المنظور الحضاري في التدوين التاريخي عند العرب

الدكتور / سالم أحمد محل

صفحة جزء
المقدمة

قد يكون من المناسب أن نعطي فكرة عن مدلولات هـذا المصطلح : (المنظور الحضاري في التدوين التاريخي عند العرب، حتى عصر ابن خلدون ) ، كي نتجنب ما يمكن أن نقع فيه من الالتباس خلال معالجتنا لموضوع البحث.

ونود أن نشير في البداية أننا لسنا مبتدعين لهذا المصطلح، فقد أخذ يظهر في الكتابات المعاصرة وبأقلام أكاديميين متخصصين >[1]

على أن ذلك لم يكف، فعدنا إلى بعض المعاجم العربية، لعل فيها ما يفيدنا في تحديد مصطلح المنظور، فوجدنا أن (المنظور) كلمة عربية، واشتقاقها من الفعل (نظر) .. و (النظر) و (النظران) ، تأمل الشيء بالعين >[2] .. ورجل منظور:.. معين.. وسيد منظور: يرجى فضله وترمقه الأبصار >[3] . [ ص: 35 ]

ومن هـنا يظهر أن كلمة (منظور) هـي كلمة عربية، إلا أن معانيها لا تطابق الاستخدامات التي وظفت لها في الكتابات المعاصرة.

لقد وجدنا أن كلمة المنظور في الإنكليزية، جاءت بمعنى: " مظهر الموضوع كما يتبدى للعقل من زاوية تاريخية معينة. أو هـو: القدرة على رؤية الأشياء وفقا لعلاقاتها الصحيحة وأهميتها النسبية " >[4] .. والمفهوم الأخير للمنظور كما يبدو، هـو الذي أخذت به الكتابات المعاصرة، مما جعلنا نأخذ به في معالجة موضوعنا هـذا.

فعندما نقول: منظور المسعودي في كتابه: " مروج الذهب ومعادن الجوهر " ، فإننا نقصد بذلك ما رآه المسعودي ضروريا وحيويا من المعلومات التاريخية فدونها على صفحات كتابه.

أما الحضارة، فاشتقاقها في العربية من الفعل (ح ض ر) ، و (الحضر) خلاف البدو، و (الحاضر) ضد (البادي) ، و (الحاضرة) ضد (البادية) ، وهي المدن والقرى والريف، والبادية ضدها >[5] .

فالحاضرة هـي المدينة أو القرية، وهي نقيض البادية. ويقال: فلان حضري، وفلان بدوي، فالحضارة هـي الإقامة في الحضر >[6] .

على أن الحضارة قد تعدت هـذا التخصيص المعجمي الضيق (حضري ضد بدوي) ، أو (حاضرة ضد بادية) ، فاتسعت مدلولاتها لدى [ ص: 36 ] الباحثين المعاصرين، رغم عدم اتفاقهم على إعطاء تعريف موحد لها، لا في اللغة العربية ولا في اللغات الأوروبية المختلفة >[7] .

وقد وجدنا أن أقرب هـذه التعاريف وأقلها التباسا، ذلك الذي يعتبر الحضارة (هي التقدم الروحي والمادي للأفراد والجماهير على السواء) >[8] .

وعلى ضوء هـذا يكون المنظور الحضاري للمؤرخ: هـو ما يراه جديرا بالتسجيل أو التدوين من المعلومات التي تتصل بالجوانب الحضارية أو ذات المنحى الحضاري، سواء كانت روحية أو ثقافية أو اجتماعية، أو اقتصادية أو عمرانية.

‎‎كذلك فقد وردت مصطلحات: ( الحس التاريخي ) ، و ( الوعي التاريخي ) ، و ( الأمة ) ، في صفحات هـذا الكتاب، أرتأينا من المناسب تحديدها وضبطها قدر الإمكان، بما ييسر تقنين مضامينها حينما وردت في مظان البحث.

(فالحس) والحسيس، هـو الصوت الخفي.

قال تعالى: ( لا يسمعون حسيسها ) (الأنبياء: 102) ،

وأحس الشيء وجد حسه.. وأحس معناه: ظن ووجد >[9] . [ ص: 37 ]

فالحس التاريخي ، كما استخدمناه في هـذا البحث، هـو إحساس جماعة أو أمة بقيمة الزمن، ولو بشكل نسبي دون أن يترتب على ذلك أية ممارسة متقدمة في مجال المعرفة التاريخية أو التدوين التاريخي المنظم القائم على ربط الأسباب بمسبباتها، وربط الحوادث في إطار علاقاتها الزمانية والمكانية.

أما الوعي التاريخي : فإن الوعي جاء من الحفظ، (وعى) الحديث يعيه (وعيا) حفظه.. وأذن (واعية) ..

( والله أعلم بما يوعون ) (الانشقاق: 23) . أي يضمرون في قلوبهم من التكذيب >[10] .

فالوعي هـو الحفظ والإدراك، ولذا فإن الوعي التاريخي حالة متقدمة في مجال المعرفة التاريخية وامتلاك القدرة على ممارسة التدوين التاريخي فالوعي التاريخي هـو حالة أكثر تقدما من الحس التاريخي لجماعة أو أمة من الأمم.. ونرى أن الكتابة التاريخية لا تتحقق قبل تحقق الوعي التاريخي عند أمة أو جماعة.

أما الأمة : فهي الجماعة.. والأمة الطريقة والدين.. يقال: فلان لا أمة له، أي لا دين له ولا نحلة..

وقوله تعالى: ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) (آل عمران: 110) ،

يريد أهل أمة، أي كنتم خير أهل دين >[11] . [ ص: 38 ]

فالأمة هـي الجماعة، بصفة الإطلاق، تتميز على غيرها من الجماعات.. وفي العصور الإسلامية تميزت على غيرها بدينها، فصارت الأمة في نظر العربي المسلم: جميع الناس الذين يعتنقون الإسلام، فكان يرتحل من أقصى الشرق -في نظر العربي- من خراسان إلى العراق ومكة والمدينة ، ويتجه إلى مصر والمغرب دون أن يحس بالوحشة والاغتراب.. وقد بقي هـذا الشعور عند العرب والمسلمين حتى بعد ضعف الخلافة العباسية وقيام إمارات ودويلات سياسية مختلفة، إذ ظل الشعور بحقيقة الأمة الواحدة يسيطر على كيان العربي المسلم في تلك العصور.

كان اختياري لهذا الموضوع، قد جاء نتيجة لما يحيط بالدراسات التاريخية المعاصرة من توجهات هـدفها دراسة الماضي البشري من وجهة نظر حضارية، أو بعبارة أكثر تحديدا دراسة التاريخ، وتفسير حوادثه على أساس حضاري.

لقد بدأ المنظور السياسي في التفسير التاريخي يتنحى عن مكانته إلى حد ما، تاركا المجال مفتوحا للنظرة الحضارية الجديدة وتفاسيرها التي بدت أقرب إلى الحقائق من التفاسير السياسية.

لقد شهد القرن الثامن عشر الميلادي، ميلاد هـذه التوجهات الجديدة في أوربا، فقد وجد بعض الدارسين الأوربيين، أن التاريخ [ ص: 39 ] الأوربي في العصور الوسطى، لا يعدو أن يكون تواريخ لملوك أوربا وحروبهم ومنازعاتهم وتحالفاتهم ومعاهداتهم.

فلم يكن التاريخ الأوربي ، استنادا إلى هـذه المعطيات، ليؤرخ للأمة في مسيرتها الثقافية والاجتماعية والعلمية، وإنما أصبح التاريخ وكأنه قد وضع لتغطية أعمال الملوك فحسب، ولا تتعدى مهمته أبعد من ذلك.. وهكذا بدأت بعض الصيحات في أوربا في القرن الثامن عشر، تدعو إلى لفت الانتباه إلى المعطيات الحقيقية التي تستحق من المؤرخ الدراسة والبحث، وهي الجوانب الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والفنية، وعدم الاقتصار على دراسة النواحي السياسية.. إذ أن الأخبار السياسية وأخبار الحروب في نظر أصحاب هـذا الرأي لا تفصح عن العقل الإنساني خلال العصور، يقول فولتير :

" ولكني بعد قراءة وصف ما بين ثلاثة آلاف وأربعة آلاف معركة، وبضع مئات من المعاهدات، لم أجد نفسي أكثر حكمة مما كنت قبلها، حيث لم أتعرف إلا على مجرد حوادث لا تستحق عناء المعرفة " >[12] .

لقد لقيت دعوة فولتير هـذه، وهي كتابة التاريخ وفقا للمنهج الحضاري، ترحيبا من قبل بعض المؤرخين الغربيين ك ( ماكولي ) وغيره، وبدأت الدراسات وفق هـذا المنظور تتزايد في الغرب، وبدأ المنظور [ ص: 40 ] السياسي يتنحى عن مكانته، التي ظل سيدها في أوربا طيلة العصور الوسطى وحتى القرن الثامن عشر.

على أن ما يصدق على التاريخ الأوربي في العصور الوسطى، لا يصدق على التاريخ العربي الإسلامي في العصور الإسلامية.

فلقد كانت توجهات أغلب المؤرخين العرب المسلمين توجهات حضارية، بمعنى أنها أرخت للأمة في كافة جوانب حياتها الدينية والعلمية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية.

فقد أرخ المسلمون في السيرة النبوية الشريفة، فكتبوا عن كل ما يتصل بحياة الرسول صلى الله عليه وسلم بصفته الرسول والنبي وهادي البشرية، وأرخوا للصحابة رضوان الله عليهم، والمحدثين والفقهاء والنحاة والشعراء والأطباء والحكماء (الفلاسفة) والصوفية والأولياء.. وفي كتب الطبقات والتراجم ما يقف دليلا صادقا على ما نقول.

بل إن الصورة التي تظهر بها كتب التواريخ العالمية وكأنها قد عنيت فقط بالجوانب السياسية، لا تمثل كل الحقيقة. إذ نجد الكثير من المعلومات التي تتصل بالجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفكرية، قد وجدت مكانها في كتب اليعقوبي ، والدينوري ، والطبري ، والمسعودي ، والمقدسي ، ومسكويه ، وابن الأثير ، والذهبي . [ ص: 41 ]

كما أن مقدمة ابن خلدون التي كتبها في القرن الثامن الهجري، تعزز رأينا في اهتمام المؤرخين العرب المسلمين المبكر بالجوانب الحضارية.

فلم تكن هـذه المقدمة التي جاءت لأول مرة في التاريخ بتفسير حضاري لأحداثه والعوامل الفاعلة فيه، سوى حصيلة ذلك التراث الثقافي الثري للأمة العربية الإسلامية.

لقد أوضح ابن خلدون أنه قرأ ذلك التراث من خلال ثنائه على كبار المؤرخين العرب المسلمين، كالواقدي ، والطبري ، والمسعودي ، والبكري .. كذلك فإنه أشار إلى الطرطوشي (ت: 450 هـ) ، وكتابه (سراج الملوك) ، واعتبره سابقا له في الاقتراب والتحويم حول الموضوع الذي استلهمه ابن خلدون وهو (العمران البشري) .

وهكذا فإن ابن خلدون مدين لتراث أمته في ما أبدعه، فمن ذلك التراث تبلورت نظريته في العمران البشري.

وعلى الرغم من هـذه الحقيقة، فإنه لم يتصد أحد من المعاصرين لإبراز هـذه الرؤية ومعالجتها بشكل شمولي. [ ص: 42 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية