نحن والحضارة والشهود [الجزء الأول]

الدكتور / نعمان عبد الرزاق السامرائي

صفحة جزء
الأهداف الكبرى لخلق الإنسان

لو تساءلنا عن الأهداف الكبرى التي خلق من أجلها الإنسان، ماهي؟ يمكننا جمعها في هـدفين كبيرين: عبادة الله، وعمارة الأرض.

أولا: عبادة الله تعالى

يقـول سبحـانه وتعـالى: ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) (الذاريات:56) ..

والعبادة لغة: الانقياد والذل والخضوع >[1] .

يقول الفيروزأبادي >[2] : (العبادة: الطاعة، وهي أبلغ من العبودية؛ لأنها غاية التذلل، لا يستحقها إلا من له غاية الإفضال، وهو الله تعالى.. العبادة ضربان: ضرب بالتسخير، وضرب بالاختيار، وهو النطق، وهو المأمور به في قوله تعالى: ( اعبدوا ربكم ) (البقرة:21) ، وقد ورد العبد والعبادة في القرآن على ثلاثين وجها... )

والمعنى الاصطلاحي للعبادة، لا يخرج عن المعنى اللغوي، وقد جعلها شيخ الإسلام ابن تيمية، اسما جامعا لكل ما يحبه الله تعالى ويرضاه، فصارت تشمل العبادات البدنية والمالية والقلبية.

والعبادة تطلق -عادة- على معنيين اثنين هـما:

أ- معنى واسع: يشمل كل عمل مباح يفعله المسلم، يبتغي به وجه الله تعالى، وقد نقل إلينا ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسا في نفر [ ص: 101 ] من الصحابة، فمر بهم رجل، فذكر بعضهم نشاطه وهمته في العمل، وقالوا: يارسول الله لو كان هـذا في سبيل الله! فقال صلى الله عليه وسلم : إن كان خرج يسعى على ولده صغارا فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة، فهو في سبيل الشيطان. ) >[3] فالعبرة لحسن النية، وصدق التوجه.

وقد اشتكى بعض الصحابة من فقرهم، وأن الأغنياء يشاركونهم العبادة، ويزيدون عليهم بالصدقة. فقد ( أخرج مسلم في صحيحه: قال بعض الصحابة: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومـون كما نصـوم، ويتصـدقون بفضل أموالهم، فقال صلى الله عليه وسلم : أليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته، ويكون له فيها أجر؟! قال: أرأيتم لو وضعها في حرام، أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال، كان له أجر. ) >[4] . [ ص: 102 ]

فالحديث يخبر بأنواع من الصدقات.. كما في المسألة أبعد من ذلك، وهي قرب الرجل أهله، يكون له في ذلك أجر؛ لأنه يعف نفسه ويعف أهله.

فالعمل العادي المباح يمكن أن يصبح عبادة، ومن ثم يحصل صاحبه على أجر، ويمكن العكس بأن يقوم المسلم بعبادة، ويكون فيها مرائيا منافقا، فيحصل على الإثم.

وقد وجدت (محمد أسد ) يتحدث عن شمول العبادة فيقول >[5] : (العبادة في الإسلام ليست محصورة في أعمال من الخشوع الخالص، كالصلاة والصيام مثلا، ولكنها تتناول كل حياة الإنسان العملية أيضا، وإذا كانت الغاية من حياتنا -على العموم- عبادة الله تعالى، فيلزمنا حينئذ ضرورة أن ننظر إلى هـذه الحياة في مجموع مظاهرها كلها، على أنها تبعة أدبية، متعددة النواحي، وعبادة الله في أوسع معانيها تؤلف في الإسلام معنى الحياة.. هـذا الإدراك وحده يرينا أحكام بلوغ الإنسان الكمال، في إطار حياته الدنيوية الفردية، ومن بين سائر النظم الدينية، نرى الإسلام وحده يعلن: أن الكمال الفردي ممكن في الحياة الدنيا ) .

إن الإسلام لا يؤجل هـذا الكمال إلى مابعد إدانته الشهوات الجسدية، ولا هـو يعدنا بسلسلة متلاحقة من (تناسخ الأرواح ) على [ ص: 103 ] مراتب متدرجة -كما هـو الحال في الهندوكية- ولا يوافق البوذية التي تقول بأن الكمال والنجاة لا يتمان إلا بعد انعدام النفس الجزئية، وانفصام علاقتهما الشعورية من العالم، كلا إن الإسلام يؤكد في إعلانه: أن الإنسان يستطيع بلوغ الكمال في حياته الدنيا الفردية، وذلك بأن يستفيد استفادة تامة من وجود الإمكان الدنيوي في حياته.

تصور جيد وشامل للعبادة في الإسلام.. وقد وجدت د.ماجد الكيلاني يحصي ثلاثة اتجاهات في العبادة: اتجاه ديني.. اتجاه اجتماعي.. اتجاه كوني >[6] .

والاتجاه الديني يتمثل في ممارسة الشعائر الدينية، بينما يتمثل الاتجاه الاجتماعي في علاقة الفرد بغيره، وضبط شبكة العلاقات الاجتماعية، أما الاتجاه الكوني فينظم علاقة الإنسان بالكون، ويتطلب معرفة جيدة به.. ويرى د. الكيلاني وجوب تكامل وتساند هـذه الاتجاهات كلها، كي لا يصاب التدين بنوع من القصور.

أما إذا حصل انفصال بين هـذه الاتجاهات، فحصر مثلا مفهوم العبادة بأداء الشعائر فقط، فهنا سينتج عن ذلك بعض الآثار السلبية، منها:

1- عدم الاهتمام بالاتجاهين: الاجتماعي والكوني، وعندها تنحسر العلوم الاجتماعية والكونية، أو تنحرف عن مسارها الصحيح، فيعمل كل واحد ضد الآخر. [ ص: 104 ]

2- يفرز الفصل بين الاتجاهين الديني وغيره، فريقا من المتعلمين، بعضه يكون متدينا، لكنه يتصف بالسلبية والمسكنة (كما هـو حال أهل التصوف ) ، وفريقا من الاجتماعيين، يتصف بالانفلات.

3- إن الفصل يمكن أن يخرج نماذج من المتدينين، تتصف بالتواكل والكسل والجبرية، على حين تتصف مجموعة من المهنيين بالمادية الاستهلاكية (وهذا بعض ما نعانيه اليوم ) .

4- لقد أفرز الفصل بعض العاملين في الحقلين الاجتماعي والكـوني، بحيـث صـاروا متمردين عـلـى القيم والأخـلاق، وهذا مـمـا يشـعـل الصـراع والتطـاحن داخل المجتمعات الإسـلاميـة، فتـتـولد انقسامات كثيرة، بحيث ينشغـل أفـراد المجـتمع بذلك، (وجل مجتمعاتنا اليوم تعاني من ذلك ) .

5- إن الفصل يعطل رسالة الدين في الإصلاح الاجتماعي، ويعيقه عن محاربة الشر والفساد، بل قد يدفع بالدين ورموزه ليصبحوا عامل دعم للفساد، ومن هـذا المنطلق نجد (المترفين ) يفصلون بين الدين، وتأثيره في الحياة، ويريدونه طقوسا بلا روح،

يقول سبحانه وتعالى : ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب [ ص: 105 ] وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هـم المتقون ) (البقرة:177) .

فمن أجل أن يكون المسلم من أهل البر، فلا تكفي الصلاة، بل ينبغي توفر الإيمان ودفع الأموال، إضافة لكافة العبادات، والالتزام بالوفاء بالعهود..الخ.

ومما يوضح هـذا (الفهم ) أن أحد الصحابة، جاء لرسول الله مبايعا، وقد وصف حاله قائلا >[7] : ( أتيت رسول الله لأبايعه، فاشترط علي شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن أقيم الصلاة، وأن أؤدي الزكاة، وأن أصبح، حجة الإسلام -أي الأولى- وأن أصوم رمضان، وأن أجاهد في سبيل الله، فقلت يا رسول الله: أما اثنتان فوالله ما أطيقهما: الجهاد والصدقة، فإنهم زعموا أن من ولى الدبر -هرب من المعركة- فقد باء بغضب من الله، فأخاف إن حضرت تلك، جشعت نفسي وكرهت الموت. والصدقة، فوالله مالي إلا غنيمة وعشر ذود -أي غنم قليلة وعشر من الإبل- هـن رسل أهلي وحمولتهم، فقبض رسول الله يده، ثم حرك يده، ثم قال: لا جهاد ولا صدقة، فبم تدخل الجنة؟! قال: قلت: يا رسول الله أنا أبايعك، قال فبايعت عليهن كلهن. ) [ ص: 106 ]

فالرسـول صلى الله عليه وسلم يرفـض بيعة الرجـل؛ لأنه أراد التنـصل من الزكاة، لقلة الأموال، ومن الجهاد؛ لأنه يخاف إن اشترك في الحرب أن يهرب، فيحق عليه غضب الله، لكن صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم يشترط بوضوح تام، إما البيعة الكاملة أو عدمها، فالقضية لا تقبل المساومة ولا التجزئة.. وهذا الفهم الشامل المتوازن كان واضحا كل الوضوح لدى جمهور الصحابة، وقد يكون ترجيح العبادة -بمعناها الضيق- والتوسع فيها جاء في عهد التابعين، ومن جاء بعدهم.

ب- معنى ضيق: الشق الثاني لإطلاق (العبادة ) يقصرها على الصلاة والصيام والحج والزكاة، وهذا المعنى هـو المتبادر إلى الذهن. والأصل في هـذا المعنى هـو النص الصحيح، ذلك أن العبادة غير معللة.

وقد نقل " عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قوله: (لو كان الدين -أي العبادة- بالعقل، لكان مسح باطن القدم أولى من ظاهره. "

ومعلوم أن العبادة مبنية على الحـظـر أي الـمـنع، فلا يجوز أن نزيد أو ننقص فيها، وقد جاء نفر من الصحابة إلى بيت رسول الله يسألون عن عبادته، فلما أخبروا كأنهم رأوها قليلة، فقال بعضهم: أصوم ولا أفطر، وقال آخر أقوم الليل ولا أنام، وقال ثالث: إنه سيعتزل النساء، فلما سمع رسول الله بذلك قال لهم: ( أنا رسول الله، أعرفكم بالله، وأتقاكم له، أصوم وأفطر، وأقوم الليل وأنام، [ ص: 107 ] وأقرب النساء، فمن خالف سنتي فليس مني. ) >[8] فالعبادة أساسها النص الصحيح، وهي تقوم على الاتباع دون الابتداع.. أما الحضارة فتقوم على الإبداع دون التقليد، لكنا عكسنا الأمر فصرنا مبتدعين في العبادة، مقلدين في الحضارة، فلا سلمت لنا العبادة، ولا أبدعنا شيئا في الحضارة.

التالي السابق


الخدمات العلمية