فقه الواقع (أصول وضوابط)

الأستاذ / أحمد بوعود

صفحة جزء
المبحث الثالث: لماذا فقه الواقع؟

رأينا أن الإنسان هو المحور الذي عليه يدور الكون والوجود وله سخر، وطلب إليه أن يعبد الله عز وجل خالقه بهذا التسخير، وقد صنع الله عز وجل كل مقومات هذه العبادة ومقتضيات الاستخلاف في هذ الكون، وذلك أنه علم آدم عليه السلام الأسماء كلها لأنها واقعه.

وسنحاول هنا الإجابة عن السؤال: «لماذا فقه الواقع؟» وما هي الضرورة التي تدعو إلى الكلام عنه والبحث فيه؟ هذه الإجابة تكتمل بالكلام أولا عن أهمية فقه الواقع، ثم بالكلام عن «تطرفين» في التعامل مع هذا الواقع. [ ص: 67 ]

ولعل وجود هذين «التطرفين» كان الدافع الأساس إلى الكتابة في هذا الموضوع والبحث فيه.

1- أهمية فقه الواقع

إذا غفل الإنسان عن واقعه، وأعمى بصره وبصيرته عنه، فإنه لن يعبد الله عز وجل حق عبادته كما أمر، ومن لا يتصفح مع نصوص القرآن وصحيح الحديث حقيقة الواقع المتغير، الذي جعل الله تغيره بلاء، يعجز عن عبادة الله وعن الاجتهاد >[1]

ويقول الأستاذ عمر عبيد حسنة : «إن دراسة المجتمعات، وفهم واقعها، وتاريخها وثقافتها ومعادلاتها الاجتماعية، هو الذي يوضح لنا كيفيات وآليات التعامل معها، ومواصفات خطابها، والفقه الذي يمكننا من التدرج في الأخذ بيدها إلى تقويم سلوكها بشرع الله»

>[2]

إذن، يمكن لفقه الواقع أن يدلنا على منهج الاجتهاد ونوعه المطلوب، كما يفتح لنا باب التجديد، ويضع معالم التغيير، كل هذا طبعا تحت ضوء المنهاج الشرعي واستمدادا من أصوله. [ ص: 68 ] وسنوضح ذلك من خلال ما يلي:

يعتبر باب الاجتهاد من الأبواب الأساسية الثابتة في كتب أصول فقه المذاهب، على اختلاف أصولها.. وقد تختلف هذه النظرة باختلاف اعتبار الاجتهاد وتعريفاته.

وقد تكلم الأصوليون في باب الاجتهاد عن شروط المجتهد، فكان أغلبها، إن لم نقل كلها، يتكلم عن متعلقات الحكم والنـص، ربما بحـكم أن المجتـهد في تلك العصور كان واحدا مـن المجتمع المسـلم منخـرطا فيه، معايشا لآمال الناس وآلامـهم، فكانت الاجتهادات ضمنيا منبعـثة من أعـماق الواقع الإنساني... ولكن بعد أن سد باب الاجتهاد وسيطر الجمود، ابتعد المسلمون في واقعهم عن شريعة الإسلام، واستمر الكلام عن الاجتهاد وشروطه بعيدا عما يجب أن يكون، محلقا في أجواء النظري فقط، وانغلق المسلمون في دائرة النص، وهذا ما زاد في تعميق أزمة الاجتهاد وعقدها. [ ص: 69 ] يقول الأستاذ عمر عبيد حسنة : «من مظاهر أزمة الاجتهاد اليوم أيضا، أن التركيز في شروط أهلية الاجتهاد انصرف في معظمه إلى معرفة وفقه النص في الكتاب والسنة، أو إلى تحرير النص وبيان صحته، وهذا المطلب أو هذا الفقه لا شك أنه من الأبجديات التي لا تتحقق القراءة والكسب إلا بها، ولا تتوفر المعايير والموازين للأشياء إلا فيها، ولكن هناك جانبا آخر بشكل عام وهو فهم أو فقه محل النص وموطن تنزيله، إلى جانب فقه النص، أي لا بد من فقه النص وفهم الواقع الذي يراد للنص أن يقومه وينزل عليه، وفي هذا لا يكفي حفظ النصوص، بل لعلنا نقول: إن فقه النص لا يتوفر على حقيقته إلا بفهم الواقع» >[3]

ويؤكد الدكتور يوسف القرضاوي أن على المجتهد أن يكون ملما بثقافة عصره، حتى لا يعيش منعزلا عن المجتمع الذي يعيش فيه ويجتهد له، ويتعامل مع أهله >[4]

بينما يرى الدكتور حسن الترابي أن الاجتهاد اليوم يتوقف على دراسة المجتمع دراسة اجتماعية واقتصادية وبيئية بالاستفادة من علوم الطبيعة، [ ص: 70 ] ويقول «ولا يمكن أن نجتهد إلا إذا تعلمنا علوم الطبيعة كما نتعلم الشريعة، ذلك أن علم الطبيعة هو الذي يعرفك بالواقع وأدواته، ومهما حصل لك من العلم الديني بمعالجات الشريعة وبأدوية الشريعة فلا بد لك من تشخيص المجتمع لتعلم الداء، ثم تقدر ما هو الدواء الشرعي المعين الذي يناسب ذلك المجتمع، وذلك يستدعيك أن تدرس المجتمع دراسة اجتماعية واقتصادية، وأن تدرس البيئة الطبيعية دراسة فيزيائية، حتى تستطيع أن تحقق الدين بأكمل ما تيسر لك» >[5]

ويرى الشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله أن معرفة الواقع للوصول به إلى الحكم الشرعي واجب مهم من الواجبات التي يجب أن يقوم بها طائفة مختصة من طلاب العلم المسلمين النبهاء، كأي علم من العلوم الشرعية، أو الاجتماعية، أو... >[6]

إلا أن الألباني يرى أن هناك اهتماما مبالغا فيه من طرف بعض الدعـاة والمفكـرين بفـقه الواقـع... معـللا ذلك أن أزمـة المسلمين لا ارتباط لها بفقه الواقع.

هـنا أقـول: إن كان هنـاك مـبالغـة وتضخيم لفقه الواقع ودعوة قائمة له، فإن ذلك للحاجة الماسة له لتصحح الحركة [ ص: 71 ] الإسلامية مسارها وتوجهاتها، ومواقفها التي غالبا ما تعود بالسلب على الحركة ورجالاتها. وقد كان الدكتور عبد المجيد النجار مصيب جدا، وكذلك الأستاذ عمر عبيد حسنة وغيرهما عندما أكدوا على أن «افتقار الصحوة الإسلامية إلى فقه منهجي ناضج لتوقيع الدين هو الذي نراه سببا مهما في تأخر إثمارها في مجال التطبيق» >[7]

ولا يرتبط فقه الواقع بالاجتهاد فقط، وإنما يرتبط بالتجديد أيضا.

وفرق بين الاجتهاد والتجديد؛ لأن الأول يطلق في مجال الأحكام الشرعية وتطبيق النص، وأما الثاني فمدلوله أوسع وشامل لكل قضايا الفكر والثقافة والدين والمجتمع...

والتجديد -كما يرى الدكتور زكي الميلاد - على وجهين:

داخلي وخـارجي، فالداخلي يجدد الفكر نفسه مما علق به من شوائب ليستعيـد حيويتـه، والخـارجي يجـدد فيه الواقع [ ص: 72 ] إصلاحا وتطويرا >[8] وتجديد الواقع لن يكون دون فهم الواقع واستيعابه، إلا أن هذا التجديد للواقع لن يكون مجرورا بالواقع محكوما به، كما ذهب إلى ذلك الدكتور حسن حنفي (وغيره) عندما أعلن أن التجديد هو إعادة تفسير التراث طبقا لحاجات العصر.

والحركة الإسلامية اليوم مطالبة بالاجتهاد والتجديد، وكذلك التغيير لهذا الواقع في مظاهره المنحرفة والفاسدة.. ومن الحماقة تغيير الواقع دون فهمه والإحاطة بمكوناته ومؤثراته. يقول الأستاذ عمر عبيد حسنة : «والتغيير لا بد له من إدراك المراد الإلهي أولا ومن ثم آليات فهم المجتمع بالمستوى نفسه، حتى يتم الإنجاز» >[9] .

وبذلك يجعل فقه الواقع في مستوى فقه النص والحكم، لا يقل عنه مرتبة.

ويرى الأستاذ محمد بن جبرة أن مدى نجاح أي حركة تغيير في مقولاتها ومنهجها، يرتبط أشد الارتباط بمدى فهم العاملين فيها للواقع المراد تغييره، ذلك لأن التغيير يبتدئ بنقد الواقع نقدا [ ص: 73 ] يفضي إلى الحكم عليه كليا أو جزئيا بالبطلان، وينتهي بإلغائه وإحلال صور أخرى محله، فهو بهذا المعنى يتنزل منزل السبب بالنسبة للعمل التغييري، ولا بد لفهم المسبب من فهم عميق للسبب >[10]

وطبعا إذا غفلت الحركة التغييرية عن الواقع في عملها فإن مصيرها أحد ثلاثة: التأخر، أو الفشل، أو الاندثار.. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين : «من لا يعرف واقع المسلمين ومنابع الفتنة في تاريخهم، وحاضرهم في العالم وحضورهم، وطبيعة الصراع الدائر بين الإسـلام والصليـبـية اليهودية، لا يستطيع أن ينزل شرع الله على واقـع يستعصي... وتشتـد وطأة البلاء فتـكون «لا يجوز» تعبيرا عن الرفض، وتغيب ضرورة الصبر والتدرج» >[11]

إن الجهل بالواقع والغفلة عنه يؤدي إلى أن يسود الجمود والتحجر والانغلاق، وأن تغيب سعة الإسلام ورحمته، وتندثر مقاصده، ومن ثم تلغى شريعة الله عز وجل من جميع المجالات، وخاصة في ظل حكم الجبر!! [ ص: 74 ]

2- بين تطرفين

بعد منتصف القرن الرابع الهجري سد باب الاجتهاد، ليس في مجال الفقه والأصول فحسب، وإنما في جميع ميادين الفكر الإسلامي، وساد التقليد وغلب الجمود على الحياة الإسلامية.. ولعله من المعقول الآن القول: إن جمود الاجتهاد أدى إلى جمود الحياة الإسلامية، وعوضت الأحكام والقوانين الإسلامية بغيرها من القوانين الغربية.

وهكذا أصبح يتجاذب الأمة الإسلامية طرفان:

- طرف ينادي بالتشبث بالتراث الإسلامي بتفسيراته وتحليلاته ومشخصاته كما هي، ويدعو إلى الكتاب والسنة، دون أن يضع منهجا للفهم والتعامل معهما ومع التراث الإسلامي.. ويرى أن الخلل ليس في ميراث المسلمين وإنما في التابعين. وهذا الطرف أدى به اختياره إلى الحرفية والسكون، وإلى منهج التكفير والتبديع والتحريم، وتضييق حدود الشرع.

- وطرف ينادي بتجديد التراث الإسلامي (وضمنه الوحي) باعتباره جامدا لا يحقق نهضة وتقدما في مستوى تقدم الغرب.. [ ص: 75 ] فهذا الطرف، وهو المنبهر بالغرب أدى به اختياره إلى العلمانية واللائكية، وهي طامة لم تعرفها القرون السابقة.

وسنعرض لوجهة نظر الطرفين المتطرفين:

أ- التطرف الأول

أشرنا فيما سبق إلى أن الطرف الأول تطرف في اعتبار حرفية النص الديني دون الواقع... والغريب أن هناك من ظن أنه كتب عن فقه الواقع دون أن يتطرق حقيقة إلى فقه الواقع، حيث رأى أن فقه الواقع هو مجرد حفظ أو معرفة نصوص الكتاب والسنة >[12] !!

وقد أرجع كثير من رواد الحركة الإسلامية ومفكريها سبب تأخرها إلى قصورها في اعتبار الواقع وإغفالها له، يؤكد هذا الدكتور النجار حيث يقول: «ولكن أكثر ما كان يأتيها من فشل في النتائج، أو من ضمور فيها، كان يأتيها من قصور في تمثل الواقع الإنساني، الذي تهدف إلى إصلاحه، وفي امتلاك تصور عميق لطبيعته، ولعناصر تكوينه، وعوامل تفاعلاته» >[13] ، وذلك أن [ ص: 76 ] الحركة الإسلامية تعاملت مع واقعها المعقد، الطاغية فيه حضارة الغرب، بميراث فقهي وفكري صيغت منه أحكام لقضايا كانت تلح على الأسلاف.

ويقول الدكتور الترابي : «وقد بان لها (أي الحركة الإسلامية) الفقه الذي بين يديها، مهما تفنن حملته بالاستنتاجات والاستخراجات، ومهما دققوا في الأنابيش والمراجعات، لن يكون كافيا لحاجات الدعوة وتطلع المخاطبين بها، ذلك أن قطاعات واسعة من الحياة قد نشأت من جراء التطور المادي، وهي تطرح قضايا جديدة تماما في طبيعتها، لم يتطرق إليها الفقه التقليدي، لأن علاقات الحياة الاجتماعية وأوضاعها تبدلت تماما، ولم تعد بعض صور الأحكام التي كانت تمثل الحق في معيار الدين منذ ألف عام تحقـق مقتـضى الدين اليـوم، ولا توافي المقاصد التي يتوخاها، ولأن الإمكانات قد تبدلت وأسباب الحياة قد تطورت، والنتائج التي تترتب عن إمضاء حكم معين بصورته السالفة قد انقلبت انقلابا تاما» >[14]

وقد سبق للدكتور الترابي أن أوضح هذا في حوار له مع [ ص: 77 ]

الأستاذ عمر عبيد حسنة ، عندما كان يتكلم عن تجربة الحركة الإسلامية في السودان ، حيث قال: «... وهناك أمر آخر أيضا، وهو أننا لم ندخل عنصر الواقع إدخالا تاما في تقديراتنا، وليس الدين إلا محاولة للتوحيد بين الأنمـوذج الـشرعي المثـالي وبـين البـيئة المادية والاجتماعـية الواقـعة، ولا يتم فقه الدين وعلمه إلا إذا تكامل علم الشرع المنقول بعلم الواقع الاجتماعي، محليا أو دوليا، ماديا كان أو اجتماعيا، لأن حركة التدين تتأثر صيغتها النهائية بهذا الواقع الذي هو الإطـار الذي ينصـبه الله سبحانه وتعالى ابتلاء للعبد» >[15]

وتكلم الأستاذ كمال الحيدري (أستاذ الفلسفة الإسلامية في الحوزة العلمية بقم) عن تجربة التغيير في إيران ، فقال: «أما عندما جئنا إلى الحكم الإسلامي وواجهنا مشاكل يجب أن نجيب عليها، وجدنا ذلك الفقه الموجود بين أيدينا، لا أقول لا يستطيع مطلقا، لكنه في كثير من الموارد لا يستطيع الإجابة على هذه المسائل» >[16] لأنه صيغ في ظروف محددة ولمتطلبات معينة. [ ص: 78 ]

وفي ندوة نظمها المعهد العالمي للفكر الإسلامي، قال الدكتور محمـد زقـزوق : «إن الحـزب الإسـلامي في إنجـلترا وضـع مـن أول أهـدافه تطبـيق الشـريعـة الإسـلاميـة في إنجـلتـرا!» وعـلـق عـلى هـذا قـائـلا: «هـذا تعـامل مـع وهـم، وليـس تعاملا مـع واقـع عـلـى الإطلاق» >[17]

نعم، مـن يقـرأ هـذا الخبـر بشدة الحماس تسري في عـروقه دماء إسلامية جديدة مبعثها العزة لدين الله عز وجل ، فرحا بتطبيق شرع الله عز وجل في بلاد الكفر، ولكن إذا تأمل لحظة وطرح على نفسه السؤال التالي: لماذا لم يطبق شرع الله عز وجل في بلاد الإسلام منذ زمان؟ وبأي وجه سيطبق في بلاد الكفر...؟ فـإنه يـدرك أن هـذا الـهـدف لم يسطر فـي الأرض، وإنـمـا سـطر في الفضاء!

يقول الشيخ القرضاوي عن أمثال هؤلاء «رأينا فقهاء الأوراق يقاتلون على أشياء يـمكـن التسـامح فيـها، أو الاخـتلاف عليـها، أو تأجيلها إلى حين، ويغفلون قضايا حيوية مصيرية، تتعلق بالوجود الإسلامي كله، وهؤلاء قوم قد لا ينقصهم الفقه، ولئن جاز تسميتهم (علماء) فلا يجوز تسميتهم (فقهاء) لو كانوا يعلمون» >[18] [ ص: 79 ]

ب- التطرف الثاني

أشرنا فيما سبق إلى أن التطرف الثاني دعا إلى تجديد كل قديم بما يناسب العصر، كما أشرنا إلى أن التجديد عند حسن حنفي هو إعادة تفسير التراث طبقا لحاجات العصر... >[19] .

وذلك بدعوى أن العصر تغير، وبالتالي ينبغي الاختيار والوجهة، يقول: « فخطؤنا نحن أننا نأخذ نفس الاختيار بالرغم من تغير حاجات العصر» >[20]

ويرى هذا الطرف أنه مع تغير الأنماط الحضارية واللحظات التاريخية يتغير كل شيء، حتى القيم، فهي تغيرت وتبدلت عندما انتقل التاريخ بالإنسان من الجاهلية إلى الإسلام، وهي قابلة، بل يجب أن تتغير مع التغير الحضاري والتكنولوجي. [ ص: 80 ]

يقول الدكتور محمد النويهي : «الحقيقة التي يشهد لها التاريخ هي أن القيم الأخلاقية ليست قوالب ثابتة لا يطرأ عليها التغيير، بل هي في تطور دائم وتبدل مستمر، وسر هذا أنها ليست اعتبارات نظرية بل هي أمور حيوية جدا، متصلة أشد الاتصال بضرورات المجتمع وظروفه، مرتبطة بنظمه السياسية، وأحواله المادية، وأوضاعه الاقتصادية وطرق تحصيله للرزق، فهي تتغير -أو ينبغي أن تتغير- كلما تغيرت هذه الظروف واختلفت هذه الضرورات» >[21]

ويعيب الدكتور النويهي على أصحاب الاختيار القديم اختيارهم رغم ما يجلب عليهم من أضرار، وخسائر مادية، فالوضع الآن تغير، والأوضاع السابقة لم تعد ملائمة للوضع الجديد، فهذه الحقيقة -في نظره- لا يدركها أو لا يسلم بها كثيرون من أعضاء المجتمع، «فهم يصرون على الاحتفاظ بقيم كانت مناسبة لأحوال وأوضاع ماضية، وربما لم تعد صالحة للظـروف الجديدة، وهـم في هـذا الإصـرار يتخذون مواقـف عاطفية مشحـونة تجعل من العسير مناقشتهم، فهم يسخطون [ ص: 81 ] أقـوى السخط على من يدعـوهم إلى تغيير قيمهم ويظنون به أسوأ الظنون» >[22]

ويستغرب كيف أن هؤلاء يلتمسون لوجهات نظرهم تبريرات دينية، ويردون كل جديد لمخالفته الدين! يقول: «ولا تزال وجهة النظـر الأولى التي ينـظـرون بها إلى كل رأي جديد يعلن عليهم، أو مـذهـب جـديـد يدعـون إليـه، هي وجهة النـظر الدينـية، هـم لا يسألون: هل هذا الرأي في ذاته صحيح أو خاطئ، وهل هذ المذهب في ذاته نافع أو ضار، بل يسألون أولا: أهو مطابق للدين أم مخالف له؟» >[23]

وهذا ما يؤيده حسن حنفي بقوله «الواقع له ألوية على كل نص» ، ويستشهد بالقاعدة الشرعية: «لا ضرر ولا ضرار» >[24]

وقد تبنى الفرنسي المسلم روجيه جارودي هذا الموقف في كتابه «الإسلام»، حين أعلن أن «القانون الإلهي، الشريعة، يوحد المؤمنين كلهم، في حين أن الزعم بفرض تشريع القرن السابع الميلادي وللجزيرة العربية، على الناس جميعهم في القرن العشرين، إنما هو عمل يعطي صورة مزيفة، رافضة، للقرآن الكريم، إنها جريمة ضد الإسلام» >[25] [ ص: 82 ]

وفي نظر جارودي أن القرآن الكريم والسنة لم يشرعا في المطلق، «إنهما أدليا بإجابات إلهية. ولكنها دائما تاريخية، ومشخصة عن مشكلات مجتمع أقل تعقيدا من مجتمعنا» >[26]

وهذه ليست حجة جارودي وحده، بل هي أيضا حجة كل من الدكتور النويهي والدكتور حسن حنفي .

فالنويهي يرى أن كل التشريعات التي تخص أمور المعاش الدنيوي والعلاقات الاجتماعية بين الناس، والتي يحتويها القرآن والسنة، دعك من سائر مراجع التشريع الإسلامي، لم يقصد لها الدوام وعدم التغير، ولم تكن إلا حلولا مؤقتة احتاج لها المسلمون الأوائل وكانت صالحة وكافية لزمانهم وبيئتهم، فليست بالضرورة ملزمة لنا، ومن حقنا، بل من واجبنا، أن ندخل عليها من الإضافة والحذف والتعديل والتغيير ما نعتقد أن تغير الأحوال يستلزمه، وما نعتقد أنه الآن أكفل بتحقيق الغايات الإسلامية العليا >[27] . [ ص: 83 ]

ويرى حنفي أن «ما عبر عنه القدماء باسم -أسباب النزول- لهو في الحـقيـقـة أسبقية الواقـع عـلى الفكـر ومنـاداته له، كما أن ما عبر عنه القدماء باسم -الناسخ والمنسوخ- ليدل على أن الفكر يتحدد طبقا لقدرات الواقع وبناء على متطلباته، إن تراخى الواقع تراخى الفكر، وإن اشتد الواقع اشتد الفكر» >[28]

ويستشهد هذا الطرف لآرائه باجتهادات بعض الصحابة رضوان الله عليهم التي رأوا أنها تعارض بعض النصوص الصريحة، يقول النويهي «حتى تلك الأحكام القرآنية التي كانت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ملزمة، جرؤ الخليفة الراشد عمر بن الخطاب على أن يوقف تطبيق بعضها أو يلغيه إلغاء تاما، حين رأى أن تغير الأحوال في عصره لا يجعلها صالحة للتطبيق، ولا يجعلها مؤدية إلى تحقيق الغايات السامية التي نصبها القرآن» >[29]

ويسعى هذا الطرف إلى الإقناع بأن الأحكام والقيم تتغير بتغير الظروف والأحوال والمصالح، والواقع هو الذي ينبـغي أن يقود المبادئ والقيم والأحكام فتكيف طبقـا له أو تبدل بما ينـاسبه. [ ص: 84 ]

ولا يهم هذ الطرف -كما رأينا- الوجهة الدينية، فالأزمة هنا تغليب الواقع على النص والحكم والشرع. وأحب هنا أن أورد بعض الملاحظات:

- إن رواد التغيير ومنـظـريه، يـرون أن التـغيير لا يكـون في المثـال، بل يكـون فيما هو مخالف له، وبالتالي لا ينبغي أن يكون همـنا مقاومة كل خـلـق أو قيـمة بحجـة العصر والظـروف.. ثم لا يمكن أن يكون التغيير محكوما بواقع الفساد والانحراف ومنقادا له.

- يستشهد هذا الطرف -كما أشرنا- باجتهادات بعض الصحابة رضي الله عنهم ، خاصـة عمـر بن الخطاب . والحـق أن ما فعله عمر رضي الله عنه «لم يكن في الواقع ناشئا من تطور الأمة إلى حالة تستدعي وضع أحكام جديدة تلغي النصوص وتحل محـلـها، بل نشـأ مـن عـدم تحـقـق شـروط العمل بتلك النصوص، أو هـو من قبـيل استثناء جزئيات من النص العام لمصلحة -شرعية- عارضة» >[30]

- يرى هؤلاء أن أسباب النزول دليل على أسبقية الواقع على [ ص: 85 ] الفكر.. ونقول: إن ما عرف بأسباب النزول إنما يدلنا على إجابات الوحي عن أسئلة الواقع وقضاياه، يرشدها ويقومها، ولا يدل على أن الوحي في فترة نزوله كان يساير الواقع ويتكيف وفقه أو يخضع له.

ثم إن أسباب النزول -وكما هو واضح عند علمائنا- منهج الوحي في تعليمنا، ولا تدل أبدا على أن النص أو الحكم المنزل خاص بسببه وواقعه، وإنما اقتضت رحمة الله عز وجل أن يكون هناك سبب لنزول الوحي، حتى نتعلم ونفهم أوامر الشرع ونواهيه، ونطبقها كما أراد لها سبحانه وتعالى .

- أما الزعم بأن كثيرا من «الأخلاق» تغير بمجيء الإسلام، فإنما تغير من السلب إلى الإيجاب، من الظلم إلى العدل، من الشر إلى الخير، من ظلم الجاهلية إلى نور الإسلام، في حين أن الأخلاق المراد تغييرها اليوم إنما هي من أجل جلب المصالح المادية، وبهذا -حسب زعمهم- يصبح الربا حلالا، والزنا مشروعا، والسرقة حقـا، وهلم جرا.

- يعيب الدكتور النويهي على الرافضين للجديد أنهم يتخذون مواقف عاطفية مشحونة تجعل من العسير مناقشتهم.. وهذا الحكم فيه كثير من التجاوز والمجازفة والتعميم ومحاولة [ ص: 86 ] الخروج عن النصوص الشرعية باسم العلمية والموضوعية.

وهذا الطرف لا يدرك دور الإيمان في التغيير والتجديد، إذ قضايا التغيير في نظره تحتاج إلى علم دون دين، وإلى واقعية دون إيمانية مسبقة >[31] .

- وقد يحاول من نرى أنه يمثل الاتجاه العلماني في الأمة باستمرار التأكيد على أسبقية الواقع للنص أو «الفكر»، حسب اصطلاحهم، في محاولة لإبعاد الدين وإقصائه كلية، وتنصيب العقل مشرعا.

ويحاول حسن حنفي أن يدافع عن العلمانية ويعتبرها استردادا لحرية الإنسان في السلوك والتعبير، وحريته في الفهم والإدراك، ورفضه لكل أشكال الوصاية عليه، ولأي سلطة فوقه إلا سلطة العقل والضمير... ويؤكد بأن العلمانية في تراثنا وواقعنا هي الأساس، واتهامها باللادينية تبعية لفكر غريب، وتراث مغاير، وحضارة أخرى >[32] . [ ص: 87 ]

- اعتمد هذا الطرف على أسس ثلاثة:

أولها: المهم في فهم النصوص ما يحقق مقاصد الوحي، ولذلك ينبغي أن يكون الفهم مرتبطا مباشرة بالمقصد.

ثانيها: اختصاص النص بظروف نزوله وأسبابه، مما يتيح أن يكون معناه محدودا بزمن تلك الظروف والأسباب.

ثالثها: سلطان الواقع على العقل في فهم النصوص القطعية. فهذا الواقـع الذي يعـبر عـنه غـالـبا «بروح العصر»، وما ساد فيه من أوضاع و «قيم» جديدة، ينبغي أن يكون محددا لأوجه الفهم في تلك النصوص، وهو ما لخصه حسن حنفي في قوله «لا سلطان إلا للعقل، ولا سلطة إلا لضرورة الواقع» >[33]

وقد أحسن الأستاذ عمر عبيد حسنة حين قال: «وقد تكون مشكلة الحضارة اليوم أن الذين أدركوا آليات فهم الواقع لم يؤمنوا بالخطاب الإلهي، وكثير من الذين آمنوا بالخطاب الإلهي لم يدركوا آليات فهم الواقع» >[34] [ ص: 88 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية