الارتقاء بالعربية في وسائل الإعلام

نور الدين بليبل

صفحة جزء
ملاءمة العربية للأسلوب الإذاعي

لا يختلف اثنان في أن اللغة العربية تعتبر من أهم اللغات العالمية ملاءمة للأسلوب الإذاعي، فقد شكل الشعر العربي النموذج الأمثل في جدلية المشافهة، وكما يقول الشاعر: " والأذن تعشق قبل العين أحيانا " .. كذلك يتيح ثراء اللغة العربية للصحفي الإذاعي بأن يعرض مادته، وفق الأسلوب الأكثر سحرا ووضوحا، يقول الأستاذ " بيثر ويليت " ، أحد رواد الأخبار الإذاعية في الولايات المتحدة [ ص: 71 ] الأمريكية: " إن المستمع يستنجد بخياله الخاص، لتصوير المنظر، والمخبر الإذاعي الممتاز هو الذي يستطيع أن يصور المنظر بنفس الدقة والإتقان اللذين يلتزمهما المصور، فعلى المخبر الإذاعي أن يرسم بالكلمات صورا حية " .

ويسعى رؤساء التحرير في محطات الإذاعة والتلفزيون في العالم بصفة مستمرة إلى مراجعة المادة الإخبارية، حيث يكون اختيارهم للكلمات مقصودا، وقائما على دراسة دقيقة لطبيعة اللغة المستخدمة، والإطار الدلالي للألفاظ، أو مدى ما تحدثه من تأثير.

لقد كان الإعلامي الأمريكي " أودين نيومان " ، بمحطة إن بي سي، ينكب على النصوص المكتوبة، يحذف العبارات المبتذلة المستهلكة والكلمات الزائدة (الحشو ) ، بهدف الوصول إلى أسلوب مقبول مصقول (سلس ) .

وتتكون المادة الإعلامية الإذاعية عموما من عدة عناصر، وهي الكلمة الـمنطوقة، والمؤثرات الصوتية، والموسيقى، والحضور الإنساني المباشر.

ويشترط في اللغة المنطوقة، أن تتسم بالشمول، والسرعة، والمباشرة، والواقعية، وأن تستخدم أقل عدد ممكن من الألفاظ، [ ص: 72 ] للتعبير عن أكبر عدد ممكن من الأشياء، في وضوح وبساطة، وإيجاز، وتأثير >[1]

هناك فروق جوهرية بين الكتابة للعين، والكتابة للأذن، فمعالجة الخبر الإذاعي، تتطلب الأخذ باللغة السهلة المبسطة، والاعتماد المباشر على أسلوب التخاطب والحوار >[2]

يقول مؤلفا كتاب >[3] (L,information radiotelevise ) هناك حدود لما يقوله صحافيو الإذاعة والتلفزيون، وأن غالبية هذه الحدود مفروضة، ليست بالقانون ولكن بالوقت وبالقدرة على اجتذاب الجمهور.. وتـحديات الوقت تفرض على الأخبار الـمذاعة والـمتلفزة، قيدين هامين:

أولا: إن صحافيي الصحافة المنطوقة، مجبرون على اختصار أخبارهم، بحيث لا يمكنهم التطرق إلى كل مواضيع الأحداث، التي تتناولها الصحافة المكتوبة، ثم إن تحقيقاتهم لا تتضمن الكثير من التفاصيل، كما هو الشأن في الصحافة المكتوبة.. ويتمثل القيد الثاني في: صعوبة الوصول إلى أحسن نتيجة من خلال حصر وضغط [ ص: 73 ] الكتابة.. ومن هنا فإن الجمهور لا يمكنه الحصول على أكبر قدر من المعلومات انطلاقا من الاستطلاع الإذاعي، أو التلفزيون، أي من خلال استطلاع مكتوب بطول قصير جدا.

ويسدي الباحث الإعلامي الأمريكي " فيرنون " نصيحته الآتية إلى الصحافي العامل بالإذاعة، الذي يستخدم برقيات وكالات الأنباء، أو تقارير الصحف: لاتنقل كالببغاء أي قصة إخبارية في برقيات وكالات الأنباء، أو الصحف، ولكن اقرأ الموضوع بطريقتك الخاصة، وقصها بكلماتك أنت، دون أن تستخدم النسخة -المصدر- إلا كمادة خام فحسب، ولعل كثيرا مما يدعى (نسخا أعيد تحريرها ) ، ليس في الواقع أكثر من مقتطفات (أعيد نسخها ) .

إن العربية باستطاعتها التأقلم مع أي أسلوب إذاعي أو تلفزيوني، نـظرا لـثراء مـفرداتـها وتنـوعها، وقـوة تـعبيرهـا، وصـدى كلماتها، وما نلاحظه -اليوم - من قصور في اللغة المذاعة عندنا، يعود إلى الصحفيين أنفسهم، الذين لا يتحكمون في اللغة، أو في فنيات الكتابة، التي يقتضيها الاتصال الإذاعي الناجح. والأكثر فظاعة في الأمر أن هناك من يجعل من اللغة العربية كبش فداء لنقائص الصحفيين، ويوصمها ظلما وزورا بعيوب هي بريئة منها. [ ص: 74 ]

هذا الواقع يفرض على القائمين على الوسائل السمعية البصرية، الناطقة بالعربية، ألا يتركوا أمر الأسلوب للصحفي وحده، لأنه من النادر أن تجد صحفيين إذاعيين يكتبون نصوصا لا تحتاج إلى مراجعة وتصويب وصقل.

قام أحد أعضاء مجمع اللغة العربية بسوريا ، بدراسة خمس نشرات من نشرات الإذاعة السورية، خلال يناير1983م، ثم قدم نقدا للغة الخبر الإعلامي قائلا: " إن الخبر أول ما يقصده قارئ الصحيفة، أو المستمع إلى الإذاعة، فوجب أن تكون العناية به صوغا وأداء، من حيث سلامة لغته، وجودة أدائه.. وإذا كان لكل فن بلاغته فبلاغة الخبر هي في سرعة وعي القارئ أو السامع دون عناء، باللفظ السهل الموجز، الخالي من التزويق، أو التفخيم، أو الابتذال، وألا يثقل الخبر بالعواطف السلبية، أو الإيجابية " >[4]

ويضيف قائلا: " تعنى الـجملة العربية بالـحدث قبل المـحدث، لذلك كـثيرا ما يتصدرها الفعل، وحين تقوم أغراض بلاغية تدعو إلى العناية بالمـحدث أولا، فإنهـم يقدمـونه، وهـذا طـبعا غـير وارد في الأخبار. [ ص: 75 ]

وقد كثر الخروج على هذه البدهية في الأخبار، فكثيرا ما نسمع في نشرة الأخبار " الرفيق فلان... [وبعد ثماني كلمات] يقول في جريدة النهار... ولو بدأ بالفعل " قال الرفيق فلان في جريدة النهار " لكان أقرب إلى طبيعة العربية " >[5]

بناء القصة الخبرية في الإذاعة

ليس ثمة بديل للأسلوب المباشر للجملة، ولبناء القصة الخبرية.. وعندما تكون القصة الخبرية مكتملة في ذهنك، فينبغي عليك عندئذ أن تحكيها بطريقة مباشرة، وعليك أن تتجنب استخدام الجمل الاعتراضية، أو شبه الجملة في بداية الجملة (...) ، وينبغي أن تجذب المقدمة (مقدمة الخبر ) الاهتمام إلى العنصر الرئيس في القصة الخبرية، ولا ينبغي أن تـحشوها بحـقائق عديدة، ولا تحاول حشد العناصر الخمسة وهي: (من، أين، متى، لماذا، كيف ) في المقدمة، لأنك بذلك تفقد أذن المستمع، عن طريق تحميله بما لا يطيق >[6] [ ص: 76 ]

إن الخبر المذاع كتب ليسمع، ولهذا فإن صياغة أخبار الإذاعة تتجه إلى إحداث الأثر السريع، بالعرض المباشر، والكلمات المؤثرة، والجمل القصيرة المقتضبة، والفقرات القصيرة، والكلمات المنتقاة بعناية.. ويوضع الخبر الإذاعي والتلفزيوني إذن في أقصر صيغة، ليؤدي المعنى في أقصر وقت، فالمطلوب لهذا الخبر مباشرة أكثر، وتركيزا أعمق، وبساطة أوضح.

وبدوره، فإن الخبر التلفزيوني أقصر من الخبر الإذاعي، إذ إن الصورة تكمل الخبر.. وهناك قاعدة عامة للخبر التلفزيوني، هي أنه ما دامت الصورة تكمل الخبر، فلا يجوز إذن أن يتعرض للتفاصيل، حتى لا يوزع انتباه المشاهد بين الصوت والصورة، ومن الأهمية ربط الرواية بالصورة، أي أن تسير الكلمة المذاعة جنبا إلى جنب مع الصور المرئية >[7]

إن للكلام في الصورة الفيلمية مهمة التوضيح، وإتمام المعاني، وبخاصة في الأفلام الإخبارية الوثائقية، أو التربوية، أو التاريخية، وفي مجمل الأفلام الأخرى الموجهة إلى طبقة معينة من الناس، تتمتع بقدرة متوسطة على الاستيعاب والإدراك والتفسير.. إن [ ص: 77 ] تصوير إعصار ضرب إحدى الولايات الأمريكية ، لا يعطي محصلته الإخبارية إذا لم يشر فيه إلى المكان والزمان ومقدار الخسائر المادية وعدد الضحايا ومسار الريح ونتائجها المرتقبة... إلخ >[8]

وبما أن الإعلام السمعي البصري، يشكل المصدر الأساس للإعلام والـمعرفة في المـجتمع ذي الأمـيـة والفئات المتمدرسة، التي لا تتقن العربية، وتتنوع فيه اللهجات، فإنه يمكن أن تستغل الإذاعة والتلفزيون من أجل تعزيز الرصيد اللغوي للأفراد، ومنحهم الفرصة لاستيعاب الألفاظ الجديدة، ونطقها النطق السليم.

وتشير دراسات لغوية عديدة إلى أن لغة تلاميذ المراحل الأولى من التعليم هي مزيج مما يسمعونه في الإذاعة والتلفزيون، وفي الحديث اليومي، وكذلك في المؤسسة التعليمية، وبذلك لم تعد المدرسة تحتكر عملية إثراء الرصيد اللغوي للتلميذ. وهذا الواقع يفرض على القائمين على المؤسسات الإعلامية السمعية البصرية أن يحرصوا أشد الحرص، عند استخدامهم العبارات، والألفاظ في تبليغ الأخبار والمعلومات. [ ص: 78 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية