صفحة جزء
المبحث الأول: الاستعداد العقلي والروحي والشخصي للمتفقه

مثل الرسول صلى الله عليه وسلم لطالب العلم بالأرض التي تستقبل الماء، وتنبت الزرع، فإذا كانت الأرض صالحة انتفعت بالماء في نفسها، وأنبتت، فنفعت غيرها، وكذلك طالب العلم إذا كان مستعدا لتلقي العلم عقليا وروحيا وشخصيا. وفيما يلي تفصيل ذلك الاستعداد.

المطلب الأول: الاستعداد العقلي للمتفقه

لا تحصل الملكة الفقهية لطالب العلم الشرعي إلا إذا كان قوي [ ص: 87 ] المدارك، يعرف مقتضى الكلام ومعناه، فيدرك ما إذا كان اللفظ مجردا عن القرائن، أو أن له قرينة تصرفه عن ظاهره، سمعية كانت أو لفظية، وهو الذي عبر عنه صاحب جمع الجوامع بقوله: (فقه النفس) >[1] وشرحه الجلال المحلي بقول: (شديد الفهم بالطبع لمقاصد الكلام ) >[2] ، ووضحه الماوردي بقوله: (الفطنة والذكاء ما يصل به إلى معرفة المسكوت عنه من أمارات المنطوق، وإن قلت فيه الفطنة والذكاء لم يصح منه الاجتهاد) >[3] . وعبر عنه المحلي بالعقل. والعقل غريزة لا تتعلق بالاكتساب. وكلما كان العقل أقرب إلى حالته الطبيعية كلما انطبعت فيه الملكات، كما يعتقد ابن خلدون >[4] . وقد جعل الله العقول معادن الحكمة، ومقتبس الآراء، ومستنبط الفهم، ومعقل العقل، ونـور الأبصار، بها يسـتدل على ما أخبر به من علم الغيوب، فيها يقدرون الأعمال قبل كونها، ويعرفون عواقبها قبل وجودها، وعنها تصدر الجوارح بالفعال بأمرها، [ ص: 88 ] فتسارع إلى طاعتها، أو تزجرها فتمسك عن مكروهها >[5] .

وقد اختلف في تحديد ماهية العقل تبعا لكثرة وظائفه، فنقل عن كل من أحمد بن حنبل والمحاسبي أنه غريزة. وروي عن المحاسبي أنه نور في القلب، وقيل: جوهر روحاني خلقه الله تعالى متعلقا ببدن الإنسان، وقيل: قوة للنفس الناطقة، وقيل: قوة يفصل بها بين حقائق المعلومات >[6] .

والتحقيق -كما قال ابن الجوزي - (أن يقال: العقل ينطق بالاشتراك على أربعة معان. أحدها: الوصف الذي يفارق به الإنسان البهائم، وهو الذي استعد لقبول العلوم النظرية وتدبير الصناعات الخفية الفكرية. وهو الذي أراده من قال: غريزة، وكأنه نور يقذف في القلب يستعد به لإدراك الأشياء. والثاني: ما وضع في الطباع من العلم بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات. والثالث: علوم تستفاد من التجارب تسمى عقلا. والرابع: أنه منتهى قوته الغريزية إلى أن يقمع الشهوة الداعية إلى اللذة العاجلة) >[7] .

ومن الواضح أن العقول متفـاوتة في الاستعداد لتلقي العلوم، [ ص: 89 ] فلا بد من اختبار أعلى المستويات العقلية والذهنية لدراسة الفقه الإسلامي. فقد كانت الأمة الإسلامية توجه أبناءها الأذكياء لدراسة الفقه، أمثال أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم. ولذلك كان على الأمة إيجاد محاضن للأذكياء وتوجيههم نحو دراسة الشريعة الإسلامية منذ المراحل الأولى للدراسة، والتركيز عليهم من الناحية الأخلاقية والعلمية ومتابعتهم حتى تحصل لهم الملكة الفقهية. ويراعى في اختيار هـؤلاء الأذكياء أن يكونوا ذوي عزائم قوية، ومواهب فطرية تتعلق بدراسة الفقه الإسلامي. ولا يكتفى في اختيارهم على شهاداتهم التي تثبت درجاتهم في المـواد التي يدرسونها، بل لا بد من اختبار لقياس القدرات والإمكانات والمواهب. وتتم متابعة هـؤلاء الأذكياء وتوجيههم باحترام شخصية الطلاب، وتقوية عزيمتهم وبعثها لنيل الدرجات العليا، وتقديم الحوافز المادية والمعنوية لهم. كما ينبغي على الموجهين الابتعاد عن أساليب التحقير والتقنيط والتشديد، وغير ذلك. ولا بد من أن نخص هـؤلاء الأذكياء بدروس إضافية تتلائم مع ما يمتلكون من مواهب وقدرات. يقول الشيخ عبد الحميد بن باديس في رعاية هـؤلاء الأذكياء: (رأيت أن لهم الحق أن يأخذوا حظهم من التربية [ ص: 90 ] والتعليم على وجـه ينـاسبهم، فأسست لهم درسا يوم الأحد من كل أسبوع...) >[8] .

التالي السابق


الخدمات العلمية