القيم الإسلامية التربوية والمجتمع المعاصر

عبد المجيد بن مسعود

صفحة جزء
سبيل الخروج من أزمة التخلف

قبل أن أبرز معالم المنهج الذي يضمن الخلاص من الأزمة والانعتاق من ربقة التخلف، أشير إلى أن المجتمع المسلم لم يترك وشأنه يقرر مصيره بنفسه، ويحل مشاكله بمحض إرادته المستقلة، وإنما وقع -بفعل الإرث الثقيل الذي خلفه المستعمر وراءه -تحت طائلة الضغوظ والتأثيرات التي مارستها القوى الاستعمارية، من خلال تلامذتها الذين ربتهم على أعينها وأكلأتهم برعايتها، بحيث شكل هؤلاء قوة أو طابورا موصولا بمراكز القرار الاستعمارية، أقحم نفسه في عملية إيجاد الحل لمعضلة [ ص: 154 ] التخلف والركود التي يعاني منها المجتمع المسلم. ومن جملة الحلول التي فرضت على الأمة الإسلامية الحل الليبرالي الديمقراطي والحل الاشتراكي الماركسي، ولكن المصير الذي لاقاه كل من هذين الحلين هو الفشل، وهو أمر يتماشى مع طبيعة الأشياء وسنن التغيير.

فالحلول المطروحة، غريبة كل الغرابة عن تاريخ وكيان المجتمع المسلم، بل عن الإنسان من حيث هو إنسان وفطرته السليمة. وهي إنما طرحت لتبدد طاقة الأمة وتهدرها في التناقضات، وهي -أي الأمة- التي قام وجودها خلال التاريخ الطويل على أساس فلسفة التوحيد التي تلم الشمل وتوحد القوى في وجهة واحدة موحدة الأهداف.

ومن هنا يتبين لنا أن السر في إخفاق الحلول المستوردة في المجتمع المسلم هو تلك الفجوة بل الهوة العميقة بينه وبين الغرب على المستوى النفسي والحضاري، بحيث إن الأيديولوجيات الغربية لم تستطع أن تنفذ إلى صميم أفراد المجتمع وتحرك كوامنهم، لأنها لم تخاطب الإنسان في جميع أبعاده. لقد خاطبت عقله دون أن تخاطب وجدانه وروحه، وقدمت له برامج اجتماعية دون أن تقدم له أجوبة مقنعة حول أسئلته الوجودية وأحواله الشخصية وعلاقته الأسرية والتزاماته الأخلاقية، وألزمته بالنضال الخارجي دون أن يكون لها سلطان على خلجات نفسه وأشواق روحه >[1] وبعد التجارب المريرة التي عرفتها الأمة العربية الإسلامية، لم يجد [ ص: 155 ] حاملو الفكر الغربي وممثلو أيديولوجياته في ديار المسلمين، لم يجدوا بدا من الإقرار بإخفاق الأيديولوجيات المستوردة في نقل المجتمعات الإسلامية من حال التخلف إلى حال النهوض والتقدم، لقد قالوها صراحة بعد لأي، وبعد عهد طويل من المكابرة والمواربة، والأمثلة أكثر من أن تحصى.

إن الأيديولوجيا الغربية كان لا بد أن تسقط وتلاقي الإخفاق لدى احتكاكها بالمجتمعات العربية الإسلامية لأنها تفتقد لشروط ومقومات النجاح، وهي: (أولا: الإقناع الفكري الذي يستجيب لتطلعات الإنسان إلى المعرفة الحقة، حول القضايا الوجودية التي تقرر مصير الإنسان في الحال والمآل، والذي لن تهدأ له نفس ولن يرتاح له ضمير في ظل حرمانه من الحصول على أجوبة شافية عنها. وثانيا: منهج تغيير اجتماعي كفيل بتحقيق متطلبات الإنسان من الحرية والعدل والمساواة والكرامة، بما يتوافق وينسجم مع الأسس العقدية المناسبة لفطرة الإنسان) >[2]

إن هذين الشرطين لنجاح العقيدة في استنفار طاقات الإنسان ودفعها في المسار الإيجابي، ليس لهما وجود في غير الإسلام، دين الله المنزه عن التحريف والتبديل، ففي ظل الإسلام وحده يرتبط منهج التغيير الحضاري بالعقيدة التي تأخذ بجماع كيان الإنسان، وتحول عنده مسألة الجهاد في سبيل تحقيق التقدم والازدهار إلى التزام بالعقيدة، يعتبر الإخلال به إخلالا بمقتضياتها >[3] إننا ندرك هذه الحقيقة أجلى ما يكون [ ص: 156 ] عندما نلاحظ مدى التجاوب الذي حدث بين جماهير الأمة الإسلامية وبين الحركات الإسلامية التي انبجست من داخلها، معبرة عن همومها، حاملة لقضيتها بكل إخلاص.. إن كل هذه المعطيات الفلسفية والنفسـية والاجتمـاعية، تجعل من عملية البناء الحضاري في ظل مذهبية الإسلام، عملية تلقائية لا اعتساف فيها ولا تكلف ولا قسر.

لا بعث حضاري في غياب الإسلام

فالذي ننتهي إليه من خلال ما سبق هو التأكيد على القناعة الراسخة في وجدان وعقل كل مسلم حق، وهي أن لا سبيل إلى البعث الحضاري المنشود في غياب المنهج الإسلامي في البناء.. فما هي -إذن- الخطوات التي لا بد من القيام بها لإعادة البناء الحضاري؟

لقد سبق لنا أن لمسنا في المحور الأول من هذا الفصل، أن المجتمع المسلم قد اعترضته حالة من التفكك أودت بشبكته الاجتماعية، فآلت به إلى الانحطاط الذي لا يزال يتخبط في حباله، ومعنى ذلك أن المجتمع المسلم مطالب بالإعداد الواسع النطاق لبناء الشبكة الاجتماعية من جديد، أي لجعله يعيش المرحلة الأولى من المراحل التي يمر بها المجتمع، التي تحدث عنها مالك بن نبي ، وهي المرحلة الروحية التي تكون فيها العلاقات الاجتماعية في أكثر حالاتها كثافة، لا في أكثرها امتدادا.. هذه الكثافة التي يعبر عنها القرآن الكريم بعبارة: (البنيان المرصوص) في قوله تعالى: ( إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ) (الصف : 4) . و (يمكننا أيضا –يقول [ ص: 157 ] مالك بن نبي- أن نفسر هذه المرحلة بلغة علم النفس حين نقول إنها تتفق مع المرحلة التي يكون الفرد خلالها في أحسن ظروفه، أعني الظروف التي يكون فيها نظام أفعاله المنعكسة في أقصى فاعليته الاجتماعية، وتكون طاقته الحيوية أيضا في أتم حالات تنظيمها) >[4]

وهذه المرحلة تتميز بتوظيف جميع قوى المجتمع، وتكون هذه الأخيرة في تصاعد مستمر، وتقصي من طريق هذا المجتمع، خلال هذه المرحلة، كل عناصر التقاعس والتثبيط، وهو ما حدث في قصة (الثلاثة الذين خلفوا) المشهورة >[5] والسؤال المهم الذي يطرح نفسه علينا الآن يتعلق بالكيفية التي يتم بها بناء الشبكة الاجتماعية في المجتمع المسلم من جديد؟ يجيب مالك بن نبي عن هذا السؤال قائلا: (إنه لكي يمكن التأثير في أسلوب الحياة في مجتمع ما، وفي سلوك نموذجه الذي يتكون منه، وبعبارة أخرى، لكي يمكن بناء نظام تربوي اجتماعي، ينبغي أن تكون لدينا أفكار جد واضحة عن العلاقات والانعكاسات التي تنظم استخدام الطاقة الحيوية في مستوى الأفراد وفي مستوى المجتمع) >[6]

بتعبير آخر، ينبغي معرفة العوامل والعناصر التي بمقدورها تفجير طاقات أفراد المجتمع الذي نريد أن نصل به إلى المستوى المنشود من العطاء والابتكار، ولقد تأكد لنا أن المجتمع المسلم لم تفلح في تحريكه [ ص: 158 ] من عثاره وإيقاظه من نومه، أي من الأيديولوجيات الدخيلة التي زادته وهنا على وهن، وأفسدته، ثم زرعت العوائق والأشواك في طريق عمليات التغيير الموضوعية.. ولقد ثبت لكل من له عقل راجح أن الحركات التغييرية صاحبة الشرعية، والمخولة لإحداث البعث الحضاري، هي التي تتخذ الإسلام منهجا، عن اقتناع جازم ويقين راسخ بأنه هو وحده الحل والخلاص، ولا حل ولا خلاص من دونه.

الخطوة الأولى في سبيل البعث الحضاري وإذا كنا قد وضعنا أيدينا على الداء العضال الذي يسحق نفس المسلم في هذا العصر -نتيجة المخطط الاستعماري الرهيب- وهو داء الفصام بين جانبه الروحي وجانبه الاجتماعي، فإن الخطوة الأولى التي تضع المجتمع المسلم على الطريق الصحيح، هي إزالة حالة الفصام التي تعصف بكيان المسلم.. (فالمشكلة التي نواجهها إذن ذات جانبين: جانب اجتماعي وجانب نفسي) >[7]

فالمهمة الأولى في معالجة هذا التخلف الحضاري -الذي يطبق على الأمة الإسلامية- هي تصحيح العقيدة وتقويتها في نفوس المسلمين، حتى ينتج عنها ما تقتضيه من تأثير على كل ميادين الحياة. ويرتبط بتصحيح العقيدة تبصير الإنسان المسلم والجماعة المسلمة بوظيفتهم في الحياة لكي لا تتحول حياتهم إلى عبث، ذلك أن (العالم الإسلامي اليوم إنما يعاني من وطأة تخلفه هذا، بسبب [ ص: 159 ] الغشاوات والحجب الكثيفة التي أسدلت على بصيرته، فأقصته عن معرفة حقيقة الإنسان والحياة التي يتمتع بها، والدنيا التي تطوف من حوله، وعن معرفة المهمة التي خلق الإنسان للنهوض بها في هذه الحياة) >[8] إن تعريف المسلم بهذه الأمور الأساسية، يجعله في منجى من التأثيرات المدمرة، التي تنبعث، بل تتدفق كالسيل، من التيارات الأجنبية التي تتصارع من حوله، ويكسبه الميزان الدقيق الذي يزن به الغث والسمين، ويميز به بين الحق والباطل.

والمهمة الثانية في طريق الخروج من التخلف، تتجسد في تصحيح القيم الخلقية التي اكتسبت خلال عصور الانحطاط طابع السلبية والتثبيط، فنتيجة لأوضاع التخلف أخرجت كثير من القيم الإسلامية عن مفهومها الحق، فالصبر وهو قيمة إسلامية عظيمة الشأن، تحول إلى دعوة للخنوع واستساغة للمذلة والطغيان، بدلا من الصبر على مشاق العبادة والجهاد ومصاعب بناء الحياة، والصبر على الأذى في سبيل تحقيق المطامح العظيمة للمسلمين،

قال تعالى: ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ) (آل عمران : 142) ،

( وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين ) (آل عمران : 146) >[9] وقس على ذلك مختلف القيم التربوية التي ينبغي أن تأخذ مفاهيمها الصحيحة، في ضوء الكتاب والسنة وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام. [ ص: 160 ]

إن إنجاز هاتين المهمتين يحقق (تغييرا يمتد إلى المساحات كافة، وسائر المكونات النفسية الأساسية: العقلية والروحية والجسدية وكل العلاقات والبنى الداخلية مع الذات ومع الآخرين، والتي تمكن الإنسان المسلم والجماعة المسلمة من مواجهة حركة التاريخ) >[10]

وإذا كانت جهود المسئولين عن قيادة عملية البعث الحضاري، مطالبة بأن تعيد العقيدة إلى موقعها اللائق في قلوب المسلمين، وأن تعيد القيم التربوية إلى معانيها الحقة والإيجابية، فإن من القضايا الأساسية التي ينبغي أن تحتل مركزا لائقا في اهتمام هؤلاء المسئولين من قادة الفكر والتربية، قضية بناء العقل المسلم، بحيث يعود إلى فاعليته ونشاطه، ولا يظل حبيس التبلد والجمود الذي ران عليه خلال العصور المظلمة.. ومن مقتضى ذلك البناء، أن نعود العقل المسلم على التحليل العلمي والموضوعي للأشياء، بحيث يأخذ في اعتباره مختلف العناصر المكونة للظواهر، ويبتعد عن أساليب الإسفاف التي تنحدر إلى السب والشتم والقذف.. (إن العقلية التي أراد القرآن أن يكون جدله لبنة في بنائها وتكوينها، هي عقلية متدبرة فاحصة، تحلل بهدوء وتشرح بمرونة، تأخذ من الواقع لتغيير الواقع، وتطلب الحق بعدل في التحليل، وعدل في استمداد النتائج، وعدل في القول، مع تخلص من العبارات السحرية والكلمات المطاطة، وكل ما ينم عن فوضى في التفكير واضطراب في المنطق) >[11] [ ص: 161 ]

إن بناء العقلية الإسلامية على أساس هذه الروح المنهجية الرصينة، كفيل بتزويدها بخاصية المرونة، وبذكاء الحس الذي يمكنها من انتقاء العنصر النافع وسط ركام من المعطيات والأوضاع المنحرفة. فالحياة المعاصرة تزخر بالبدائل والاختيارات التي تولد الحيرة لدى الإنسان، وتغذي تلك الحيرة وسائل الإعلام والدعاية التي تنفذ إلى صميم النفوس، وليس هناك من مخرج من هذه الحيرة والاضطراب إلا بعد القـدرة على الترجـيح الصحـيح بين الحـالات المتعددة. هذه القدرة لا تتحقق (إلا ببث روح العلم وروح النقد وروح الاستدلال الصحيح) >[12]

ولنا في القيم الإسلامية وفي العلوم الإسلامية ما يسعفنا، إن نحن أحسنا استثماره، لتحقيق هذا الهدف، وأبرز تلك العلوم في هذا المقام أصول الفقه الذي تتجمع فيه قواعد العلم والفكر والفقه، والمقصود بالفقه هنا (عموم الفهم والعلم واستقامة التفكير وسداد الرأي) >[13]

وتحقيق هذا الهدف يقتضي منا قبل ذلك أن نطهر أجواءنا وعلاقاتنا الاجتماعية من بعض العادات التي لا تقوم على أساس من الحق، من قبيل عادة التقليد والمحاكاة المطلقة وغير المشروطة للآباء، وهذا فهم مغلوط لمفهوم البر بالآباء، إن مثل هذه العلاقة تؤثر سلبا على قدرة الأبناء على الابتكار والإبداع. وإذا أضفنا إلى هذه العادة سعي المجتمع لحصر سلوك الأفراد في إطار الضمير الاجتماعي ولو كان خاطئا، إذا أضفنا هذا، أدركنا مدى الإعاقة التي يتعرض لها العقل [ ص: 162 ] المسلم، والضربة القوية التي تتلقاها النزعة إلى الابتكار والتجديد >[14]

لا بد من إعداد يحمي المكاسب

وإذا كانت العمليات المذكورة آنفا تستهدف التغيير الذاتي للفرد المسلم من خلال تسليحه بالأسلحة الفكرية والمنهجية والقيمية، فإن هذه الأسلحة تحتاج إلى الحصن الذي يحميها من الصدأ والتلف. وهذا الحصن، ما هو إلا الإعداد الذي يحمي الجماعة المسلمة بالدرجة الأولى -ومن ثم الفرد المؤمن- من عمليات التضييق والحصار التي تستهدفها من طرف أعداء الإسلام. والقرآن الكريم يحث على ذلك الإعداد بقوله تعالى: ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ) (الأنفال : 60) >[15]

إن الأهمية القصوى لهذا الإعداد الذاتي تتجلى لنا من خلال الآثار المدمرة التي أصابت جونا الحضاري بسبب فتح الأبواب على مصراعيها، لتدخل منها الرياح العاتية للغزو الثقافي الغربي التي أحالت مجتمعنا المسلم إلى هذه الصورة البائسة.

وغير خاف أن هذه الإجراءات الوقائية تؤتي أكلها وتؤدي وظيفتها بعد إعادة بناء الشبكة الاجتماعية في ضوء المنهج التربوي الإسلامي، أي بعد إخلاء النفوس من المحتويات الخبيثة التي خلفتها [ ص: 163 ] عهود الاستعمار، ولا تزال تتأكد وتتخذ طابعا مأساويا في إلحاق المسخ بالشخصية المسلمة، مع استمرار قنوات الغزو الفكري والثقافي في مهاجمة عقول ونفوس المسلمين.. إن عملية إزاحة هذا الإرث الاستعماري المتضافر مع الجمود والتحجر الفكري عند بعض شرائح المجتمع، ليست بالأمر المستحيل إذا ما خلصت النيات وصح العزم وتضافرت الجهود، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فقد انطلق المسلمون في عهده من نقطة الصفر.. وفي إطار الإمكان المتاح لهم في ذلك الزمن، استطاعوا أن ينجزوا مهماتهم الحضـارية بجميع ميادينها السياسـية والاجتمـاعيـة والعسـكـرية، بـدون ضـعف ولا عقـد ولا مركبات مرضية، بل بحزم وعزة نفس واقتحام للعقبات.

إن القوة التي انطلق بها المسلمون في ذلك الوقت قوة هائلة، (كأنما معامل ضرب Coéfficient تدخل في فاعلية وسائلها البسيطة، فجعلها كافية لإنجاز المهمات من ناحية، وجعلها تتكتل في آن واحد من ناحية أخرى (...) فالعلاقة النسبية بين الإمكان الحضاري والإرادة الحضارية: علاقة سببية تضع (الإرادة) في رتبة السبب بالنسبة للإمكان) >[16] فما أحوجنا أن نتمثل منهج ذلك الرعيل في المواجهة والبناء والتحدي للأعداء ورد كيدهم في نحورهم، فهل نحن بهم مقتدون؟! [ ص: 164 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية