أصول الحكم على المبتدعة (عند شيخ الإسلام ابن تيمية)

الدكتور / أحمد بن عبد العزيز الحليبي

صفحة جزء
الأصل الرابع

عدم الحكم على من وقع في بدعة أنه من أهل الأهواء والبـدع، ولا معاداته بسببها، إلا إذا كانت البدعة مشتهرة مغلظة عند أهل العلم بالسنة

بين ابن تيمية أن (البدعة التي يعد بها الرجل من أهل الأهواء، ما اشتهر عند أهل العلم مخالفتها للكتاب والسنة، كبدعة الخوارج والروافض والقدرية >[1] والمرجئة ) >[2] .. وغلظت أقوال أصحابها فيها حتى أخرجتهم من عداد أهل السنة، وفي هـذا يقول عند عرضه لأقوال هـؤلاء انتهاء ببدعة المرجئة: (أما المرجئة فليسوا من هـذه البدع المعظلة >[3] ، بل قد دخل في قولهم طوائـف من أهل الفقـه والعبـادة، وما كانوا يعدون إلا من أهل السنة، حتى تغلظ أمرهم بما زادوه من الأقوال المغلظة) >[4] ، ويلحق بهؤلاء، بل هـم أشد بدعة، (الحجاج إلى القبور، والمتخذون لها أوثانا ومساجد وأعيادا، فهؤلاء لم يكن على [ ص: 82 ] عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم منهم طائفة تعرف، ولا كان في الإسلام قبر ولا مشهد يحج إليه، بل هـذا إنما ظهر بعد القرون الثلاثة.. والبدعة كلما كانت أظهر مخالفة للرسول صلى الله عليه وسلم يتأخر ظهورها، وإنما يحدث أولا ما كان أخفى مخالفة للكتاب والسنة، كبدعة الخوارج ) >[5] ، وهكذا فإن غلظ البدعة ليس مقصورا على بدع القرون الأولى، فإن بدع الشرك ظهرت بعد ذلك، وهي أشد وأغلظ وأعظم خطرا.

ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية أن الذين يعدون من أهل الأهواء والبدع، هـم من اتصفوا بما يلي:

أ - أنهم يجعلون ما ابتدعوه، قولا يفارقون به جماعة المسلمين، يوالون عليه ويعادون >[6] .

ب - أنهم ينازعون فيما تواترت به السنة >[7] .

وبهذا يتميز أهل السنة عن أهل البدعة، فإن الذين وقعوا في البدعة (إذا لم يجعلوا ما ابتدعوه قولا يفارقون به جماعة المسلمين، يوالون عليه ويعادون، كان من نوع الخطأ، والله سبحانه وتعالى يغفر للمؤمنين خطأهم في مثل ذلك، ولهذا وقع في مثل هـذا كثير من [ ص: 83 ] سلف الأمة وأئمتهـا، لهـم مقـالات قالـوها باجتهـاد، وهي تخـالف ما ثبت في الكتاب والسنة، بخلاف من والى موافقه، وعادى مخالفه، وفرق بين جماعة المسلمين، وكفر وفسق مخالفه دون موافقه في مسائل الآراء والاجتهادات، واستحل قتال مخالفه دون موافقه، فهؤلاء من أهل التفرق والاختلافات) >[8] .

وكذلك فإن أئمة المسلمين متفقون على تبديع من خالف في الأمور المعلومة بالاضطرار، عند أهل العلم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كالأحاديث المتواترة عندهم في شفاعته وحوضه، وخروج أهل الكبائر من النار، والأحاديث المتواترة عندهم في الصفات والقدر والعلو والرؤية، وغير ذلك من الأصول التي اتفق عليها أهل العلم بسنته، كما تواترت عندهم عنه، بخـلاف من نـازع في مسـائل الاجتهـاد، التي لم تبلغ هـذا المبلغ في تواتر السنن عنه، كالتنازع بينهم في الحكم بشاهد ويمين، وفي القسامة والقرعة وغير ذلك >[9] فمن كانت بدعته غليظة، ظاهرة المخالفة للسنة عند أهل العلم، وجبت عداوته بقدر بدعته، بل يرى شيخ الإسلام عقوبة من والاه، فيقول في معرض رده على الاتحادية، وينتظم معهم من كان مثلهم: [ ص: 84 ] (ويجب عقوبة كل من انتسب إليهم، أو ذب عنهم، أو أثنى عليهم، أو عظم كتبهم، أو عرف بمساعدتهم ومعاونتهم، أو كره الكلام فيهم، أو أخذ يعتذر لهم بأن هـذا الكلام لا يدري ما هـو؟ أو من قال إنه صنف هـذا الكتاب؟ وأمثال هـذه المعاذير التي لا يقولها إلا جاهل أو منافق، بل تجب عقوبة كل من عرف حالهم، ولم يعاون على القيام عليهم، فإن القيام على هـؤلاء من أعظم الواجبات؛ لأنهم أفسدوا العقول والأديان على خلق من المشايخ والعلماء والملوك والأمراء، وهم يسعون في الأرض فسادا، ويصدون عن سبيل الله) >[10] .

أما ما كان دون ذلك من المسائل التي وقع فيها خلاف، فإنه لا يستوجب الفرقة والمعاداة، والحكم على المخالف من أهل البدعة والهوى، فقد ذكر ابن تيمية أن من مسائل الاعتقاد التي وقع فيها خلاف بين أهل السنة والاتباع، مسألة رؤية الكفار ربهم في الآخرة، فجمهور أهل السنة يرون أن الكفار محجوبون عنها على الإطلاق، ومن العلماء من يرى أنه يراه من أظهر التوحيد من منافقي هـذه الأمة والكفار، في عرصات يوم القيامة، ثم يحتجب عنهم >[11] عقوبة لهم. [ ص: 85 ]

لكـن أمـام هـذه المسـألـة، وغيـرها من مثيـلاتـها، تجب مراعـاة الآداب التالية:

أ - (أن من سكت عن الكلام في هـذه المسألة، ولم يدع إلى شيء، فإنه لا يحل هـجره، وإن كان يعتقد أحد الطرفين، فإن البدع التي هـي أعظم منها، لا يهجر فيها إلا الداعية دون الساكت، فهذه أولى.

ب - أنه لا ينبغي لأهل العلم أن يجعلوا هـذه المسألة محنة وشعارا، يفضلون بها بين إخوانهم وأضدادهم، فإن مثل هـذا مما يكرهه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم .

جـ - وكذلك لا يفاتحوا فيها عوام المسلمين، الذين هـم في عافية وسلام عن الفتن، ولكن إذا سئل الرجل عنها، أو رأى من هـو أهل لتعريفه ذلك، ألقى إليه مما عنده من العلم ما يرجو النفع به، بخلاف الإيمان بأن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة، فإن الإيمان بذلك فرض واجب، لما قد تواتر فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وصحابته وسلف الأمة) >[12] . [ ص: 86 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية