الظاهرة الغربية في الوعي الحضاري (أنموذج مالك بن نبي)

بدران بن مسعود بن الحسن

صفحة جزء
الديـن في مفـهـوم ابـن نبي رحمه الله

يرى ابن نبي أننا حينما نتأمل القرآن (يبدو الدين ظاهرة كونية تحكم فكر الإنسان وحضارته، كما تحكم الجاذبية المادة، وتتحكم في تطورها. والدين على هذا يبدو وكأنه مطبوع في النظام الكوني، قانونا خاصا بالفكر، الذي يطوف في مدارات مختلفة، من الإسلام الموحد إلى أحط الوثنيات البدائية ) >[1] فهو قانون من قوانين الله عز وجل التي فطرت عليها النفس [ ص: 95 ] الإنسانية.. وهو (فضلا عن أنه يغذي الجذور النفسية العامة، فإنه يتدخل مباشرة في العناصر الشخصية التي تكون الأنا الواعية في الفرد، وفي تنظيم الطاقة الحيوية التي تصنعها الغرائز في خدمة هذا الأنا ) >[2]

ثم يرجع ابن نبي إلى التاريخ باعتباره السجل الأمين للتحولات التي شهدتها البشرية، فيجد التاريخ يشهد أن الدين ثابت من ثوابت الشخصية الإنسانية، ليس هذا فحسب، بل إن الدين كان من وراء كل المنجزات البشرية، ولهذا فابن نبي ينتقد نظرية ( توينبي ) في التحدي والاستجابة، لأنها وإن كانت تفسر قيام بعض الحضارات فإنها لا تفسر لنا قيام بعضها الآخر، كما ينتقد ما ذهب إليه ( ماركس ) ومدرسة المادية التاريخية، إذ أن من الحضارات ما لا يمكن أن نفسر قيامها بالعامل المادي، مثل الحضارة الإسلامية، وحتى الحضارة الغربية نفسها، كما يتنقد ما ذهب إليه دعاة التفوق العرقي، وقيام الحضارات على أساس العرق، ويقدم الدين بديلا تفسيريا لقيام الحضارات ومنجزاتها عبر التاريخ. يقول ابن نبي : (كلما أوغل المرء في الماضي [ ص: 96 ] التاريخي، في الأحقاب الزاهرة لحضارته، أو المراحل البدائية، وجد سطورا من الفكرة الدينية. ولقد أظهر علم الآثار دائما -من بين الأطلال التي كشف عنها- بقايا آثار خصصها الإنسان القديم لشعائره الدينية، أيا كانت تلك الشعائر ) >[3] ، ليس هذا فحسـب، بل إن الحضـارات ما أشـرقت إلا من أمثـال الكعبة أو معبد سليمان، ومن هناك كانت تشرق هذه الحضارات لكي تنير العالم. ولهذا يقرر أن (الدين الذي هو التعبير التاريخي والاجتماعي عن هذه التجارب المتكررة خلال القرون، يعد في منطق الطبيعة أساس جميع التغيرات الإنسانية الكبرى، وإذا فلن نستطيع أن نتناول الواقع الإنساني من زاوية المادة فحسب ) >[4]

فابن نبي لا يرى الفكرة الدينية نسقا من الأفكار الغيبية فقط، ولا يقصرها على الدين السماوي فقط، بل هي قانون يحكم فكر الإنسان، ويوجه بصره نحو أفق أوسع، ويروض الطاقة الحيوية للإنسان، ويجعلها مخصصة للحضارة >[5] ، وهي في نظره كل فكرة تقدم معبودا غيبيا ووعدا أعلى، ابتداء من [ ص: 97 ] الإسلام الموحد إلى أحط الوثنيات. ولهذا فهو يعقد فصولا، خاصة في كتابه (شروط النهضة) ، لتحليل دورتين من دورات الحضارة; هما الحضارة الإسلامية والحضارة المسيحية لاستخراج السر الذي دفع بكلتا الحضارتين إلى مسرح التاريخ، وتحديد الموقع الذي يمثله الدين في حركة الحضارة. وهو بتحليله لهذين الدورين ينتهي إلى تأكيد أن السر الكوني الذي يركب العناصر الثلاثة الأساسية للحضارة; الإنسان والتراب والوقت، ويبعثها قوة فاعلة في التاريخ هو الدين.

فكلتا الحضارتين تنطلقان (من الفكرة الدينية التي تطبع الفرد بطابعها الخاص، وتوجهه نحو غايات سامية ) >[6] بل أن ابن نبي يرى أن هذا القانون الدافع للحضارة لا نجده في الحضارتين: الإسلامية والغربية فحسب، بل يتعداه إلى بقية الحضارات التي سجلها تاريخ الإنسانية، كالديانة البوذية في الحضارة البوذية، والبرهمية في الحضارة البرهمية. أي أن كل حضارة في أساسها ذات مبعث ديني. ولا يمكن للحضارة أن تظهر في نظر ابن نبي إلا (في صورة وحي يهبط من السماء [ ص: 98 ] يكون للناس شرعة ومنهاجا، أو هي -على الأقل- تقوم أسسها في توجيه الناس نحو معبود غيبي بالمعنى العام ) >[7]

ومن هنا فالحضارة تبدأ عندما يمتد نظر الإنسان إلى أفق أعلى من يومه وعن حقبته التي يعيشها، ومن هنا ينبغي علينا أن نتتبع تأثير الدين من خلال تركيبه بين العبقرية الإنسانية والشروط الأولية للحضارة، أي تتبع ذلك (الاطراد بين الفرد والفكرة الدينية التي تبعث الحركة والنشاط) >[8]

الوظيفة الاجتماعية للدين

إن الدين في ضوء القرآن له غايتان،

فإن قـوله تعـالى: ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) (الذاريات:56) ، يبين أن الدين غايته أن يربط الأرض بالسماء، وهو حين ينشئ الشبكة الروحية التي تربط الفرد والمجتمع بالله، فإنه في الوقت نفسه يبني شبكة العلاقات الاجتماعية التي تتيح لهذا المجتمع أن يضطلع بمهمته الأرضية، وأن يؤدي نشاطه المشترك، وهو بذلك يربط أهداف السماء بضرورات الأرض.. فهذا القانون [ ص: 99 ] الذي بينته الآية، لم يرد أن يفصل الناس عن الأرض، ولكن أراد أن يفتح لهم طريقا أعظم خيرا ليضطلعوا بعملهم الأرضي >[9]

من هذه الوجهة ينظر ابن نبي إلى الدين باعتبار أن له وظيفة الربط بالله عن طريق هذا الوضع الإلهي، كما أن له أن يفتح آفاقا أوسع للإنسان حينما يربطه بأبعاد السماء، ويرفع بصره إلى ما بعد حياته الأرضية. فهناك غايتان للدين; ربط الصلة بالله، وبناء شبكة العلاقات الاجتماعية التي تدخل بالمجتمع دائرة الحضارة.

وباعتباره يبحث عن القوانين التي تحكم التغيير الاجتماعي، وينظر في شروط البناء الحضاري، فإن ابن نبي يركز على الوظيفة الاجتماعية للدين، معتمدا في ذلك على الاعتبارات النفسية الاجتماعية بالإضافة إلى الاعتبارات التاريخية >[10] ، فهو يختبر هذه الوظيفة من ناحيتين; من ناحية تسجيل الفكرة الدينية في النفوس، ومن ناحية تسجيل الفكرة الدينية في التاريخ، وهو ما بينه في كتابه (شروط النهضة ) >[11] ، [ ص: 100 ] وهذا الاختبار لعمل الفكرة الدينية، جعله يختار دراستها في إطار دورتين حضاريتين مختلفتين، هما; دورة الحضارة الإسلامية، ودورة الحضارة الغربية.

فمن الجانب التاريخي، يتتبع ابن نبي كيفية عمل الفكرة الدينية، من خلال الحقائق التاريخية المنقولة، أما من الناحية النفسية الاجتماعية، فإنه يتتبع بالتحليل والتركيب كيفية دخول الفكرة الدينية في بناء الشخصية الإنسانية، وكيفية دخولها في تركيب ثقافي معين، وكيفية إحداثها للتغيير الاجتماعي، ثم كيف تصبغ تجربة معينة من خلال إعطائها المبررات المتمثلة في المثل الأعلى. وما دام الموضوع متعلقا بالحضارة الغربية، فإن تركيز البحث سيكون حول المسيحية وبديلاتها الدينية واللادينية في الحضارة الغربية.

ولهذا فهو يقرن ميلاد الحضارة الغربية بتسجيل الفكرة المسيحية في النفوس، يقول: (إن الفكرة المسيحية قد أخرجت أوروبا إلى مسرح التاريخ. ولقد بنت عالمها الفكري انطلاقا من ذلك. ومع عصر النهضة استعادت اكتشافها العالم الإغريقي فتعرفت على (سقراط) باعث الأفكار، و (أفلاطون) المؤرخ [ ص: 101 ] لتلك الأفكار، و (أرسطو) مشرعها. غير أن هذا العالم الذي التقت به ثانية وهي تقتفي أثر الحضارة الإسلامية قد اكتسى منذ (توماس الأكويني) صبغة مسيحية ) >[12]

فالمسيحية تعتبر في نظر ابن نبي دافعا أساسيا في تشكيل أوروبا ككيان حضاري، بالرغم مما أضيف إليها من بعد إغريقي. كما يؤكد ذلك ( توينبي ) نفسه، بأن المسيحية كانت مركبا مهما من مركبات الحضارة الغربية، واعتبرها من الأديان الكبرى التي ارتبطت بحضارات تاريخية، فإذا كانت البوذية ارتبطت بالصين والهندوسية بالهند والإسلام بالحضارة الإسلامية، فإن المسيحية ارتبطت بالحضارة الغربية >[13] وابن نبي نفسه يحيلنا إلى الغربيين بقوله: (هكذا يجب أن نلتفت نحن إلى مختبر التاريخ ليدلنا على المركب الذي تدخل في تركيب العناصر الثلاثة: الرجل، والتـراب، والوقـت، كيما يكونـها حضـارة. ولا أريد هنا إطالة الكلام على تأثير الدين كعامل مركب للحضـارة، فمـن درس تـاريخ الحضـارة الغربـيـة، (تويـنـبي) أو (ماسيس) ، يرى أثر الفكرة المسيحية في تركيبها ) >[14] [ ص: 102 ]

وهذا ( برنال ) في كتابه (العلم في التاريخ ) عندما يتحدث عن حركة الإصلاح البروتستانتي يقول: (كانت الحركات التي قضت على الإقطاع والنفوذ الكنسي هي نفسها التي قضت على العبودية والأنظمة المتخلفة المتوارثة، وكما في السياسة كذلك في العلم حدثت ثورة على التقاليد، التي حررت عقل وإبداع الإنسان وأخرجته من الدائرة الضيقة التي كان مسجونا فيها) >[15] وهذا هو الدور الذي كان ابن نبي ينظر إليه بقوله: إن (الفكرة المسيحية شكلت أنا الأوروبي أو ذاته، كما صاغت منظر أوروبا الذي نشهده في منتصف هذا القرن ) >[16]

وبما أن الفكرة الدينية تشكل الأنا، الفردي والجماعي، فإن هذه الفكرة المسيحية كانت المشكل الأول للفردية الأوروبية، والأنا المتفوق الذي كان يشعر به الغربي في بداية حملة التوسع الاستعماري الغربي في العالم، يقول ( هانتنجتون ) : (المسيحية الغربية -الكاثوليكية أولا ثم البروتستانتية- هي المميز التاريخي [ ص: 103 ] الوحيد الأكثر أهمية في الحضارة الغربية. وفي الحقيقة، خلال الألفية الأولى -ما صار يعرف اليوم بالحضارة الغربية- كان يسمى الغربي المسيحي. وهناك شعور مسيحي مشترك بين الغربيين يجعلهم يحسون بروابط بينهم تميزهم عن الترك والبيزنطيين وغيرهم) >[17]

بل إن المسيحية كانت الفكرة الوحيدة، والدافع الأخلاقي الذي وظفته أوروبا -كما سبق- لغزو العالم، يقول ابن نبي : (في هذا المجتمع ذي الفضائل الجذبية الأثرة -التي سنت التعاون وجهلت سنة الضيافة- أودعت المسيحية (خميرة) التوسع الأخلاقي، الذي استخدم فيما بعد ذريعة للحروب الصليبية، وللمشاريع الاستعمارية ) >[18] بل كما يرى (هانتنجتون ) أن الغربيين في القرن السادس عشر لما انطلقوا في غزوهم للعالم، كان ذلك من أجل الله ومن أجل الذهب أيضا >[19] . ويستشهد ابن نبي بالتفسير الذي ذهب إليه (كسرلنج ) الذي يرى الحضارة [ ص: 104 ] الغربية الأوروبية باعتبارها تركيبا مكونا من روح المسيحية وتقاليد الجرمانية. ومن قبله المؤرخ الفرنسي ( جيزو ) الذي كان ينظر إلى الأشياء من هذه الزاوية نفسها قبل (كسرلنج ) بقرن كامل >[20]

كل هذا التأكيد من ابن نبي على أن المسيحية كانت المفعل الأول لشروط الحضارة الأولية في الغرب، يدفعنا إلى التساؤل عن موقع اللادينية، أو بتعبير أصح ما موقع الماركسية ؟ وما موقع المادية من تفسيره لدور الدين؟ أين الدين في التجربة الماركسية ، بل وفي أوروبا الحداثة وما بعد الحداثة ؟

يرى ابن نبي أن المسيحية التي شكلت الغرب، ليست هي مسيحية عيسى عليه السلام والحواريين، وإنما هي المسيحية التي نمت في أوروبا وسجلت وجودها النفسي في الغرب بعد ثلاثة قرون من تسجيلها في التاريخ، وخضعت خلال ذلك كله إلى تشكيل خاص أدخل في تكوينها البعد الأغريقي واليهـودي، مما يمكن أن نسميها الفكرة الإغريقية اليهودية المسيحية، وصارت تشكل الإطار النفسي الذي تتشكل فيه الخميرة الأخلاقية، وينمو فيه الأنا الغربي، فرديا كان أو جماعيا.. وبما أن الديـن سنة مرتبطة بالوجـود الإنساني كما سلف، وهو سنة مفتوحة كما أشار (باقر الصدر ) من قبل، فإن [ ص: 105 ] الفكرة الدينيـة تبـقى تعمل، (وتقـوم بـدورها الاجتمـاعي ما بقيت متمسكة بقيمتها الغيبية... أي بقـدر ما تكون معـبرة عن نظرتـنا إلى ما بعد الأشياء الأرضية ) >[21] ، وعندما تفقد هذه القيمة الغيبية، فإنها تترك مكانها، أو تعمل بواسطة بديلاتها اللادينية نفسها >[22] ، وهـذا ما حدث في الغرب، عندما كانت المسيحـية لا تملك بعدا غيبيا متماسكا، فإنها بقيت إطارا أو بنية تحتية أنتجت الماركسية، التي هي في حقيقتها دين بمفهـومها العـام بمـا تقدمـه من تفـسير للنظرة الكونيـة، وبما تقـدمه من وعـود، وبما قامت به من ربط ودفع نفسي لمعتنقيها. فالمادية إذا مفهومية دينية في حقيقتها حينما تطرح نفسها بديلا للدين >[23]

وخلاصة الحديث عن الفكرة الدينية، أن ابن نبي يستعمل مفهوم الدين باعتباره تلك السنة التي فطر الله عليها الإنسان، وأن الدين وحده هو المركب الحقيقي للقيم الحضارية، وهو يعطي شرارة الانطلاق لتدخل الحضارة في التاريخ، وتتحقق في عالم الإنجاز. [ ص: 106 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية