الإعـلان من منظـور إسلامي

الدكتور / أحمد عيساوي

صفحة جزء
(4) مبدأ مشروعية الرسالة الإعلانية

يشكل ركن الرسالة الإعلانية في عملية الاتصال الإعلاني كلها عاملا رئيسا وفاعلا، يتوقف عليه -إلى حد كبير- نجاح العملية الإعلانية كلها، أو فشلها كليا أو جزئيا. وعليه، فإن صياغة مضمون وشكل الرسالة الإعلانية عامل مهم وحاسم للمنتج المعلن، ولوكالة الإعلان معا. فعليها يترتب إقبال جمهور المستهلكين أو نفورهم من الإعلان. لذا تحرص الوكالات الإعلانية والمنتجين معا على إعداد دراسات مستفيضة ودقيقة عن الجمهور الموجه إليه الإعلان، وعن قيمهم، وديانتهم، وثقافتهم، ولغتهم، ومستوياتهم الاجتماعية، [ ص: 88 ] والاقتصادية، بغرض إتقان صياغة مضمون الرسالة صياغة جيدة، ضمانا للفاعلية التأثيرية في جمهور المستهلكين الحقيقيين والمرتقبين.

ولذا يحرص المنتجون ووكالات الإعلان الغربية على صياغة وتوجيه أدق المضامين فاعلية وتأثيرا في رسائلهم الإعلانية.. ومن أجل إنجاحها، ينطلقون من مبادئ وثقافة الفرد الغربي أولا، ثم يضعون فيها -في نفس الوقت- مضامين موجهة للفرد المرتقب في العالم، الذي ينوون (تغريبه) بتعميم نموذجهم الثقافي عبر الرسالة الإعلانية.

ولئن كان الإعلان الغربي -كما نراه الآن- الموجه إلى المجتمعات الغربية وغيرها، لا يتورع عن الإشهار لكل أنواع المحرمات من السلع، والخدمات، والتسهيلات، والمنشآت... كإعلاناته عن جميع أنواع الخمور والمسكرات، ولحوم الخنازير، والمعاملات المصرفية الربوية والاحتكارية، والخدمات السياحية والترفيهية العارية عن القيم والمبادئ الأخلاقية، لانطلاقه أساسا من فلسفة أيديولوجية وثنية قائمة على التحلل في كل شيء، وتأليه الإنسان، وشهوات الإنسان، في مبادئ صاغها منظرو الفكر الليبيرالي الوثني الحر دعت إلى: (دعه يمر، دعه يعمل، دعه يقول، دعه يكتـب، دعه يسمع، دعه يعلن، دعه يفعل ما يشاء في إطار قانونه الوضعي...) . >[1]

فإن الإعلان الإسلامي على النقيض منه، يتورع عن ممثالة نفس [ ص: 89 ] الممارسات الإعلانية التي يقدمها الإعلان الغربي، وذلك عائد لتأسسه على تعاليم المرجعية الشرعية التي اختزلتها حقائق الدين الإسلامي المطلقة، والتي حوتها أصوله ومصادره الرئيسة من كتاب، وسنة، وإجماع، وقياس، واجتهاد.... >[2]

إن الإعلان الإسلامي محكوم بضوابط الدين، وممنهـج وفـق محدداته الشرعية، التي تضبط مساره الكـلي الأصـولي، والتي تكـيـف وتحـرك تفـاعلاتـه ومكونـاتـه ونشـاطه الجزئـي الفـروعي، لا يتعـداها ولا يتخطاها مطلقا.

وتأسيسا على هذه القواعد الأصولية والفروعية معا، فإن الإعلان الإسلامي لا يمكنه أن يحمل رسائل مناقضة لكليات الدين وفروعياته، مثل: ما تنشره الكثير من الصحف، وتبثه الكثير من القنوات السمعية والبصرية في الكثير من البلاد العربية والإسلامية عن العرافات والمنجمات، وقارئي وقارئات الكف والبخت.

هذا مثل عن بعض الخدمات التي يمارسها الإعلان العربي في البلاد العربية والإسلامية.. أما عن السلع مثلا، فإن الإعلان الإسلامي محكوم خلال نشاطه الإشهاري بألا يعلن عن السلع المحرمة، مهما كان العذر أو الربح العائد، لتشديد المولى تبارك وتعالى على تحليل دائرة الحـلال في الإسـلام، وتحـريم دائـرة الحرام أيضا. يضاف إلى ذلك [ ص: 90 ] ما تنتظمه السنة والقواعد الأصولية والفروعية لفهم هذه الأحكام ودرجتها على المكلفين زمانا ومكانا.

كما يلتزم الإعلان الإسلامي أيضا بحكم الشارع في الامتناع التام عن الإعلان لكل أشكال الخدمات المحرمة، كما هو حال الكثير من الصحف، والقنوات السمعية البصرية، التي تعلن عن ألعاب الميسر، واليانصيب، واللهو، والسياحة الخليعة، والحفلات المختلطة بين الجنسين، والسهرات الماجنة، لنهيه سبحانه وتعالى عن ذلك.

وعليه، فإن الرسالة ومكوناتها ومضمونها الإعلاني في الإعلان الإسلامي، محكومة -أساسا- بتعاليم الدين الإسلامي، سواء من حيث مشروعية السلعة، أو من حيث مشروعية عناصر ومكونات المضمون الفكري للرسالة الإعلانية.









>[3] [ ص: 91 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية