الارتقاء بالعربية في وسائل الإعلام

نور الدين بليبل

صفحة جزء
من نتائج اعتماد العربية في الإعلام

لاحظ الباحثون عددا من الآثار الناجمة عن استخدامات اللغة في وسائل الإعلام بشتى ضروبها، وتتجلى هذه الآثار على الخصوص في الجوانب السلوكية والنفسية والتربوية، والنظرة إلى الأشياء، والتفكير...

ومن ذلك أن اللغة تؤثر في الشعب المتكلم بها تأثيرا لا حد له، يمتد إلى تفكيره وإرادته وعواطفه وتصوراته، وإلى أعماق أعماقه، وأن جميع تصرفاته تصبح مشروطة بهذا التأثير ومتكيفة به >[1]

وكما يقول أدوين واكين : " فإن جميع وسائل الاتصال بالجماهير الواسعة الحاشدة لتضطلع على نحو أو آخر بوظيفتين هما: تكوين الرأي العام وإعلامه، كما أنها تسلي وتبيع (السلع التي يعلن عنها فيها) . وهاتان الوظيفتان تؤديان بصفة مستمرة، وبطريقة مباشرة وغير مباشرة.. "

وتشير دراسات استشراقية إلى أن الألفية الجارية ستشهد اتساع نطاق تداول لغات، وأفول أخرى أو اندثارها، وقد يلعب عامل الحرص على اللغات وترقيتها، وزيادة الناطقين بها، والمستخدمين لها، [ ص: 125 ]

دورا بالغ الأهمية من أجل ضمان ديمومتها.

إن اللغة من أهم مؤسسات كل أمة.. ولغتنا العربية فيها مقدساتنا وتراثنا العظيم وتاريخنا (...) وعلينا أن نرعاها، ونسعى دائما إلى تحديثها، وتبسيط صعابها، والارتقاء بها، لأنها أقوى الروابط.. فهي توحد الفكر والعاطفة والثقافة والتاريخ، وهي دعامة المستقبل الواحد والمصير المشترك >[2]

وإنه مما لا شك فيه أن الإعلام المعاصر من أهم عوامل التطور اللغوي.. والذي لا شك فيه أيضا، أن التزام القائمين على الإعلام بقواعد الدقة، من شأنه أن يضبط هذا التطور، وأن يضعه في مجراه، فيصبح مثل النهر تدفقا ونماء >[3]

خلق الذوق اللغوي

ومن الضرورة بمكان أن ينتبه رجال الإعلام إلى أنهم يخلقون الذوق اللغوي، ويفرضون الصواب، الذي قد يبدو في أول أمره ثقيلا، لكنه مع الوقت يصبح مقبولا وشائعا >[4] [ ص: 126 ]

إن لغة الإعلام لا تثري زادنا اللغوي فحسب، بل تمنحنا تصورا لطبيعة الأشياء، وحقيقة محيطنا، وأصوب السلوكات وأكثرها تطابقا مع قيمنا ومثلنا.. وعلى سبيل المثال، إذا استعمل الإعلام اللفظ العفيف والدقيق، فقد يقتفي آثاره الناس، بيد أنه إذا أحاطنا بكلمات الفسق والسوء والبذاءة، فمن المتوقع أن يتم استخدامها من قبل الجمهور، فاللغة الإعلامية تصبح جزءا من حياة المجتمع.

إن الأسلوب الذي تستخدمه وسائل الإعلام قد يتأثر به الجمهور، ولكن بدرجات متفاوتة، وفي هذا الشأن لاحظ عدد من أساتذة اللغة العربية على تلامذتهم استخدامهم للصيغ والقوالب والعبارات التي يوظفها الصحفيون في كتاباتهم.

وبما أن وسائل الإعلام هي أسبق الوسائل في معالجة الموضوعات الآنية، فإنها لا تعمل فقط على تداول المصطلح الجديد والتعبير عن الواقع، بل تسهم كذلك في صياغة نمط التفكير وتفسير الأحداث وإصدار الأحكام بشأنها.

ويعترف الباحثون بأن كلا من الإعلام والتعليم يهدف إلى تغيير سلوك الفرد، فبينما يرمي التعليم إلى التأثير في سلوك التلاميذ بهدف تغييره، فإن الإعلام يسعى إلى التأثير في سلوك الجماهير بهدف تغييره أيضا. [ ص: 127 ]

وكثيرا ما نرى أطفالنا يرددون الجمل والكلمات والصيغ اللغوية التي يلتقطونها من الإعلانات التجارية، ويقلدونها في حديثهم، ويحاكون طريقة تلفظها.. غير أن الطفل يكتسب في هذا المجال معارف كثيرة، وينمو ذوقه وقدراته الخيالية، وترتقي مهاراته اللغوية بشكل واضح، ويثرى محصوله من مفردات لغة الإعلان، أو يزيد هذا المحصول نماء وتنوعا.

فوسائل الإعلام تعادل المدرسة بالنسبة لأعداد لا حصر لها من الرجال والنساء الذين حرموا من التعليم، حتى ولو لم يستطيعوا أن يحصلوا منها إلا على العناصر التي يتسم مغزاها بأقل قدر من الثراء، ومضمونها بأكبر قدر من البساطة >[5]

ولما كان تمكين الأفراد من التفاعل ومن إيصال المعلومات يندرج في عداد المهام الرئيسة للإعلام والاتصال، فقد ذهب المشتركون في المؤتمر الدولي الحكومي للسياسات الإعلامية في إفريقيا بيا وندي (الكاميرون ) ، في يوليو 1980م، إلى الإقرار بأن استخدام اللغة الأصلية أو الوطنية يعد وسيلة من أنجع الوسائل لتأكيد الذاتية الثقافية، فاللغة من المقومات التي تجعل للإنسان ذاتيته، أي انتماءه [ ص: 128 ]

إلى جماعة معينة من الناس، وذلك بالإضافة إلى دورها في تيسير تحصيل المعارف، كما أن استخدام اللغة الأصلية أو الوطنية يمكن من إضفاء مزيد من الفعالية على عملية المشاركة>[6]

لذلك فإن لغة الإعلام يمكنها أن تحقق أهدافا عدة، وأن تحدث آثارا جمة.. ومن أجل ذلك يجب أن ترتبط السياسات اللغوية لوسائل الإعلام الوطنية بخدمة قضايا الهوية، وتأكيد الذات اللغوية، وتوسيع نطاق استخدام العربية وفق الرؤية التي مفادها أن اللغة هي مطية للأفكار، وأسلوب هام في التفكير والتصور . [ ص: 129 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية