المنظور الحضاري في التدوين التاريخي عند العرب

الدكتور / سالم أحمد محل

صفحة جزء
ثالثا: التواريخ المحلية والإقليمية والمنظور الحضاري

تعد التواريخ المحلية أو تواريخ المدن، والتواريخ الإقليمية، إحدى أنماط التدوين التاريخي العربي الإسلامي، ومنذ عهد مبكر ظهرت تواريخ لبعض المدن الإسلامية ( التواريخ المحلية ) ، كما ظهرت تواريخ إقليمية لبعض أقاليم ديار الإسلام، فقد ألف ابن زبالة كتابه: (أخبار المدينة) في حدود سنة (199هـ) >[1] ، كما ألف الأزرقي (ت: 244هـ) كتابه: (أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار) ، وألف بحشل (ت: 292هـ) (تاريخ واسط) ، وكتب أبو الشيخ الأنصاري (ت: 369هـ) كتابه (طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها) . وألف حمزة السهمي (ت: 427هـ) كتابه تاريخ جرجان كذلك ألف أبو نعيم الأصبهاني (ت: 430هـ) كتابه (ذكر أخبار أصبهان) . كما ألف الخطيب البغدادي (ت: 463هـ) (تاريخ بغداد) وألف ابن عساكر (ت: 557هـ) كتابه (تاريخ دمشق) . وفي الأندلس ألف الوزير لسان الدين بن الخطيب (ت: 776هـ) كتابه (الإحاطة في أخبار غرناطة) . كما ظهرت تآليف أخرى شملت إقليما بعينه، وهذا يعني أن الاهتمام تجاوز مدينة بعينها في ذلك الإقليم.

وفي هـذا المجال فقد وصلنا لابن عبد الحكم (ت: 257هـ) كتابه: (تاريخ فتوح مصر والمغرب والأندلس) . والهمداني (ت: 334هـ) في [ ص: 134 ] كتابه (الإكليل) الذي وضعه في تاريخ اليمن وابن حيان القرطبي (ت: 469هـ) في كتابه (المقتبس من أنباء أهل الأندلس) ، وهناك غيرها كثير.

كان الدافع لتأليف تواريخ عن بعض المدن دافعا دينيا، فابن زبالة عندما يؤلف كتابا في (أخبار المدينة) ؛ فلأنها مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقاعدة دولته، ومسرح نشاطاته الدينية والعسكرية والسياسية.

كذلك فإن تأليف الأزرقي لكتابه أخبار مكة، فمن نفس المنظور الذي انطلق منه ابن زبالة، فمكة هـي التي شهدت مولده، وشبابه ودعوته كما أنها قبلة المسلمين وفيها المسجد الحرام ، الأمر الذي يعطيها قيمة دينية كبيرة في نظر المسلمين، ولذا نجد الأزرقي يحشد الكثير من الروايات في فضائل مكة وقدسيتها >[2] .

ومما يجدر ذكره أن (أخبار المدينة) ، و (أخبار مكة) لا يعنيان بتراجم المحدثين أو العلماء والفقهاء الذين سكنوا هـاتين المدينتين، وخاصة أخبار مكة ولعل بحشل (ت: 292هـ) في كتابه (تاريخ واسط) ، يعد أول من اهتم بذكر رجال وعلماء مدينته، مما جعل كتابه أنموذجا يحتذى من قبل أصحاب التواريخ المحلية >[3] .

وقد حاول بحشل لكي يضفي على مدينته شيئا من الأهمية، أن [ ص: 135 ] يضفي على موقعها شيئا من القداسة، بحيث كانت السبب وراء اختيار الحجاج لموقع واسط .. وهذه القدسية تتكرر عند معظم الذين كتبوا في التواريخ المحلية، إما بكونها مدينة أنبياء أو صحابة، أو أنها مباركة بدعوة نبي أو رسول، وهذا المنظور الديني الحضاري يضفي على النبي صلى الله عليه وسلم ، والصحابي، والصوفي، والفقيه، قيمة ودورا في حياة الأمة، يتضاءل عندها دور الحاكم أو السياسي >[4] .

إن استمرار التأليف في تواريخ المدن، أو التواريخ المحلية، أظهر المدن باعتبارها وحدات حضارية فكرية.. ففي كتابه (طبقات المحدثين بأصبهان) ، لأبي الشيخ الأنصاري (ت: 369هـ) ، تحدث في المقدمة عن طوبوغرافية المدينة ، ثم انتقل إلى الحديث عن فضائل أصبهان ، ثم ذكر أعداد الصحابة الذين نزلوا بها وهم ثمانية عشر صحابيا، بينهم سلمان الفارسي رضي الله عنه ، الذي أخذت ترجمته نصف ما خصص لبقية الصحابة >[5] .

ومن الجدير بالذكر أن التأليف في تواريخ المدن أو التواريخ المحلية، ربما يعكس تعصب المؤلف لمدينته.

فمثلا الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ينفي عنها ما روي فيها من حديث بذمها وتوعدها، وبالعكس فإنه يحشد عددا من الأقوال في [ ص: 136 ] فضائل بغداد وخيرها وبركتها >[6] ، كذلك نجد تشابها في المواقف لابن عساكر في فضائل مدينته دمشق ، مع مواقف الخطيب البغدادي ، على أن هـذه العصبية للأمصار كانت ظاهرة إيجابية؛ لأنها حفظت للأجيال اللاحقة الشيء الكثير من جوانب الثقافة والفكر في الحضارة الإسلامية.. وهكذا فإذا اتجهنا نحو الأندلس ، نجد العصبية واضحة في تأليف الوزير لسان الدين بن الخطيب لكتابه عن مدينته (الإحاطة في أخبار غرناطة) ، بعدما يستعرض الكتب التي ألفت عن بعض الأمصار الإسلامية، يقول: " فداخلتني عصبية لا تقدح في دين ولا منصب، وحمية لا يذم في مثلها متعصب " >[7] .

وهكذا ظهرت هـذه التواريخ، لتقدم خدمة جليلة للثقافة العربية الإسلامية.

التواريخ الإقليمية

وهي تقع موقعا وسطا بين التواريخ المحلية أو تواريخ المدن وبين التواريخ العالمية، أما أسباب ظهورها فتتصل أيضا بأسباب ظهور التواريخ المحلية أو تواريخ المدن، وهي العصبية للأمصار، والعامل الديني، ويضاف إلى ذلك العامل السياسي لظهور التواريخ الأندلسية، بسبب عزلة هـذه [ ص: 137 ] الجزيرة عن بقية ديار الإسلام، كما أننا يمكن أن نضيف عاملا آخر وهو أن أهل كل بلد أعرف بأحوال وأخبار بلدهم >[8] .

وأقدم التواريخ الإقليمية التي وصلتنا هـي:

(فتوح مصر وأخبارها) ، لأبي القاسم عبد الرحمن بن عبد الله عبد الحكم (ت: 257هـ) >[9] : ولكي يضفي ابن عبد الحكم على مصر وأهلها شيئا من القيمة الدينية، فإنه ابتدأ في الصفحة الثانية من الكتاب بذكر وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقبط ، ويذكر في هـذا الصدد أحاديث نسبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يتنبأ فيها بفتح المسلمين لمصر من بعده، ثم يوصيهم خيرا بأهلها >[10] .. والتماس الأثر الديني واضح في تبريره لتأليف الكتاب، إضافة إلى أثر التعصب الإقليمي.. والذي يهمنا من هـذا الكتاب، هـو منظور ابن عبد الحكم، الذي ينطلق من اهتمامه بالصحابة الذين حلوا مصر، والذين رووا عنهم أهل مصر، وهو ما يبين عنايته برجال الثقافة والعلم في تلك الحقبة، الذين هـم حملة حديث الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم .

أما في أقصى الزاوية الجنوبية الغربية من الجزيرة العربية ، فنلتقي بمؤلف آخر من مؤلفي التواريخ الإقليمية، وهو لسان اليمن أبي محمد الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمداني (ت: 334هـ) ، وكتابه (الإكليل [ ص: 138 ] من أخبار اليمن وأنساب حمير ) >[11] .

وهذا الكتاب يعكس منظور الهمداني الاجتماعي، إذ خصصه في سرد أنساب أهل اليمن منذ فترات بعيدة عن الإسلام وحتى عصره في القرن الرابع الهجري.. وإذا كانت المنطلقات الأساسية في التواريخ الإقليمية، التي مر ذكرها، منطلقات دينية مرصعة بشيء من العصبية للمصر المعني، فإن هـذا المنظور يختفي في (الإكليل) ، ولا نحس إلا بروح المباهاة والمفاخرة في سرد أنساب اليمن؛ لبيان ما كان لأهلها من ملك وسلطان قبل الإسلام، مقابل المجد والعز الذي ناله عرب الشمال وعلى رأسهم قريش في الإسلام.

وإذا يممنا شطر أقصى بلاد الغرب الإسلامي آنذاك، فإننا نلتقي بمؤرخ إقليمي أندلسي هـو:

أبو حيان القرطبي (ت: 469هـ) ، صاحب كتاب: (المقتبس من أنباء أهل الأندلس) >[12] .

يعتبر القرطبي أشهر مؤرخي الأندلس على الإطلاق، والشاهد على ذلك الدقة والضبط، اللتان تميز بهما عمله في (المقتبس) . [ ص: 139 ]

لقد توزع منظور ابن حيان بين هـموم بلده في مواجهة التحديات التي تفرضها عليه الممالك النصرانية في الشمال، والتحركات الداخلية في العدوة المغربية، وبين الاهتمام بالجوانب الثقافية والحضارية.

وهناك مؤرخ أندلسي آخر وهو:

ابن بسام (ت: 554هـ) ، صاحب كتاب: (الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة) >[13] ، والعنوان يدل على تعصب ابن بسام لمصره الأندلس، وفي مقدمة الكتاب نجده يشيد ببراعة الأندلسيين في النثر والنظم: (... ومازال في أفقنا هـذا الأندلس القصي إلى وقتنا هـذا، من فرسان الفنين وأئمة النوعين، قوم هـم ما هـم، طيب مكاسر، وصفاء جواهر، وعذوبة موارد ومصادر) >[14] ، ثم ينتقد أهل بلده الذين يروون الأدب والعلم عن أهل المشرق.. كذلك فإنه يبين انسياح العلماء والفقهاء بين ديار الإسلام دون قيود، فيذكر بعض الفقهاء والعلماء والكتاب المشارقة، الذين قدموا الأندلس مثل: أبو الفضل البغدادي ، وأبو الفتح الجرجاني ، والشريف الرضي ، ومهيار الديلمي ، وأبو القاسم المغربي ، وابن رشيق ، وأبو منصور الثعالبي >[15] ، وهذا ما يدل على انفتاح المدينة العربية الإسلامية في تلك العصور، لاحتضان العلماء والكتاب والشعراء والفقهاء، دون أن تكون قلعة مغلقة. [ ص: 140 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية