وراءه شيء آخر بالكلية.. إنه يتوجب أن نعرف الخطأ لكي نحذر منه.. ونحدد أبعاد الباطل وأساليبه وصيغه في العمل لكي نتماشاها.. وندرس التيارات المضادة والفلسفات الهدامة لكي نضربها في مقاتلها.. وقبل هـذا وذاك، يتوجب معرفة مفردات هـذه الثقافة وتفاصيلها لكي نتمكن من اعتماد منهج في المقارنة يمنح دراساتنا وأعمالنا بعدا إضافيا، بعدا ضروريا إذا ما أريد له أن يغزو العقل الحديث، وأن يتحدث إليه، ويحاوره باللغة التي يفهمها، والمعطيات التي يعيشها، ويكتوي بنارها كل يوم..

إن الهروب من جراثيم الفكر التي تفتك بالإنسان وعقيدته ليس حلا.. والحل هـو السعي لدراسة عوامل تكون هـذه الجراثيم وانتشارها وتنامي [ ص: 145 ] حيويتها.. من أجل قتلها وتصفيتها وتقديم البديل الذي يمنح الصحة والعافية للإنسان، والسلامة والديمومة لعقيدته..

وماذا بعد؟

إنه التكرار الممل في اختيار مواضيع البحث، والغياب المحزن للتجديد، والريادة، والابتكار.. وقد علمنا الرواد شيئا غير هـذا: البحث عن الموضوع البكر، والتجديد والإضافة والابتكار في مواضيع سبق وأن عولجت، ولكن بأساليب ومناهج أخرى.. ما كان لهم أن يعيدوا القول في موضوع ما، وفق الصيغة نفسها التي سبق وأن عولج بها من قبل باحثين آخرين.. وما كان لهم وهم يكتبون ويؤلفون إلا أن يطلعوا على القراء بجديد لم يسبق لهم الاطلاع عليه، أو إضافة على ما سبق وإن قدم، أو ابتكار لقيم وتصاميم ومعطيات جديدة، على مستوى المنهج والموضوع..

ومن الضروري أن نتشبث بهذه التقاليد، ونحن نجتاز عصر الكثرة.. ونحن ننظر فنجد الباحث أو المؤلف يكتب في موضوع سبق وأن عول عشرات المرات بل مئاتها، دون أن يكلف نفسه عناء التنقيب عن جانب بكر لم يسبقه إليه أحد.. وننظر فنجد الباحث أو المؤلف، وهو يكتب في موضوع ما، قاله الآخرون اجترارا، وسرده سردا، دون أن يكلف نفسه جهد الإضافة والابتكار والتجديد..

كثيرة هـي الكتب التي تعالج الموضوع الواحد بالصيغة نفسها، وكثيرون هـم المؤلفون الذين يعتمدون أقرب طريق، وأسهل طريق، لإنجاز أعمالهم: الرتابة، والتقليد، والتجميع، والسيولة الإنشائية، أو التكديس النصي.. بلا إضافة، ولا ابتكار، ولا تجديد.. إنها إضافات كمية لمكتبتنا الإسلامية المعاصرة، لا تحمل أي قدر من الإغناء النوعي.. فهي لا تعدو أن تكون تبذيرا في الجهد، وهدرا للطاقة، ليس هـذا فحسب، فهناك أمر آخر: إن هـذا التكرار والتكديس الكمي يخشى أن يقود إلى ردود فعل تتمخض عن القارئ إزاء الفكر الإسلامي [ ص: 146 ] بمواصفاته هـذه.. ورد الفعل أعمى كما يقولون، وقد يقود إلى رفض كل كتاب يعالج موضوعا إسلاميا، بكرا كان هـذا الموضوع أم عتيقا، غني بالابتكار والتجديد والإبداع، أم خال منها، والسبب هـي هـذه الأكداس التي أغرقت الأسواق، فاستنزفت أموال القراء، وأرهقت عقولهم، وقادتهم إلى رد الفعل الملعون ذاك.

وأعرف عددا من الأصدقاء المثقفين، ممن كانوا يتعشقون الكتاب الإسلامي، والقراءة الملتزمة، غادروا عالم المطالعة، وأوصدوا عليه الأبواب، وأعرف آخرين تحولوا لكي يقرءوا فكر الخصوم ومؤلفاتهم.. وتسألهم: لماذا؟ فيرد عليك أولئك بأنهم ملوا التكرار، الذي قتل شهيتهم للقراءة، ويرد هـؤلاء بأنهم قرءوا كثيرا فلم يجدوا في معظمه ما يثير الفكر، فتركوه ويمموا وجوههم شطر الخصوم، لكي يجدوا لديهم (الأفكار) .. من المسؤول عن هـذه الخطيئة؟

هناك - أيضا - تلك (النغمة) التي تتردد في عدد من المؤلفات الإسلامية.. إنها اعتماد منطوق الدفاع عن الإسلام، ودحض الشبهات والمفتريات التي ألصقت به بدلا من تقديم قيم بنائية من عمارة الإسلام نفسه ذي الأسس العميقة الراسخة والأدوار السامقة التي تناطح السحاب..

وقد تتضاءل نبرة الدفاع، وتتضاءل، حتى تصل حد الاعتذار والعتاب على أيدي أولئك الذين انكسرت هـمتهم وهزموا من الداخل.. عتاب لمن؟ واعتذار ممن؟

عتاب للذين داسوا - ولا يزالون - على رقابنا.. واعتذار ممن سعوا - ولا يزالون - لاغتيال عقيدتنا ووجودنا..

وقد تشتد النبرة وتشتد حتى تصل حد السباب والشتائم وتبادل الاتهامات، واستخدام مفردات قد تتأذى منها لغة الإيمان النظيفة، الملتزمة..

وما لنا نحن ولهذا كله؟ فليقل الأعداء والخصوم ما شاء لهم الغيظ والحقد والتعصب.. وليكيدوا لهذا الدين بشبهاتهم ومفترياتهم ما شاء لهم الكيد.. [ ص: 147 ] وحرام على مفكر إسلامي جاد أن يتصدى لهذه الترهات حيث يريدون هـم، ويتمنون أن يهتم لها فيمنحها قيمة أكبر من قيمتها، ويسعى إلى انتشارها من حيث لا يريد!!

وبدلا من ذلك علينا أن نكشف عن المزيد مما تضمنه هـذا الدين من قيم، ومعطيات لصالح الإنسان ومكانته في الكون.. ومع العرض (البنائي) للإسلام، هـجوم منهجي مدروس ضد مواقع هـؤلاء الأعداء والخصوم.. ضد أفكارهم وتجاربهم وعقائدهم، وفلسفاتهم لكشفها وتعريتها.. وحينذاك يتبين الذهب من التراب، وتتهافت كل الدعاوى، ولا تبقى أيما حاجة لدفاع يصدر عن ردود الفعل، ويتأرجح بين الاعتذار والسباب!!

وليس - أخيرا - ما يقال من أن الكبت الفكري، وانعدام حرية التعبير في مساحات واسعة من وطننا الإسلامي، تقف بدرجة أو أخرى، وراء الجدب الفكري الذي يعاني منه بعض الكتاب الإسلاميين، لأنها تصيبهم بنوع من الشلل في القدرة على الابتكار، والتجديد، وإطلاق الطاقات المبدعة من عقالها، وتدفعهم دفعا إلى التسطح والتكرار، واختيار مواضيع لا تحمل أية إثارة.. فلا علاقة - مطلقا - بين هـذا وذاك، بل على العكس، إن هـذا الكبت،وذلك القسر، إنما تمثل تحديات مغرية أمام الفكر الإسلامي، وإنه ليتوجب عليه أن يستجيب لها، ويرد عليها، هـناك حيث يكون التحرر، والمجابهة، والإبداع..

وكلنا يعرف، كيف كانت معطيات رجال من مثل ابن تيمية والعز بن عبد السلام، وابن خلدون.. وغيرهم.. ردا على التحدي.. ويعرف قبل هـذا وبعده، كيف ولد (الظلال) ، ذلك العمل الكبير المبدع، في ليل الطغيان، وكيف خطت صفحاته في سجون الإرهاب، لكي ما يلبث أن يذهب (السجان) ، ويبقى (الظلال) ، واحدا من الأعمال التي صنعت أجيالا من المؤمنين.. وستظل تصنعها بإذن الله.. [ ص: 148 ]

السابق


الخدمات العلمية