القيم الإسلامية التربوية والمجتمع المعاصر

عبد المجيد بن مسعود

صفحة جزء
تعريف التربية

تفيد كلمة التربية لغة: التنمية، يقال تارة رباه أي نماه، ربى فلانا أي غذاه ونشأه. ربى بمعنى نمى قواه الجسمية والخلقية، وتربى تنشأ وتغذى وتثقف >[1]

وقد عرف "د. جميل صليبا" التربية بقوله: (التربية هي تبليغ الشيء إلى كماله، أو هي كما يقول المحدثون، تنمية الوظائف النفسية بالتمرين حتى تبلغ كمالها شيئا فشيئا، تقول: ربيت الولد إذا قويت ملكاته ونميت قدراته وهذبت سلوكه، كي يصبح صالحا للحياة في بيئة معينة.. وتقول: تربى الرجل إذا أحكمته [ ص: 39 ] التجارب ونشأ نفسه بنفسه) >[2]

ويعرف "الدكتور محمد لبيب النجيحي" التربية بأنها: (عملية إعداد المواطن الذي يستطيع التكيف مع المجتمع الذي ينشأ فيه، ولذلك فهي تعمل على تشكيل الشخصية الإنسانية في أدوار المطاوعة الأولى تشكيلا يقوم على أساس ما يسود المجتمع من تنظيمات سياسية واجتماعية واقتصادية، ولهذا كان لا بد للإطار الثقافي الذي يقوم عليه المجتمع من أن يحدد أبعاد العمـلية التربوية، واتجاهاتها، بحيث لا تخرج عن هذا الإطار إلا تطويرا له وتقدما به في عملية زيادة آخذة بيد المجتمع نحو مستقبل أفضل.

وعلى هذا الأساس تحتل القيم مركزا أساسيا في توجيه العملية التربوية.. وفي هذا المجال لا تعمل التربية على المحافظة على التراث الثقافي ونقله من جيل إلى جيـل بما في ذلك القيم الأخلاقية وحسب، وإنما تعمل على تطوير هذا الواقع الثقافي مقتربة بذلك بقدر ما تستطيع مما وضعته أمامها من تصور لما ينبغي أن يكون) >[3]

ويتحدث "عبد الرحمن الباني" عن صناعة التربية أو فن التربية الذي يهدف (إلى غرض سام، وهو أن نبلغ بالإنسان حد الكمال [ ص: 40 ] المناسب له) >[4]

ويميز بين العلم والفن في هذا الصدد فيقول: (العلم يتعلق بكشف الحقيقة، والفن بمعناه الخاص يهدف إلى إيجاد شيء ذي قيمة، قيمة جمالية، قيمة أخلاقية، وبصورة أعم قيمة إنسانية تتجاوز المطالب الماديات النفعية) (...) (لتحقق) ما يسميه علماؤنا -منهم الشاطبي (ت790هـ) في كتابه "الموافقات" - بـ (التحسينات) ، ونسميه نحن الآن (الكماليات) .. (فالتربية بهذا المعنى إنما هي فن) >[5]

وقد عرفت "الرابطة الدولية للتربية الجديدة" التربية، (بأنها تقوم على أساس تنمية القدرات الكاملة لكل شخص أكثر ما يمكن، وفي نفس الوقت كفرد وعضو في مجتمع أساسه التضامن، ولا يمكن فصل التربية عن تغير المجتمع لأنها تشكل قوة واحدة منه، ويجب إعادة النظر في أهداف التربية وطرائقها كلما تنامت معارفنا عن الطفل والإنسان والمجتمع) >[6]

أما "د. عبد الحميد الهاشمي" و"د. فاروق عبد السلام"، فقد عرفا التربية بأنها: (تنمية الإنسان في أبعاده الستة: الروحي، والبيولوجي، والعقلي والمعرفي، والانفعالي العاطفي، والسلوكي والأخلاقي، والاجتماعي، في إطار بعد مركزي هو الإيمان بالله [ ص: 41 ] وبوحدانيته، للوصول بالإنسان نحو الكمال، ضمن مجتمع متضامن قائم على قيم ثابتة) >[7]

وإذا تأملنا هذه المجموعة من التعاريف، وجدنا أنها تتضمن العناصر والمعاني التالية:

1- التربية عملية تنموية تنصب على شخصية الإنسان لتبلغ به إلى كماله المناسب له.

2- إن الذي يمارس هذه العملية هو المجتمع من خلال ما يتوفر عليه من مؤسسات وقنوات متعددة.

3- إن هذه العملية تقوم على أساس التنظيمات الموجودة في المجتمع، والتي تعبر عن الإطار الثقافي العام.

4- لا يمكن للعملية التربوية أن تخرج عن هذا الإطار الذي توجهه قيم المجتمع المختلفة.

غير أن هذا الطابع العام والقاسم المشترك، يستثنى منه التعريف الأخير: (تعريف ندوة خبراء أسس التربية) لأنه يحتوي على عنصر أساس وجوهري يتمثل في كون التنمية التي تنصب على الإنسان في كامل أبعاده، تجري في إطار بعد مركزي هو الإيمان بالله وبوحدانيته، وعلى أساس قيم ثابتة، الأمر الذي تخلو منه التعاريف الأخرى، وبالخصوص تعريف الرابطة الدولية للتربية الجديدة، التي تؤكد بشكل [ ص: 42 ] صريح على إعادة النظر في أهداف التربية وطرائقها تبعا لما يستجد من معارف ومكتشفات عن الطفل والإنسان والمجتمع، أي إن العملية التربوية بموجب هذا التعريف محكوم عليها بعدم الاستقرار، إذ هي تتأرجح بين وجهات النظر المختلفة التي تظهر بين الحين والآخر، بناء على معطيات جديدة حول العناصر الثلاثة المذكورة.

إذا كان هذا التعريف، يحكم على الأهداف التربوية بأن تعيش في دوامة من التقلبات التي لا تقف عند حد، فإن تعريف ندوة خبراء أسس التربية الإسلامية ينص على أن أهداف التربية ثابتة منذ البداية، لا يداخلها الشك. وانطلاقا من هذه الأهداف التي تستند إلى بعد مركزي هو الإيمان بالله ووحدانيته، والنظام القيمي الشامل الذي ينسج حوله، يتم تحديد الوسائل المؤدية إلى تحقيق تلك الأهداف، وهي -أي الوسائل والأساليب- موجودة في القرآن والسنة النبوية الشريفة والسيرة الطاهرة، وما على علماء التربية إلا استخراجها وتبويبها، واستخدامها بالشكل الملائم والسليم.

وواضح أن الفرق الكائن بين هذا التعريف وتعريف الرابطة الدولية، هو فرق بين مفهوم إسلامي يقوم على الإسلام عقيدة وشريعة ومنهج حياة، ويصطبغ بصبغته ويتصف بخصائصه المتميزة، كالوحدانية والإيجابية والتوازن والثبات، وبين مفهوم بشري ينطلق من الجهل بحقيقة الإنسان، ويفتقر بالتالي إلى تلك الخصائص -وهذا أمر طبيعي- إذ هو ينبني على علم محدود بظروف الزمان والمكان، وهي ذات تقلب مستمر.. وسوف نجد تعبيرا واضحا عن هذا الفرق الواسع [ ص: 43 ] من خلال التحليل والمقارنة لأسس ومقومات النسق القيمي في الإسلام والنسق القيمي في المجتمع المعاصر (النسق المادي) . وسوف يكون اعتمادي في هذا البحث إذن -إن شاء الله- على هذين التعريفين، فعلى ضوئهما سأجري التحليل والمقارنة.

مفهوم المجتمع المعاصر (تحديد إجرائي للمفهوم) إن مفهوم المجتمع المعاصر مفهوم واسع، يشمل العالم الراهن كله، بجميع تياراته ومذاهبه وفلسفاته، بدون استثناء. ومن هنا فإن الانسياق الحرفي وراء شمول اللفظ بأكمله يفرض استقراء كل أنواع وأنساق القيم، التي تتعايش أو تتصارع في هذا الخضم الهائل المتلاطم الأمواج الذي نسميه المجتمع المعاصر.

فكلمة المجتمع المعاصر وإن كانت في ظاهرها قد توحي بالتجانس في هذا المجتمع، فإن الواقع لا يصدق هذا الإيحاء. إلا أننا عندما نستعمل هذا المفهوم، غالبا ما تنصرف أذهاننا إلى السمة الغالبة على العصر -حتى الآن- وهي السمة المادية التي تتجلى في طغيان النزعة المادية على النفوس والمجتمع ومظاهر الحياة والحضارة، إلى درجة أنه حتى الأمم والشعوب ذات الماضي الحضاري العريق القائم على الدين (كالأمة الإسلامية) قد هيمنت عليها هذه النزعة، وما يبدو فيها من تجليات الروح الدينية فهو لا يعبر عن عمق الدين ومقتضياته في حياة الناس وممارساتهم. فاختياري لهذا المفهوم (المجتمع المعاصر) قائم على الحضور الفكري والسلوكي للمذاهب في حياة الناس. [ ص: 44 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية