من فقه الأقليات المسلمة

خالد محمد عبد القادر

صفحة جزء
المبحث الثاني: موقف الشريعة من المخالفين وأصل علاقتها بهم

مما هـو في نطاق اليقين، بإجماع الأمة سلفا وخلفا، أن الدعوة الإسلامية دعوة عالميـة، لقوله تعالى: ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) (الأنبياء: 107) .

وقوله: ( يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرا لكم ) (النساء: 170) .

وقوله: ( قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ) (الأعراف: 158) . [ ص: 51 ]

وفي الحديث الصحيـح ( عن جابـر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي ) .. وذكر منها: ( وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة ) >[1] فشريعة محمد صلى الله عليه وسلم ناسخة لجميع الشرائع السماوية والملل الأرضية، ومهيمنة عليها، لها صفة الدوام والخلود، فهي المرحلة النهائية لدين الله، وكلمته الأخيرة للبشرية، لذا فإن الناس جميعا مخاطبون بها على سبيل الوجوب، وعليهم جميعا الاستجابة لتعاليمها. فهي دين الفطرة التي فطر الله الناس عليها جميعا، وهي منهاج حياة فاضلة تبتغي رقي الإنسان، عقلا ووجدانا وأخلاقا.

جاءت هـذه الشريعة لتستوعب الحياة كلها، واتسعت لتخاطب الجن أيضا وتدعوهم إليها، فهي إذن ليست بإقليمية ولا عنصرية، بل عالمية عامة، وبناء عليه فهي تعترف بمجتمعات المخالفين اعترافا واقعيا بطبيعتهم الإنسانية.

وما دامت هـذه هـي طبيعتهم، فأساس العلاقة بينها وبين أهل الملل الأخرى هـي علاقة دعوة، وهداية بالحجة، وبيان بالمنطق والبرهان، وتعتبر المخالفين لها في ضلال وعلى أباطيل، قال تعالى: ( ذلك بأن الله هـو الحق وأن ما يدعون من دونه هـو الباطل ) (الحج: 62) . [ ص: 52 ]

وقـد اختلف فقهاؤنا حـول توصيـل هـذه الدعـوة إلى المخالفين على فريقين:

الفريق الأول: وهم جمهور الأقدمين، يرى أن تعد القوة، وتجهز الجيوش، ثم تسير إلى ديار المخالفين، وقبل البدء بالقتال يخيرون بين الإسلام والجزية >[2] -إن كانوا من أهلها- والحرب >[3] كمـا يـرى أن أصـل العلاقـة بين الإسـلام والكفـر هـو الحـرب، وأما السلم >[4] فهو أمر استثنائي ولظروف طارئة، وسبب هـذه الحرب هـو الكفر، كقوله تعالى:

( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله ) (البقرة: 193) .

وقوله: ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) (التوبة: 5) .

وقوله: ( وقاتلوا المشركين كافة ) (التوبة: 36) .

وفسروا (الفتنة) الواردة في الآية الأولى بمعنى الشرك، أي قاتلوهم حتى لا يبقى شرك، وتزول الأديان الباطلة فلا يبقى إلا الإسلام. [ ص: 53 ]

واستدلوا أيضا بقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله... ) >[5] الحديث.

الفريق الآخر: وهم جمهور الباحثين من المعاصرين، وقلة من المتقدمين: يرى أن أصل العلاقة مع المخالفين هـو السلم، وأما الحرب فهي أمر طارئ مستثنى.

وقالوا: إن على الدولة إعداد الدعاة وتأهيلهم، لبثهم في ديار المخالفين لنشر نعمة الله (الإسلام) بينهم، ودعمهم بكل ما يقتضيه العمل في حقل الدعوة، مع بقاء علاقات المسلمين بغيرهم على أساس الأمن والمسالمة، لا على أساس الحرب والقتال، إلا إذا أرادت دار الكفر بالدعاة سوءا، لتفتنهم عن دينهم، وتصدهم عن الدعوة إليه، فعندئذ يجب قتالهم؛ لأن الفتنة عن الدين اعتداء على أقدس ما في الحياة الإنسانية، ومن ثم فهي أشد من القتل؛ لأنه يجب أن تتاح الفرص المعقولة لإفهام الجماهير ما تدعى إليه.

ولا يجوز بدء الكافرين بقتال إلا في حالة اعتدائهم على الدين، أو على الدولة الإسلامية، أو في حالة نقضهم للعهود، أو لنصرة المستضعفين.

فالحرب ما هـي إلا أداة لإزالة الطواغيت، التي تحول بين الناس وبين سماع الدعوة، والتي تريد الانفراد بالضمير البشري وتدعي حق الألوهية وخصائصهـا، ولتقريـر سلطـان الله في الأرض وكلمـة الله وعدلـه. [ ص: 54 ] فالحرب إذن هـي سياج لفكرة الحق والعدل، وعدم البغي والعدوان، التي ما فتئ القرآن يقررها في كل مناسبة >[6] يقول سيد قطب رحمه الله، عند قوله تعالى: ( ويكون الدين لله ) : (استعلاء دين الله في الأرض، بحيث لا يخشى أن يدخل فيه من يريد الدخول، ولا يخاف قوة في الأرض تصده عن دين الله أن يبلغه، أو يستجيب له، وأن يبقى عليه. إنه الجهاد للعقيدة لحمايتها من الحصار، وحمايتها من الفتنة) >[7] واستدلوا على ذلك بما يلي:

من القرآن قوله تعالى: ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ) (البقرة: 190) . وقوله تعالى: ( لا إكراه في الدين ) (البقرة: 256) . فأفادت أن وسائل القهر والإكراه، ليست من طرق الدعوة إلى الدين، لأن الدين أساسه الإيمان القلبي والاعتقاد، وهذا الأساس تكونه الحجة لا السيف.

وقوله تعالى: ( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ) (الأنفال: 61) .

وقالوا: إن المأثور المتواتر من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وخلفائه الذين ساروا [ ص: 55 ] على هـداه، أنهم لم يقاتلوا إلا الأعداء المعتدين على الإسلام والمسلمين بدءا، أو نكثا بعد عهد.

ورد الفريق الأول بأن هـذه الآيات منسوخة بآية السيف.

وقـالوا: وقـد عمـت الآيـة جميـع المشـركين، وعمـت البقـاع إلا ما خصصته الأدلة من الكتاب والسنة >[8] والحقيقة أن القول بالنسخ >[9] فيه خلاف واسع بين الفقهاء والمفسرين، مع اتفاقهم على أن لا نسخ إلا بدليل >[10] . فالقضية إذا خلافية، والفيصل في ذلك سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وهديه في الغزو والجهاد.

يقول محمد عـزة دروزة رحمـه الله >[11] : (من الثـابت أن النبـي صلى الله عليه وسلم لم يقاتل إلا الأعداء المعتدين، والناكثين لعهودهم) >[12] ويقول محمد أبو زهرة رحمه الله: (إن الإسلام ما سل سيفا على طالب حق، وما اعتدى على أحد، ولكن كان اعتداء غاشم، وكان ملوك أرهقوا رعاياهم، وضيقوا عليهم، ومنعوهم من أن يصل إليهم نور الحق، [ ص: 56 ] وقتلوا من آمنوا بالحق الذي أدركوا، والدين الذي ارتضوا، فكان قانون التعاون أن يرد كيد الظلم، وأن يرفع عن تلك الشعوب المنكوبة بحكم الطغاة نير العبودية والاسترقاق، وقد كانت -أي الحرب- لذلك، وأن السكوت في هـذه الحال ليس من التعاون، بل والحرب العادلة هـي التعاون، لأنها منع للفتنة في الدين) >[13] قلت: هـذا القول لا يخرج عن دائرة الصواب.

فالناظر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم والمتمعن فيها، تتأكد في قرارة نفسه هـذه المقـولة >[14] فمشركـو قريش كانـوا أشـد الناس عـداوة لمحمـد صلى الله عليه وسلم ، فلم يتركوا وسيلة ولا سبيلا يضعفه أو يضعف من شأن دعوته بل يقضي عليه إلا سلكوه، بدءا بتكذيبه في مكة واضطهاده مع أتباعه، وانتهاء بغزوة الأحزاب ، تلك الغـزوة التي حشـدت لهـا قريش كـل ما تملك، وجاءت بقضها وقضيضها، يؤازرها في ذلك من يواليها من القبائل العربية المشركة، ويتفق معها في العقيدة، بتحريض من أعداء الله يهود بني قريظة لوأد ذلك الحق الذي قلب الموازين، وغير نظام المجتمع السائد، وبعد أن انجلى الأحزاب عن المدينـة ، ( قـال النبي صلى الله عليه وسلم : الآن نغزوهـم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم. ) >[15] .. لماذا؟ [ ص: 57 ]

لرد الاعتداء وظلم الظالمين، الذين ما برحوا يثيرون مخاوف المسلمين، ويفتنونهم عن دينهم بشتى صنوف التعذيب، ويخرجونهم من ديارهم، ويستولون على أموالهم!

وأما القبائل العربية الأخرى، فكانت منقسمة في ولائها بين فارس والروم ، وقد بلغ تهديد تلك القبائل وتخويفهم للمسلمين مبلغه بتحريض من متبوعيهم.

اقرأ « ما قاله عمر رضي الله عنه :... وكان لي صاحب من الأنصار إذا غبت أتاني بالخبر، وإذا غاب كنت آتيه بالخبر، ونحن نتخوف ملكا من ملوك غسان، ذكر لنا أنه يريد أن يسير إلينا، فقد امتلأت صدورنا منه.. » >[16] وأما الفرس والروم، فيكفي منهما أنهما كانا يؤلبان القبائل التابعة لهما للقضاء على أي قوة، أو عقيدة تجمع الناس من جديد، وتنافسهم في المنطقة الموالية لهما للانفراد بالتسلط والسيطرة، ولم يكتفوا بذلك، بل إن ( هـرقل ) أخذ يضطهد من أسلم من عرب الشام، ويقتلهم، وكان ( كسرى ) (قد أرسل من يأتي برأس الرسول الأمين) >[17] ، حين أرسل إليه كتابه يدعوه فيه إلى الإسلام، ورفع الحجب عن عقول وضمائر رعيته، بالإضافة إلى تهديدهما الفعلي للدولة الإسلامية. [ ص: 58 ]

وتكفي هـذه الجرائم لتحمل الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفاءه من بعده للخلاص من هـاتين القوتين الباغيتين، اللتين وقفتا من الدعوة وأصحابها موقف الجبار العنيد، لما أصبح للمسلمين من قوة ضاربة قادرة على دك عروش القياصرة والأكاسرة.

فالحرب في الإسلام ليست هـجومية لدك أبواب الكافرين، المسالمين منهم والمعاندين، والله سبحانه ما أراد إفناء الكفـار، ولا خلقهم ليقتلوا كما قال ابن الصلاح .. وليست هـي دفاعية تنتظر من يغزو ديار المسلمين، ثم تهب لتقاتلهم بعد أن يصبح زمام المعركة في يد المعتدين، وإنما هـي دفاعية عن الإسلام ودعوته وأهله، تحريرية هـجومية تهجم على مـن يقف في وجـه الدعـوة، بحسب مـا يقتضيـه الموقـف، بلا بـغـي ولا عدوان.

يقول صاحب كتاب: (علاقة الأمة المسلمة بالأمم الأخرى) : (وهذه الصلة القائمة -بين المسلمين والمخالفين- على العقيدة لتتخذ شكل منهج متكامل العناصر، ليواجه مختلف الاحتمالات بما يناسبها من عناصر هـذا المنهج، وإن استخدامها ليدور مع مصلحـة الدعـوة وجودا وعدما، فلا يعقل وصفها بأنها دفاعية أو هـجومية، وإنما الوصف الملائم لها، أنها عنصر من عناصر المنهج الذي تواجه الدعوة به مختلف الاحتمالات والظروف) >[18] وكنت أتمنى على من كتب من المعاصرين عن دوافع الجهاد، واعتبره هـجوميا، وشنع على المخالفين لمذهبه تشنيعا قاسيا عنيفا -أخرجه من دائرة الباحث المنصف الملتزم بأخلاقيات وآداب البحث العلمي- واعترض [ ص: 59 ] عليهم بأنهم لم يعولوا على تفاسير السلف الصالح للآيات المتعلقة بالقتال وأحكامه، التي احتجوا بها، تمنيت على هـؤلاء المعترضين أن لو اطلعوا على تفسير الطبري ، الذي هـو قبلة المفسرين من بعده وشيخهم، وهم عيال عليه في هـذا الفن، وتفسيره تفسير بالمأثور، وهو أسبق من تفسير ابن كثير والشوكاني وغيرهم، من الذين اعتمد عليهم القائلون بأن الجهاد في الإسلام للهجوم، بكل ما تحمله هـذه الكلمة من معنى >[19]

التالي السابق


الخدمات العلمية