وثيقة مؤتمر السكان والتنمية (رؤية شرعية)

الدكتور / الحسيني سليمان جاد

صفحة جزء
أولا: الرؤية المجملة لمضامين الوثيقة

بعض صيغ الوثيقة، أو هـي في ظاهرها ومجملها، تبدو وكأنها ترسخ مبادئ الحق، والحرية، والمساواة، بيد أن الفاحص المتأني، يدرك أن هـذه الصيغة أو الصياغة، استغلت تلك الشعارات البراقة لنشر الإباحية، وإغفال الدين، والأخلاق، مع ربط ذلك كله بزيادة السكان، وعلاقتها بالفقر، وأن الحد من النمو السكاني هـو الطريق الأمثل لتحقيق التنمية، ورفع مستوى المعيشة، واحتواء الفقر. [ ص: 55 ]

وإذا كان الحد من النمو السكاني غاية، فإن الغاية تبرر الوسيلة -كما يقولون- ومن هـنا تعددت الوسائل للوصول إلى هـذه الغاية، ومن الأمثلة على ذلك، وليس على سبيل الحصر، ما يلي :

1 - جاء في الفقرة السابعة >[1] مايلي : (يتعين على البلدان، بدعم من المجتمع الدولي، أن تحمي، وتعزز حقوق المراهقين في التربية، والمعلومات، والرعاية المتصلة بالصحة الجنسية، والتناسلية) .. وقد يكون هـذا مقبولا، مع ما فيه من غموض، وتنكير في الألفاظ، وخلط مفاهيم التربية مع المعلومات، مع الرعاية المتصلة بصحة الجنس، والتناسل.

إلا أن من غير المقبول، الدعوة لغل سلطة الدولة، والافتئات على سيادتها في إعطاء مقدمي خدمات الرعاية الصحية الحق في التدخل في الأسرة، وعزل الأبناء عن الآباء، لاتخاذ قرارات تتعلق بالجنس للمراهقين بمعزل عن الأسرة، وإسقاط توجيهها للأبناء.

انظر إلى ما جاء في ذلك >[2] ، ونصه : (يجب أن تزيل البلدان العوائق القانونية، والتنظيمية، والاجتماعية، التي تعترض سبيل توفير المعلومات، والرعاية الصحية، والجنسية، والتناسلية للمراهقين، كما يجب أن تضمن أن لا تحد مواقف مقدمي الرعاية الصحية من حصول المراهقين على الخدمات والمعلومات التي يحتاجونها، وفي إنجاز ذلك لا بد للخدمات المقدمة إلى المراهقين أن تضمن حقوقهم في الخصوصية، والسرية، والموافقة الواعية والاحترام) . [ ص: 56 ]

وهذا يعني أن إحدى وسائل الحد من النمو السكاني، يتم من خلال تقديم الثقافة والمعلومات الجنسية للمراهقين والمراهقات، ومن ثم إباحة الممارسات الجنسية لهذه الشريحة الاجتماعية من البشر في هـذه السن الخطرة، من خلال حقهم في سرية هـذه الأمور، وعدم انتهاكها من قبل المجتمع، بل والأسرة التي ينتمي إليها أولئك المراهقون.

2 - شرعية الإجهاض أو إباحته من قبل الأجهزة المعنية في الدولة، سبيل إلى الحد من النمو السكاني، ونظرا لأن خطاب الناس بالنص الواضح من الكلم، تقابله النفوس بالرفض، استخدمت الوثيقة تعابير براقة عديدة، مضمونها وجوهرها تحقيق الهدف، وهو إباحة الإجهاض بصبغة نظامية، ومن ذلك مثلا :

أ - (وينبغي بذل جهود خاصة لإشراك الرجل وتشجيعه على الاشتراك النشط في الأبوة المسئولة، أو الصحة والسلوك الجنسيين والتناسليين... والوقاية من حالات الحمل غير المرغوب فيها) >[3] ب - الفقرة الثامنة / 25 والفقرة البديلة >[4] تطالبان بوضوح، بإجراء تغييرات تشريعية وسياسية، مناطها معالجة ما يسمى بالإجهاض غير المأمون، وهذه الدعوى أو المطالبة ليست موجهة إلى الحكومات وحسب، بل موجهة كذلك إلى الهيئات والمنظمات غير الحكومية، على اعتبار أن الإجهاض غير المأمون شاغلا رئيسا من شواغل الصحة العامة. [ ص: 57 ]

وترى الفقرة البديلة أنه في الأحوال التي يكون فيها الأجهاض قانونيا، ينبغى أن توضع في متناول النساء اللائي يرغبن في إنهاء حملهن، معلومات موثوقة، ومشورة عطوفة، كما أنه لا يمكن تقرير أية تدابير لتوفير الإجهاض المأمون والقانوني، داخل النظام الصحي، إلا على الصعيد الوطني، عن طريق تغييرات في السياسة وعمليات تشريعية.

جـ - وتدعو الفقرة (7 -4) من الوثيقة إلى إنهاء الحمل، وتخفيف عواقب الإجهاض >[5] وهي إلى جانب ذلك تنفر من ختان الأنثى >[6] وترى أن التنفير يجب أن يكون جزءا من برامج الرعاية الصحية، والجنسية، والتناسلية.

3 - الممارسات الجنسية التي تقع خارج نطاق العلاقات الشرعية بين الرجال والنساء، أمر تشجع عليه هـذه الوثيقة، وتروج له، وآية ذلك أنها -أي الوثيقة- فصلت بين الزواج، والجنس، والإنجاب، واعتبرتها موضوعات متباينة لا علاقة لبعضها بالآخر، ولا ارتباط بينهم قائم. [ ص: 58 ]

كما أنها عند الحديث عن الأسرة، ابتكرت مفهوما بل مفاهيم حديثة لماهية الأسرة، خلا تماما من أي التزامات شرعية أو قانونية، أو حتى أخلاقية.. وها هـو النص؛ يقول في الفصل الخامس تحت عنوان الأسرة، وأدوارها وحقوقها، وتكوينها، وهيكلها : وتتمثل الأهداف فيما يلي :

- وضع سياسات، وقوانين، تقدم دعما أفضل للأسرة، وتسهم في استقرارها، وتأخذ في الاعتبار تعددية أشكالها! >[7] ثم جاء بعد ذلك في الوثيقة ما يفسر هـذه التعددية بمثل زواج الجنس الواحد، والمعاشرة بدون زواج، والكل في الحقوق متساو، لايخشى شيئا، لأن هـناك مطالبة ملحاحة في جعل هـذه الأشكال الأسرية الشاذة أمرا نابعا من تشريعات تسنها الدول لرعاياها.

4 - وعقد النكاح، يشترط فيه جمهرة الفقهاء من المالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، أن تكون ألفاظه مشتقة من مادتي نكح، وزوج، لجلال هـذا العقد، وخطره، ولما فيه من معنى العبادة لله، بتكثير من يعبدونه في هـذا العالم.

وهذا التأكيد على الشروط، والإغراق في الشكلية من قبل جمهرة أعلام الفقه الإسلامي، مناطه التحسب التام لخطورة هـذا العقد، مع علمهم التام أيضا -رضي الله عنهم جميعا- بأن الأصل في العقود في الفقه الإسلامي، ومنها عقد الزواج، هـو قيامها على التراضي بين الطرفين، هـذا التراضي الذي يدل عليه التعبير الصحيح عن إرادة [ ص: 59 ] كل منهما، وبأي لغة يفهمها أطراف العقد >[8] . ومع علمهم التام أيضا، بأن العبرة في العقود بالمعاني، لا بالألفاظ، والمباني.

أقول: هـذا العقد، وهذا المفهوم السابق، أهدرته الوثيقة تماما، حيث دعت إلى القضاء على التمييز في السياسات، والممارسات المتعلقة بالزواج، وأشكال الاقتران الأخرى >[9] .. ما أبشع ذلك شكلا ومعنى! الزواج، الذي هـو صلة مشروعة بشرع الله، يجب إهداره من وجهة نظر القردة، والخنازير، وعبد الطاغوت، وعودة البشر إلى شيوعية الجنس، بل أكثر من ذلك، لأن شيوعية الجنس تعني أن تكون كل النساء حقا مشاعا لجميع الرجال، في المجتمع الحيواني موضوعا، الآدمي شكلا.. ووجه الأكثرية من هـذه الشيوعية، أن هـذه الوثيقة عندما تبيح كافة أنواع الاقتران الجنسي، فإن فعل قوم لوط داخل في تلكم الإباحية، واقتران النساء بالنساء داخل فيها كذلك.. شذوذ عجيب ما أعجبه!!

5 - حرية ممارسة الجنس للجميع، أمر مكفول بنص الوثيقة، ودون أي التزام ديني أو خلقي أو شرفي، ولا قيد على ذلك بتاتا إلا قيد واحد فقط، هـو أن تكون تكلم الممارسات آمنة صحيا، ومن هـنا لزم أهل المسئولية -في نظر هـذه الوثيقة- الترويج للسلوك الجنسي المأمون، والمسئول، بما في ذلك العفة الطوعية، واستخدام الواقي الذكري.. [ ص: 60 ] وعلى المسئولين عبء آخر، وهو إلغاء القوانين التي تحد من ممارسة الأفراد لنشاطهم الجنسي بحرية، واختيار، وحماية الحاملات سفاحا، لأن ممارسة الجنس، والإنجاب، حرية شخصية، وليست مسئولية جماعية >[10] 6 - آخر عناصر الرؤية المجملة لوثيقة مؤتمر السكان، أو بالأحرى مؤتمر الإسكات لأهل الإسلام خاصة، ولباقى الدولة النامية عامة، يتلخص في الحقائق التالية :

أولا : استخدم مشروع برنامج عمل المؤتمر في فقرات عديدة، مصطلحات كثيرة، منها على سبيل المثال :

1 - الصحة الجنسية Sexual Health

‎2 - صحة التكاثـر Reproductive Health

‎3 - حقوق التكاثر Reproductive Rights

وذلك دون بيان مراده من حقيقة هـذه المصطلحات، أو بيان ماهيتها بيانا جامعا مانعا، كما يقول أهل الأصول عندنا، أو حتى الإشارة إلى طبيعتها أو محتوياتها، أو مدى حدودها، وإنما ربط هـذا الخطاب الغربي للعالم، هـذه المصطلحات العجيبة بممارسة الجنس، على مستوى الأفراد، وليس داخل نطاق الأسرة فقط.. ومن العبارات الدالة على ذلك، قوله : إن لكل فرد، وليس لكل زوج أو زوجة فقط، أن يختار ممارسته أو ممارساته الجنسية، التي تصبح بالتالي حقا تكاثريا، [ ص: 61 ] كما أن من حق الأفراد أيضا، أن ينشطوا جنسيا دون التزام لتقبل المسئوليات الناتجة عن هـذا النشاط.. فالعلاقات غير الشرعية، بين الكافة بالطبع، ذكر مع أنثى أو مع ذكر، أو أنثى مع أنثى، تصبح جائزة مشروعة، عندما تكون آمنة من الناحية العضوية.

ثانيـا : أن هـذه الإباحية الجنسية، هـي أوسع الأبواب لآخر الأوبئة التى تجتاح الجنس البشري بقسوة، فلئن كان للإيدز أسبابا عديدة، فإن الإجماع الطبي منعقد على أن أول الأسباب، وأخطرها بإطلاق، هـو الإباحية الجنسية، وهذا يعني أن الدعوة إلى هـذه الإباحية، وإطلاقها من كافة القيود، والالتزامات، خلا الالتزامات المرتبطة بالناحية العضوية، تناقض في بؤس وعمى الاتجاه العلمي العالمي لحماية الإنسان من وباء الإيدز >[11]

ومن المفارقات العجيبة، أنه قبل فترة قليلة من انعقاد مؤتمر الإباحة الجنسية، انعقد في مدينة يوكاهاما في اليابان ، مؤتمر عالمي موسع رفيع التمثيل، للتداول الجاد في مصيبة الإيدز.

ثالثـا :

أ - إن الإجهاض، الذي تدعو إليه منظمة الأمم المتحدة، من خلال مؤتمرها هـذا، صلته وثيقة بالإباحية للجنس، المسقطة للقيود والالتزامات، دونما شرع أو قواعد آمرة ضابطة، وعلينا الوعي بأن الحديث عن الإجهاض في هـذا المؤتمر، لم يكن حديثا عن كونه حكما، [ ص: 62 ] أو فتوى لحالة أو حالات معينة، وإنما كان الحديث عنه بحسبانه سياسة عامة، مما يعني أن الإجهاض بهذا المعنى، إسناد للإباحية، ومحاولة للتحكم في آثارها، وتشجيع عليها عن طريق الإيحاء بنجاعة هـذا التحكم، فإذا ما أدركنا أن الإباحية لا تخرج عن كونها سلوكا اجتماعيا، لايقوم إلا على نقض حقائق الطب العلمية، علمنا بؤس هـذا التوجه وبوادره.

ثم إن الإجهاض في ضوء هـذا التصور، موقف يوسع مجال العلاقات غير الشرعية بين الرجل والمرأة، ويضيق في الوقت نفسه من فرص بناء الأسرة التي تسعى المنظمة الدولية لبنائها، والأخذ بيدها.. أرأيتم هـذا التناقض الحاد؟ إصلاح للأسر من خلال الدعوة لشرعية فوضى جنسية، عارية من القيود والضوابط.

والمسألة لها جانب آخر، وهو : أنه قد نشأ عن فوضى الجنس في الغرب أزمة اجتماعية حادة، وهي أزمة الأطفال الذين تلدهم أمهات غير متزوجات، ففي خلال ربع قرن تقريبا، ارتفعت نسبة هـذا النوع من الأطفال من 5% إلى 28% في أمريكا الحضارة، والزعامة، وبازدياد هـذه النسبة، زاد كم الأطفال، والغلمان، والمهملين والمشردين، والجانحين، والمنحرفين، ومحترفي الإجرام.. ويؤكد تقرير مؤسسة متخصصـة في دراسة هـذا النوع من المشاكل الاجتماعية >[12] أن (13) مليون طفل أمريكي دون الثالثة من العمر معرضون لمتاعب، وأضرار، من المرجح أن [ ص: 63 ] تلازمهم ما بقوا أحياء.. وهذا لاشك مستقبل كئيب، ومن أهم أسباب كآبته : الإباحية الجنسية، وهو وضع روع رؤساء أمريكا، حيث اتهم نكسون (هوليود) بتدمير المجتمع الأمريكي، من خلال ما تنتجه من مادة إعلامية تدعو للإباحية الجنسية. واجتمع كلينتون مع 400 سينمائي من هـوليود، والتمس منهم الرحمة بالمجتمع الأمريكي، عن طريق الكف عن إنتاج الأفلام الجنسية الإباحية.

ب - وإذا ما قابلنا هـذا التصور السابق، ببعض ما في الفقه الإسلامي، نجد ما يلي :

1 - التكييف الشرعي لحد الزنا، يعني أنه حق الله تعالى، والأصل في هـذا الفقه أن الحد يعتبر حقا لله تعالى إذا استوجبته المصلحة العامة، وهي هـنا رفع الفساد عن الناس، وتحقيق الصيانة، والسلامة لهم، فكل جناية ذات حد يرجع فسادها إلى العامة، ومنفعة عقوبتها تعود عليهم، تعتبر العقوبة المقررة لها حقا لله تعالى، تأكيدا لتحقيق النفع، ودفع الضرر، وحتى لا تسقط العقوبة بإسقاط الأفراد لها، حيث لا تقبل عفوا، ولا صلحا، ولا إبراء، ولا تخفيفا، ولا استبدالا >[13]

2 - أن الزاني المحصن تهدر نفسه، وعلة هـذا الإهدار الوحيدة، هـي زوال عصمة الشخص >[14] ، وهذه العصمة تزول بأمرين: [ ص: 64 ]

1 - زوال سببها.

2 - ارتكاب الجرائم المهدرة.

أما عن زوال العصمة بزوال سببها، فالقاعدة العامة في الشريعة الإسلامية : أن الدماء، والأموال معصومة، وأساس العصمة الإيمان، وعدم ارتكاب الجرائم المهدرة، وأمور أخرى تأبى طبيعة البحث ذكرها >[15] .. ومن الجرائم المهدرة للعصمة، الزنا من المحصن، وهي جريمة تزيل العصمة من وقت ارتكابها، لا من وقت الحكم بالعقوبة، ومن المتفق عليه عند الأئمة مالك ، وأبي حنيفة ، وأحمد ، أن ليس على قاتل الزاني المحصن قصاص، ولا دية >[16] ، لأن الزاني المحصن يصبح بزناه مباح القتل، ولما كانت عقوبة الزنى من الحدود، والحدود لايجوز تأخيرها، ولا العفو عنها، فإن قتل الزاني المحصن يعتبر واجبا، لا بد منه، إزالة للمنكر، وتنفيذا لحدود الله >[17] .

وابن فرحون في تبصرته، يقول ما مضمونه: إنه إذا كان لا يجوز مؤاخذة من يقتل الزاني، بالوصف السابق، حيث دمه مباح للجميع، لا لشخص معين، باعتباره قاتلا، فإنه لايجوز أن يؤاخذ باعتباره مفتاتا على السلطات العامة، بشرط أن تأخذ السلطات العامة على عاتقها أداء هـذا الواجب، فإذا أهملت في أداء هـذا الواجب أو تخلت عنه، [ ص: 65 ] فليس لها أن تؤاخذ من أداه بحجة أنه مفتات عليها >[18] . >[19]

وإذا كان ذلك في الزاني المحصن، فما بالك بأهل الإباحية والدعارة، الذين يقتلون الأمة، ولنتأمل معا هـذا الأثر: " روي أن خالد ابن الوليد كتب إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنهما في خلافته، يذكر له أنه وجد رجلا في بعض نواحى العرب، ينكح كما تنكح المرأة، وأن أبا بكر رضي الله عنه جمع الناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم عن ذلك، فكان أشدهم يومئذ قولا علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، قال : إن هـذا ذنب لم تعص به أمة من الأمم، إلا أمة واحدة، صنع الله بها ما قد علمتم.. نرى أن نحرقه بالنار.. فاجتمع رأي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يحرقه بالنار.. فكتب أبو بكر صلى الله عليه وسلم إلى خالد بن الوليد، أن يحرقه بالنار " >[20] ولا شك أن الأسى يخامرنا من جراء غلمان سفهاء، لديهم طفولة عقلية دائجة، يعبرون عن واقع المسلمين، وأحوالهم، في هـذه الأيام ويترجمون عن مستواهم العلمي الهابط، الذي عتم على حقائق الإسلام وحبس نوره، وأطفأ مصابيحه، سيـرون في هـذا النظـر الفقهي الصحيح، قسوة لا مبرر لها، وصدق الله الـقـائـل: [ ص: 66 ] ( أفرأيت من اتخذ إلهه هـواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون ) (الجاثية : 23) .

رابعا: أن قارئ الوثيقة الأساسية محل التعليق، والمكونة من أكثر من مائة وإحدى وعشرين صفحة، من القطع الكبير، يلاحظ أنه ورد بها مكررا، بل مئات المرات، عبارات مثل الخدمات الصحية التناسلية، والجنسية، النشاط الجنسي للأفراد، اعتبار ممارسة الجنس والإنجاب حرية شخصية، وليست مسئولية جماعية... إلخ، هـذا الذي يفوح خبثا، وكأن المؤتمر يعنى بصورة أساسية بأمور الجنس، والتناسل، وليس بالسكان والتنمية، كما يؤخذ من مسماه.. فقضية التنمية فيه، هـامشية تماما، ولا يساورني شك في أنها - أعني قضية التنمية - قد أضيفت للمؤتمر، للتمويه أو لتجميل شكل المؤتمر، من خلال ديكور براق له، وللإيحاء بأن موضوع السكان ليس مقصوده الوحيد، أو أنه يبحث الشأن السكاني لهدف نبيل، هـو دفع عجلة التنمية، والارتقاء بها.

والحق أن محتويات الوثيقة ركزت على موضوعات الخدمات الصحية الجنسية والتناسلية للسكان، بما يقترب من المائة صفحة، بينما أخذت التنمية مايقارب 20%من صفحات الوثيقة، مما يطرح علامة استفهام كبيرة حول الهدف الحقيقي من المؤتمر.. لهذا فإننا نذهب إلى أن التسمية الحقيقية للمؤتمر، هـي أنه مكرس لقتل العفة، والفضيلة، من خلال أمراض خطيرة، للحد من سكـان العالـم الثالث [ ص: 67 ] بما فيه أهل الإسلام، وآية ذلك :

- أن الخطاب الغربي لايخفي قلقه المستمر من تزايد سكان العالم الثالث عامة، والمسلمين خاصة، وهو قلق وصل إلى حد اعتبار ذلك التزايد بمثابة تهديد للمصالح الحيوية في الولايات الأمريكية ، وثمة وثيقة في هـذا الصدد، متداولة في الأوساط العلمية، أعدها هـنري كيسنجر عام 1974م عندما كان مستشارا للرئيس نيسكون لشئون الأمن القومي، وقد حملت الرقم 200، وكان عنوانها : (تأثيرات التزايد السكاني في العالم على أمن الولايات المتحدة ومصالحها الحيوية فيما وراء البحار) .

وفي تلك الوثيقة، طالب كتابها بفرض سياسة تحديد النسل في ثلاث عشرة دولة من دول العالم الثالث، 90% من هـذه الدول إسلامية.. واعتبر كيسنجر أن النظر الذي يعتبر التنمية الاقتصادية حلا للمشكلة السكانية، نظر يهدد الأمن القومي الأمريكي!!

- وحـال أوروبـا ليس بأحسـن من حـال حليفهـا التقليـدي ضـد المسلمين، فقد أوردت نشرة للأمم المتحدة، صدرت في عام 1989م تحت عنوان: (سكان العالم في بداية القرن) ، تقريرا عن موقع أوروبا المنحصر في الخريطة السكانية للعالم، جاء فيه صراحة : أن أوروبا تذوب الآن كالجليد تحت الشمس، حيث قال التقرير : إن سكان القارة كانوا يمثلون نسبة 15.6% من سكان العالم عام 1950 م، وتراجعت هـذه النسبة عام 1985م إلى 10.2% فقط من سكان العالم، [ ص: 68 ] وهذه النسبة ستصل عام 2025م إلى 6.4% لا غير، وأن النقص السكاني يقابله زيادة سكانية في أفريقيا ، لا سيما البلاد الإسلامية منها، مثل الجزائر ، والمغرب ، والسودان ، ومصر ، وهم - أعني قادة الغرب - يرون أن أوروبا تواجه في المستقبل إما خطر الأسلمة، أو الأفرقة، من جراء الزحف القادم من الجنوب إلى الشمال.. فهل نبالغ إذا ما أسأنا الظن بالمؤتمر، ومقاصده ؟!

خامسا: مع مراعاة أن مشكلة تزايد السكان متباينة، من أقليم إلى آخر على سطح الأرض، إلا أن الأمم المتحدة لم تراع ذلك، حيث تحاول أن تفرض رؤية واحدة لهذه المسألة من خلال التوصيات التي تعتبرها من المسلمات، فتفرضها على كافة الأمم، مع اختلاف دياناتهم، وثقافاتهم، وظروفهم الاجتماعية، وتقاليدهم، وأعرافهم، مع ملاحظة أن التسليم والإقرار من بعض الدول بهذه الوثيقة، سيترتب عليه ما يلي :

1 - إعادة صياغة جميع البرامج الخاصة بهذه الدول، سياسيا، واقتصاديا، واجتماعيا، وتعليميا، ليتسق ذلك كله تبعا لما ورد في التوصيات التي وافقت عليها الدولة.

2 - إبعاد، وتنحية الجوانب الأخلاقية، والدينية، من كافة برامج التنمية، والإسكان.

3 - إنه بعد الإقرار بما جاء في الوثيقة، لا تستطيع أي دولة مخالفة هـذه التوصيات، لأنها بذلك ستعد من الدول المخالفة للإجماع العالمي [ ص: 69 ] الممثل في المنظمة الدولية، مما يعرض هـذه الدول المخالفة لضغوط سياسية، واقتصادية، وإعلامية، باعتبارها دولا خارجة على الإجماع العالمي >[21] .

4 - ستشترط المؤسسات التابعة للأمم المتحدة، والتابعة للدول الكبرى، لتقديم أية مساعدات مالية أو فنية أو قروضا، التزام الدول الطالبة للمساعدات بهذه التوصيات، وفي هـذا الصدد أفادت دراسة حديثة، أن مؤشرات توزيع الثروة في العالم، تكشف أن 20% من سكان العالم يسيطرون على 70% من دخل العالم، وأن 80% من سكان العالم لايملكون إلا 30% من دخله.. ومن خلال القروض المشروطة للعالم الثالث، التي لا يزيد مجموعها عن 49 بليون دولار، والتي تصل فوائدها السنوية إلى 300% من حجم المساعدات، يلعب البنك الدولي من العالم الثالث لعبة المرابي، حيث يقرض دولة، ثم يأتي دور صندوق النقد الدولي، الذي يقوم بدور الجابي الذي لا يرحم عند تحصيل فوائد القروض، والديون.. فإذا عجز المدين عن السداد، كان الحصار الاقتصادي، والهلاك.. احتلال جديد، ونهب للثروات جديد، عبر ابتكار جديد أيضا، اسمه قروض، وفوائد قروض، ثم الغاية تبرر الوسيلة، حتى ولو كانت مؤتمرا، يعرض على الناس ترك دينهم، وطمس هـويتهم، بل وتزييف وعيهم >[22] . [ ص: 70 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية