نحن والحضارة والشهود [الجزء الثاني]

الدكتور / نعمان عبد الرزاق السامرائي

صفحة جزء
6- قوة الإنسان وضعفه

يملك الإنسان قدرات كبيرة للارتفاع بنفسه إلى مصاف الملائكة، كما يملك قدرات مماثلة للهبوط بنفسه إلى درك سحيق، وهو في كل ذلك تتنازعه نوازع للارتفاع والهبوط، فيعيش متذبذبا لا يقر له قرار، فهو ليس بالقوي أبدا ولا بالضعيف دائما، والشعوب والأمم كذلك.. فهي بين ضعيف يتقوى مع الأيام، وقوي يضعف.. ضعيف ينهزم ويتأخر، وقوي ينتصر ويتقدم، فالقوة ليست أبدية، والضعف ليس سرمديا، ومن سنن الحضارة التداول: ( وتلك الأيام نداولها بين الناس ) (آل عمران: 140) .

لقد سجل القرآن الكريم هذه الحقيقة مرارا، يقول الله سبحانه وتعالى : ( يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا ) [ ص: 71 ] (النساء: 28) ، ويقول: ( إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا ) ( المعارج: 19-21) .

ثم يبين الحق كيف ينتقل الإنسان من قوة إلى ضعف، وبالعكس: ( الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير ) (الروم: 54) .

والله تعالى يكشف هذه الحقائق للإنسان ليعرف نفسه، فلا يطغى في فترة قوته، وكذلك الأمة، ولا يستكين ويستخذي في فترة ضعفه، وكذلك الأمة. كما يخبره أن استمرار الحال أبدا، من المحال.. فالأقوياء لا يبقون ضعفاء أبدا، ولا الضعفاء يعيشون كذلك أبدا، بل الحياة رحلة بين القوة والضعف، يستوي في ذلك الفرد والأمة والحضارة، والكافر والمؤمن والمنافق.

إن الإنسان يولد ضعيفا، وربما كانت طفولته أضعف من سائر الحيوانات، ففرخ الدجاج يستطيع تناول غذائه بعد ساعات من خروجه من البيضة، ومثله الخروف والعجل، أما طفولة الإنسان فهي الأطول، ولو ترك لحاله لمات لضعفه وعجزه.

وكثير من الحيوانات تبلغ خلال عام، ويمكن أن تحمل وتلد، إلا الإنسان فيحتاج مدة تقارب العشرين عاما. [ ص: 72 ]

يقول سيد قطب >[1] : ... ولكن هذا الإنسان في التصور الإسلامي - كما هو في الحقيقة - على كل ما استودعه الله من أمانة الخلافة الكبرى، على هذا الملك العريض، وعلى كل ما سخر له من القوى والطاقات والأشياء والأحياء، وعلى كل ما أودعه من طاقات المعرفة والاستعداد، لإدراك الجوانب اللازمة له في الخلافة، من النواميس الكونية، على كل هذا هو مخلوق ضعيف، تغلبه شهواته أحيانا، ويحكمه هواه أحيانا، ويقعد به ضعفه أحيانا، ويلازمه جهله بنفسه في كل حين، ومن ثم لم يترك أمر نفسه ومنهجه في الحياة لشهواته وهواه وضعفه وجهله، ولكن أكمل الله عليه نعمته ورعايته، فتولى عنه هذا الجانب، الذي يعلم سبحانه أنه لا يقدر عليه قدرته على المادة، ولا يعلم بمقتضياته علمه بقوانين المادة ".

الله تعالى يعلم طبيعة الإنسان وحبه لنفسه، كما علم أنه لو تركه يشرع لسعى جادا لحفظ مصلحته، على حساب مصالح الآخرين، لذا جعل التشيع حقا لنفسه تعالى، ومنح الإنسان حق التنظيم فقط، ولكن الإنسان يأبى إلا أن ينتزع هذا الحق انتزاعا.

وعن تذبذب الإنسان، ارتفاعا إلى الأعلى، وهبوطا إلى الأسفل، يقول د. سيد حسين نصر >[2] : إن الإنسان قادر على الارتفاع فوق [ ص: 73 ] مستوى الملائكة، والهبوط حتى يكون بمستوى الشيطان . ومعلوم أن الأحياء - غير الإنسان - مشدودة إلى مستوى معين من الحياة لا يغير، إلا الإنسان فهو يرتفع حينا ويهبط حينا آخر.

وهذه القدرة، أو حرية الاختيار، هي مكمن الخطر، فالإنسان بفضل هذه الحرية يملك أن يعبد الله تعالى ويعمر الأرض، كما هو قادر أن يكون ملحدا كافرا، وعنصرا هادما مخربا.

من هنا وجدنا تاريخ البشرية تدافعا بين الحق والباطل، بين الخير والشر، بين الإنسان والشيطان.. وليس صحيحا أن تاريخ الإنسانية هو مجرد صراع بين طبقات الناس بسبب المادة ومن أجلها‍ فالإنسان أكبر من أن يكون (دابة ) همها العلف، وقد كرمه خالقه، وجعله خليفة في الأرض، ليس ليتصارع حول العلف، ولكن لمعاني أكبر من ذلك كثيرا.. وإن كان الصراع واحدا من حقائق الحياة.

والدنيا فطرها الله وخلقها لتكون للبشر كافة، مؤمنهم وكافرهم، وكل يأخذ حقه وقسطه، لا يمنع الكافر من أخذ نصيبه، بسبب كفره، ولا يداري المؤمن لإيمانه، فالله تعالى يعطي المؤمن والكافر، المؤيد والمعارض، وليس كما يفعل بعض الناس، فيمنحون المؤيد ما يريد، ويمنعون المعرض من أي حق يريد.

يقول الحق: ( كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا ) (الإسراء: 20) . [ ص: 74 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية