أضواء على مشكلة الغذاء بالمنطقة العربية الإسلامية

عبد القادر الطرابلسي

صفحة جزء
المبحث الثاني: الأسباب غير المباشرة

تتمثل الأسباب غير المباشرة -كما أسلفنا- في العوامل الديمغرافية والطبيعية، التي تعتبر لدى بعض التفسيرات السائدة، من الأسباب الرئيسة. [ ص: 81 ]

1- العوامل الديمغرافية والطبيعية

إن الانفجار السكاني الهائل الذي يحدث داخل المنطقة العربية الإسلامية، يعد في تقديرنا من بين الأسباب غير المباشرة لمشكلة الغذاء بها، فما هي سمات هذا الانفجار؟ وكيف يساهم في تغذيتها؟

لقد شهد حجم السكان بالمنطقة العربية الإسلامية -رغم التفاوت المسجل بين مختلف أقطارها- قفزة عملاقة أثناء هذا النصف الأخير من القرن العشرين. فبعد أن كان يقدر بحوالي 76.7 مليون نسمة سنة 1950م، ارتفع إلى حوالي 250.4 مليون نسمة سنة 1995م، ومن المنتظر أن يبلغ ما يناهز 457 مليون نسمة سنة 2025م (جدول رقم 7) ، مسجلا بذلك نسب تغير سنوية يحوم معدلها على امتداد فترة (1950-2025م) حول 2.4% مقابل 0.4% ببلدان أوروبا ، و1.4% بشمال ووسط أمريكا، و1.7% بآسيا .

ويعزى هذا التزايد المطرد لعدد السكان، إلى الحفاظ على نسب ولادات مرتفعة نسبيا 44.9% و35.6% خلال فترتي (1970-1975م) و (1990-1995م) ، مقابل ميل نسب الوفيات نحو الانخفاض 15.5% و 8.1% متوسط نفس الفترتين الآنفتي الذكر تباعا (جدول رقم 8) .

وقد انجر عن هذه الظاهرة، وفق تعبير "كارلو سيبولا" دخول أقطار [ ص: 82 ] المنطقة العربية الإسلامية، كجزء من العالم الثالث، مرحلة الوفيات الصناعية، في حين أن ولاداتها ظلت فلاحية >[1] ويعني ذلك أنها، بعد أن كانت تعيش نسب إنجاب ووفيات مرتفعة نسبيا، حالت دونها وحدوث زيادة ملموسة في السكان، شهدت تغييرا جذريا على صعيد هياكلها الديمغرافية، انخفضت معه الوفيات كما هو الشأن في سائر الدول الرأسمالية أساسا، في حين أن الميل إلى كثرة الإنجاب ظل مرتفعا نسبيا بالمقارنة مع ما هوعليه بتلك الدول، التي كان تغيير هياكلها الديمغرافية وليد تحولات عميقة لهياكلها الذهنية، والاقتصادية، والاجتماعية، خلافا للمنطقة العربية الإسلامية التي سبق تغيير بناها الديمغرافية تحول هياكلها الفكرية والاقتصادية والاجتماعية.

ومرد ذلك إلى كون الوسائل الوقائية والخدمات الصحية التي تقضي على جل مسببات ارتفاع ظاهرة الوفيات، أسقطت على المنطقة العربية الإسلامية منذ اتصالها بالحضارة الغربية، الذي مهد له بالأخوات البيض والطبيب >[2] .. ليتوج بالاستعمار الرأسمالي المباشر. [ ص: 83 ]

كما أنه يعود كذلك، علاوة على الميل إلى كثرة الإنجاب بالمقارنة [ ص: 84 ] مع ما هو عليه بالدول الرأسمالية الغربية، كما أسلفنا، إلى جملة من الأسباب الأخرى، منها تفشي ظاهرة الزواج المبكر في صفوف الفتيان والفتيات، وما يتولد عنه من استغلال أقصى لفترة الخصوبة لدى المرأة العربية المسلمة، التي رغم انخفاض معدلها من 6.7% أثناء فترة (1970-1975م) إلى 5% على امتداد فترة (1990-1995م) ، فإنها تظل من أعلى معدلات الخصوبة في العالم (جدول رقم 9) ، بالإضافة إلى زيادة السكان غير الطبيعية الناجمة عن استقطاب بعض الأقطار العربية الإسلامية، مثل الإمارات والكويت وقطر وليبيا ولبنان ... لليد العاملة الأجنبية.

وقد تولد عن هذا الانفجار الديمغرافي ضغط على النشاط الفلاحي، أصبح بموجبه عرض الإنتاج الغذائي عاجزا عن تلبية الطلب المتزايد على المواد الغذائية... وضغط كذلك على الموارد الطبيعية الزراعية، لما يتطلبه من كميات إضافية من مياه الشرب والري ومن مساحات للسكن، ولبقية مرافق الحياة الأخرى.

وعموما، إذا كان التفاوت بين نسق النمو السنوي للسكان ووتيرة نمو الإنتاج الغذائي، الذي تزيد من حدته منافسة مختلف الأنشطة للقطاع الفلاحي في استعمال المياه، وكذلك التوسع العمراني على حساب الأراضي الصالحة للزراعة، حقيقة لا جدال بشأنها على صعيد [ ص: 85 ] المنطقة العربية الإسلامية، فلماذا لا تعد العوامل الديمغرافية والطبيعية -في تقديرنا- من الأسباب المباشرة لمشكلة الغذاء، مثلما تذهب لذلك بعض التفسيرات التي تضيف إليها الجفاف والتصحر والانجراف؟

ذلك ما سنحاول أن نتبينه من خلال محاولة الغوص في أعماق الواقع، إثر تسليط بعض الأضواء على تلك الظواهر الطبيعية على صعيد المنطقة العربية الإسلامية..

فالانجراف الذي يعرف بأنه العملية التي يزال بها سطح التربة جزئيا أو كليا، وينقسم إلى مائي وهوائي (جدول رقم 10) ، يعد المائي منه من أخطر مظاهر التعرية بهذه المنطقة، لأن جريان المياه على سطح التربة الجافة والمتشققة تحت تأثير الحرارة والجفاف، يؤدي إلى جرف التربة السطحية الناعمة، وإلى حفر أخاديد عميقة في المناطق التي تكون فيها التربة متفككة وقابلة للانجراف..

وتقدر المساحة المتأثرة بالانجراف المائي في المنطقة العربية الإسلامية بحوالي 44.6 مليون هكتار، أو ما يوازي 3.2% من الرقعة الأرضية لسنة 1994م، وتعد السودان من بين أكثر الأقطار العربية تضررا، حيث تمثل المساحة التي تتعرض إلى الانجراف المائي بها نحو 40% من مجموع المساحة العربية المتأثرة بالتعرية المائية، تليها اليمن حوالي 13%، فالجزائر وتونس بقرابة 9%، ثم المغرب بحوالي 8.5%، فبقية [ ص: 86 ] الأقطار العربية..

أما الانجراف الهوائي، الذي يؤدي إلى انخفاض خصوبة التربة وتدني إنتاجيتها نتيجة للإزالة المستمرة لسطحها وفقدانها المادة المغذية للنبـات، فتبلغ المسـاحة المتأثرة به زهـاء 161.3 مليـون هكـتار أو ما يعادل 12% من الرقعة الأرضية العربية لسنة 1994م. وتعتبر الأقطار الأكثر عرضة هي: السعودية وليبيا والسودان وموريتانيا والجزائر التي تستحوذ فيما بينها على حوالي 78% من مجموع المساحات العربية المتأثرة بالتعرية الهوائية، أو تباعا على التوالي: 31% و 15% و 14% و11% و 8%.

ومن بين الأسباب الكامنة وراء استفحال ظاهرة الانجراف، يوجد تدهور المراعي، بالإضافة إلى انحسار الغابات، التي سجلت على صعيد المنطقة العربية الإسلامية انخفاضا يقدر بنحو 19.7 مليون هكتار خلال الفترة الممتدة من سنة 1979م إلى غاية سنة 1994م >[3]

لكن أضرار تدهور المراعي الطبيعية وتحطيم الغابات، لا تقتصر على تفاقم الانجراف، بل ينجم عنها كذلك زحف التصحر، الذي يعرف بأنه: التحول في خصائص الأرض والانهيار الطويل الأمد في الإنتاج البيولوجي، والتدهور المستمر في التربة، وتحول قطعة أرض [ ص: 87 ] طبيعية إلى أرض قاحلة >[4] .

ولـئن يعد عدم خلو مختلف القارات من الصحاري ظاهرة طبيعية، فإن ما اعتبر غير طبيعي وأثار فزع الإنسانية جمعاء هو ضرب التصحر الساحل الإفريقي في سنة 1973م. وبتحوله من ظاهرة طبيعية إلى معضلة بيئية أتت على الحرث والنسل والماشية، دعت منظمة الأمم المتحدة لعقد أول مؤتمر للتصحر بنايروبي (عاصمة كينيا ) ، خلال الفترة الممتدة من 29 أغسطس إلى 9سبتمبر 1977م، وذلك بهدف فهم أسبابه ورسم الخطط الكفيلة بالحد من خطورته. وقد حدد هذا المؤتمر أربع درجات للتصحر: طفيف، معتدل، شديد، وشديد للغاية >[5] .

وعلى صعيد المنطقة العربية والإسلامية، لئن يقدر المركز العربي لدراسات المناطق الجافة والأراضي الجافة والأراضي القاحلة، المساحة المهددة مباشرة بالتصحر بحوالي 8600 مليون هكتار منها حوالي 9% مهددة مباشرة بالتصحر الحاد، موزعة بنسبة 50% بالسودان و40% بالمغرب العربي و10% في دول المشرق العربي >[6] ، فإن الأستاذ الباحث [ ص: 88 ] عدنان هزاع البياتي ، وبالاعتماد على خارطة العالم للتصحر الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة سنة 1977م، يقدر تلك المساحة المتأثرة بالتصحر بنحو 703.9 مليون هكتار >[7] ، تمثل منها ذات التصحر الشديد نسبة 39.9%، تليها ذات التصحر المعتدل بنسبة 28.7%، فذات التصحر الشديد للغاية بنسبة 17%، ثم تأتي في المرتبة الأخيرة ذات التصحر الطفيف بنسبة 14.4%.

أما عن بعض أسباب هذا التصحر، فإنها تعـود بدورها، إلى تدهور المراعي وتحطيم الغابات، كما أسلفنا. فالرعي الجائر للحيوانات والاقتلاع المستـمر للأعشاب، يـؤدي إلى إزالة الغطـاء الأخـضر الذي يكسـو سطح التربة، ومن ثم فإن التربة السطحية الناعمة تتحول إلى رمال متحركة. كما أن إزالة الغـابات، بسبب تزايد حاجة الإنسان إلى الأخشاب أو توفيـر مواقع لإقامة الأحيـاء السكنـية الحضرية، أو نتيجة الحرائق المتكررة، تساهم بدورها في اتساع رقعة التصـحر، بما يتولد عن قطع الأشجار من فقدان لحماية الأرض، الظاهرة التي تجعلها عرضة للرياح ولفعل الشمس الذي يؤدي إلى الجفاف أولى الخطوات باتجاه التصحر.

وعلى ضوء ما تقدم، وبعد أن تجلت آثار اعتداء الإنسان على [ ص: 89 ] حدود النظام البيئي، متمثلة في تعميق وتسارع الانجراف والتصحر والجفاف، فهل يحق لنا اعتبار تلك الظواهر الطبيعية من الأسباب الجوهرية لمشكلة الغذاء، على صعيد العالم الثالث عموما، مثلما تذهب إلى ذلك بعض التفسيرات السائدة بتغييبها دور الإنسان أو التقليل من شأنه في استفحالها، التي تعد في اعتقادنا إنذارا للإنسان وثأرا للبيئة الطبيعية منه جراء سلوكه المشين إزائها؟

والآن ماذا عن بقية العوامل الديمغرافية والطبيعية التي تحتل بدورها نفس الدرجة لدى تلك التفسيرات؟

التالي السابق


الخدمات العلمية