أضواء على مشكلة الغذاء بالمنطقة العربية الإسلامية

عبد القادر الطرابلسي

صفحة جزء
2- دور الاختيارات التنموية

إن جل المهتمين بشئون المنطقة العربية الإسلامية، استخلصوا الدور الذي أولته الاختيارات التنموية للتصنيع. فما هي إذا العلاقة بينه وبين أزمة الغذاء؟ ذلك ما سنحاول التطرق إليه، إثر تسليط بعض الأضواء على مفهوم التنمية الذي وقع اعتماده بهذه الربوع لكسر أطواق التخلف، والذي بموجبه احتل التصنيع مركز الصدارة على صعيد استراتيجيات التنمية، الذي يسعى إلى بعث إنتاج محلي يعوض ما كان يستورد من قبل، أو ما كان يمكن أن يستورد ما لم يتوفر ذلك الإنتاج، أو التصديرية، التي تعني إقامة إنتاج محلي معد أساسا للتصدير.

أ- أية تنمية لكسر أطواق التخلف؟

إن التصور الأساس الذي طرح من أجل تحقيق التنمية، اعتبر أن حضارة الرجل الأبيض هي نموذج التقدم المثالي والوحيد، الذي يمكن أن تبلغه مختلف شعوب المعمورة. ولترسيخ هذا الزعم، عمد الإنتاج الفكري الغربي إلى التركيز على تفوق العقل الأوربي، وعلى اختزال [ ص: 65 ] تاريخ الحضارة البشرية التي ولدت عندهم في اليونان ، وازدهرت وانتشرت على يد الرومان، وتراجعت في العصور الوسطى لتنبعث من جديد بحيوية متدفقة ومتجددة أبدا، منذ عصر النهضة حين أعاد الأوروبيون اكتشاف تراث الإغريق والرومان >[1] .

أما التخلف، فقد اعتبر بدوره درجة أدنى من التطور، أو بالأحرى مجرد تأخر >[2] .

وعلى أساس هذا التصور لكل من التقدم والتخلف >[3] فإن اللحاق بركب الحضارة، ومن ثم القضاء على الهوة، يفترض أن يكون [ ص: 66 ] للتنمية طريق واحد هو الطريق نفسه الذي سلكته الدول الصناعية، والذي على هديه استلهم رواد الفكر التنموي مفهوم التنمية، الكفيل بكسر أطواق التخلف، ومن ثم تحقيق تقدم المنطقة العربية الإسلامية، والعالم الثالث عموما، وتحديثه، بكل ما يتضمنه التحديث لديهم من إعادة إنتاج التجربة الرأسمالية الغربية على أرض العالم الثالث >[4] التي تشكل المنطقة العربية الإسلامية أحد أجزائها. وما يعنيه -بعبارة [ ص: 67 ] أشمل- عندهم من تكرار التجربة الحضارية الغربية، لأن الرأسمالية ليست مجرد نظام اقتصادي، بل التجسد الحي للحضارة الغربية المعاصرة التي نمت وتطورت في أوربا الغربية >[5] ، وما يتطلبه من اقتفاء أثر ما فعله الغرب خطوة خطوة كي نصل إلى ما وصل إليه، لأن الحضارة الحديثـة -في عـرفهم- هي حضارة عالمية واحدة، وهي كل لا يتجزأ، وهي حضارة الغرب >[6]

وبهذا المعنى للتحديث، الذي يتخذ من الغرب قدوة، حيث جرى ربط التقدم بالصناعة فقط >[7] ، تلتقي جوهريا كل الأطروحات الغربية الآنفة الذكر والماركسية، ولعل مرد ذلك استناد الماركسية إلى مقولة ماركس الشهيرة الواردة في توطئة الطبعة الألمانية الأولى لكتاب رأس المال، التي يعتبر بمقتضاها: أن البلد الأكثر تطورا على الصعيد الصناعي، إنما يعطي البلدان المقتفية أثره صورة عن مستقبلها >[8] وإلى كون الماركسية اعتراضا من ضمن النظام الغربي، لكنها ليست اعتراضا على [ ص: 68 ] النظام الذي يعمل المجتمع في كنفه >[9] .

ويبلغ هذا الالتقاء ذروته على أرض الواقع من خلال الخصائص المشتركة التي ميزت برامج التنمية المعتمدة في مختلف أرجاء المنطقة العربية الإسلامية، والعالم الثالث عموما، الذي خرج القسم الأكبر من المواد الأيديولوجية التي اعتمدت كمصدر روحي بالنسبة لبلدانه، إما من بيروقراطيات الأمم المتحدة، وإما من تقارير الخبراء الذين تنتدبهم مؤسسات المساعدة المرتبطة بالبلدان المصنعة، وإما من "الإنجيل" الماركسي >[10]

وإثر هذه الغارة الطفيفة على بعض ملامح مختلف البرامج التنموية التي اعتمدت في المنطقة، فما هي سمات خلفيتها الأيديولوجية المتمثلة في مفهوم التنمية؟

إن صياغة هذا المفهوم، بالاستناد إلى التجربة الأوروبية، يحتم حمل الطابع الفكري السائد الذي واكب تطور الحضارة الغربية، حتى نهاية القرن العشرين، والمتمحور حول جملة من الموضوعات منها >[11] :

- موضوعة رجحان الفعل والعمل باعتبار ذلك قيمة أساسية.

- وموضوعة رجحان العقل وقدرته على حل جميع المشكلات، [ ص: 69 ] حيث لا توجد مشكلات حقيقية إلا تلك التي يستطيع العلم أن يحلها.

- وأخيرا موضوعة اللانهائي الكمي.

ولعل تفاعل جملة هذه الموضوعات يقودنا إلى أهم سمات هذا المفهوم، وهي ثلاث:

- التنمية هي زيادة لا نهائية للإنتاج

إن هذه السمة تستمد جذورها -كما أسلفنا- من تفاعل الموضوعات الثلاثة الآنفة الذكر، حيث إن الفرد يحقق ذاته تحقيقا تاما بالفعل والعمل. لكن كيف يتم ذلك؟ والحال أن الإيمان بمعنى وقيمة وغاية الوجود ما فتئ يتلاشى، بعد أن فقدت قضية معنى الحياة والغاية منها منذ زمن بعيد في نظر الأوروبي الحديث جميع أهميتها العملية >[12] ، ليقتصر بذلك تحقيق الذات على قضية واحدة فقط، هي تلك الأشكال التي تستطيع أن تتلبس بها الحياة، ليتقدم الأوروبي نحو السيطرة النهائية على الطبيعة >[13]

أما السبيـل إلى ذلك فتتجـلى من خـلال الموضـوعة الثانية، بمـا تتضـمنه، من تطور لا نهـائي للعقل يجسده رقي لا محدود [ ص: 70 ] للعلم والمعرفة >[14]

وفي هذا السياق، إذا كان تطور ورقي كل من العقل والعلم غير محدود، والغاية هي السيطرة على الطبيعة، فإن أجل مظهر للتزاوج بين الطبيعة والعلم كوسيلة لتحويل خيراتها، هو الزيادة اللانهائية للإنتاج، هدف التنمية، التي تفترض ضمنيا أن الاستهلاك هو محور السلوك البشري، ليتحول الإنسان إلى حيوان إنتاج ودابة استهلاك. وبما أن مستوى هذا الأخير مرتبط بمستوى كل من السلع المعروضة والدخل، فإن أهم مؤشرات التنمية تتجه إلى التركيز المفرط على النمو الاقتصادي، وذلك إلى درجة الخلط بينه وبين التنمية السمة الثانية لهذا المفهوم.

- التنمية هي النمو

ويتجلى ذلك في صعيد أول من خلال اقتصار التنمية على موضوعة رجحان "اللانهائي" الشيء الذي ساد بمقتضاه الاعتقاد بإمكان لا نهائي في النمو، وتعريف النمو باعتباره نموا كميا صرفا >[15] أما في صعيد ثان، فإنه يبدو من خلال التركيز على الاعتقاد كذلك، بأن تحقيق النمـو سوف يعـود إلى السكـان كافة في شكل زيادات [ ص: 71 ] للدخل الفـردي، تئول إلى تقليص الفوارق الاجتمـاعية بين مختلف الفئـات والجهات، أي بعبـارة أخرى، أن النمو الاقتصادي هو بمثابة محرك التطور الاجتماعي والثقافي، ويؤدي إلى انتشار الازدهار الإنساني >[16]

وانطلاقا من هذا الدور الريادي للنمو، كيف يمكن تحقيقه على مستوى المنطقة العربية الإسلامية، كجزء من العالم الثالث لكسر أطواق التخلف، وسد الفجوة بينها وبين مجتمعات الرخاء الغربية؟

في هذا الإطار، تتنزل مختلف الرؤى التي تؤمن بمرحلية التنمية، ضمن أحادية مسارها، أي بمرورها عبر مراحل ثابتة ومحددة تبلغها المجتمعات تلو الأخرى.

ولعل أبرز هذه الرؤى على الإطلاق هي نظرية "والت روستو" القائلة: بأنه على درب النمو الاقتصادي، تمر كل المجتمعات بإحدى المراحل الخمس التالية: المجتمع التقليدي، شروط الإقلاع، الإقلاع، التطور نحو النضج، مرحلة الاستهلاك >[17]

ويجسد ذلك النمو الانتقال من الاقتصاد الفلاحي إلى الاقتصاد الصناعي، حيث التصنيع الذي يشكل التطور التقاني عموده الفقري، مركز الصدارة، الظاهرة، التي تضعنا أمام السمة الثالثة والأخيرة لمفهوم [ ص: 72 ] التنمية التغريبي الذي وقع اعتماده.

- التصنيع أساس التنمية.. والتقانة جوهرها

إذا كان هذا المفهوم التغريبي ينظر إلى التنمية في إطار خطى تتتابع في خضم مختلف مراحله المجتمعات، بهدف بلوغ مستوى تقدم حضارة الرخاء الغربية عبر إعادة إنتاج تجربتها، فإن اعتبار التصنيع أساس التنمية، يعد إذا نتيجة منطقية، بعد أن جرى ربط التقدم الذي أحرزه الغرب بالصناعة فقط، التي تحول بمقتضاها التصنيع إلى محرك التنمية الوحيد في الدول الغربية المتقدمة التي تعرف بأنها الصناعية أو المصنعة >[18]

وفي هذا السياق، يبدو كأن تخلف المنطقة العربية الإسلامية كجزء من العالم الثالث، ليس إلا مجرد تأخر في التصنيع، يضاهي مستواه ما حققته المجتمعات الغربية من نمو أثناء مرحلة إقلاعها، ولذلك يمكن تلافيه واللحاق بركب الحضارة والتقدم الصناعي بمحاكاة النموذج التاريخي الغربي للتنمية، وتوخي السياسات نفسها التي تنطبق على كل المجتمعات التي تعيش مرحلة النمو نفسها.

فبالنسبة إلى الإقلاع، مثلا، هناك نظرية النمو المتوازن... وإثر تشييد البنى الأساسية وإنجاز الدفعة الأولى من الصناعات، هناك نظرية [ ص: 73 ] النمو غير المتوازن >[19] . وتشترك كل من النظريتين في الاعتماد على دور الدفعة القوية أثناء فترة الإقلاع والتوسع الاقتصادي، تلك الدفعة التي قد يتطلبها طبيعيا بعث مشروع أو بعض المشاريع الكبرى المحدودة، أو بعث جبهة ضخمة من المشاريع المختـلفة الأحجام والمتفاعلة فيما بينها >[20] ، وبخلاف ذلك فلكل منها وجهتها.

إلا أن اعتماد النظريتين السالفتي الذكر على دور الدفعة القوية، بما تعنيه من ضرورة إيجاد دفق مالى في البداية، بغية الخروج من الركود، ومباشرة عملية التوسع الاقتصادي >[21] ، وبما تمثله من امتداد لأصل تحليلات التخلف التي تعتبر فقدان الرأسمال المالي والتقني بمثابة المصدر الأول للشر >[22] ، يفترض وضع التقانة في قلب التصنيع ليتحول التحديث إلى مسألة تقنية فحسب >[23] ، إذا ما تحقق سوف ينشر الرخاء، ويعم الازدهار، وتقتلع جذور الشر، ويقطع دابر التخلف.

والتحديث لا يعني في هذا الإطار، وبالإضافة إلى ما أسلفنا من كونه تكرارا للتجربة الأوربية، إلا اللجوء إلى الغرب، مالك ناصية [ ص: 74 ] التقدم التقني، لتوريد التقانة "العصا السحرية" للتصنيع وجوهر النمو الكمي للدول الصناعية، دون الأخذ بعين الاعتبار الظروف التاريخية التي بمقتضاها تحقق ذلك النمو، في حين أن العودة إلى التاريخ الطويل هي مفتاح فهم حركات التصنيع والتنمية >[24]

ولعل أهم ما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق، هي عملية الاستغلال الفظيع للعمال، بالتوازي مع ظاهرة الاستعمار، التي واكبت قيام الحضارة الغربية مهد الرأسمالية، والتي من دونها قد يوضع قيام تلك الحضارة ومستوى تقدمها المادي محل تساؤل، حتى لا نذهب إلى استحالته من الأصل... بالإضافة إلى اختلاف خصائص اقتصاديات الدول الرأسمالية قبل تحقيق إقلاعها الصناعي مباشرة، عن خصائص المنطقة العربية الإسلامية والعالم الثالث عموما، التي تشكو تبعية تكنولوجية ومالية وتجارية كبرى، وتجابه صناعتها الفتية منافسة صناعات عتيدة يهيمن عليها رأس مال عالمي ديدنه الربح الأقصى، ينهب الآخر ليترعرع، ويسحقه ليتوسع.

وعموما، فإذا كان ما تطرقنا إليه يمثل ولو جزئيا مفهوم التنمية الذي اعتمد على صعيد الاستراتيجيات التنموية، والذي اتخذ الأنموذج الغربي كمثال، لكنه أثبت فشله في كسر أطواق التخلف [ ص: 75 ] وتحقيق التقدم على أرض المنطقة العربية الإسلامية... لا يبقي لنا إلا أن نتساءل عن الكيفية التي ساهم بها التصنيع في مشكلة الغذاء؟

التالي السابق


الخدمات العلمية