معالم تجديد المنهج الفقهي (أنموذج الشوكاني)

حليمة بوكروشة

صفحة جزء
المطلب الرابع: مقتضيات حرمة التقليد، والدعوة إلى الاجتهاد

لقد ترتب على نظرية الشوكاني في التقليد والاجتهاد التي كشفت المطالب السابقة عن معالمها قضايا أساسية، تناولت المستوى المنهجي والعملي. وفي ما يأتي تفاصيل ما ترتب على نظريته في هـذين المستويين:

أولا: على المستوى النظري إن أول ما ترتب على نظرية الشوكاني في التقليد -فيما يخص الجانب النظري- هـو إحداث صنف ثالث بين المجتهد والمقلد، ذلك أن الشوكاني لم يفرض على جميع أفراد العباد بلوغ مرتبة الاجتهاد، لكنه في المقابل لم يبح لغير المجتهد التقليد، بل أحدث مرتبة وسط بين المجتهد والمقلد، وهو العامل بالدليل بواسطة المجتهد، أو السائل للمجتهد عن الأحكام الشرعية وأدلتها.

وقد كان اقتراحه لهذا الصنف الجديد على خلاف ما استقر عند كثير من الأصوليين -وعلى رأسهم الغزالي - الذين لـم يروا فـي الأمر إلا أحد وجهين: إما اجتهاد للقادر، وإما تقليد للعامي؛ أو الذي لم يصل إلى درجة الاجتهاد.

والملاحظ أن إحداث الشوكاني لهذا الصنف كان أكثر اتساقا وروح الدين الإسلامي -الذي يخاطب في الإنسان عقله وفكره- من الرأي الذي حصر المكلفين في صنفين: إما مجتهد، أو مقلد.

ومن مقتضيات نظرية التقليد والاجتهاد عند الشوكاني -على المستوى النظري أيضا- وجوب التمسك بالدليل على العالم وغير العالم، [ ص: 134 ] فلا فرق بين العالم وغيره في نظر الشوكاني في وجوب التمسك بالدليل، والأخذ بما جاء عن الشارع، وإنما الفارق الوحيد بينهما هـو أن العالم يمكنه الوقوف على الدليل من دون أن يرجع إلى غيره؛ لأنه قد استعد لذلك بما استـجمع من معارف الاجـتهاد. أما الجاهل فيمكنه الوقوف على الدليل بسؤال العلماء عنه، فيفيدونه النص إن كان ممن يعقل الحجة، أو يفيدونه مضمون النص بالتعبير عنه بعبارة يفهمها، فيكون بذلك عاملا بالرواية لا بالرأي >[1] .

ولقد استدل الشوكاني على صحة هـذا المبدأ بأن العالم الذي قلده غيره إذا كان قد أجهد نفسه في طلب الدليل ولم يجده، ثم اجتهد رأيه فهو معذور، وكذا إذا أخطأ فـي اجتهاده فـهو معذور، بل مأجور. أما المقلد أو الجاهل أو غير العالم فلا عذر له إذا قلد في دين الله من هـو مخطئ؛ لأن عدم مؤاخذة المجتهد على خطئه لا يستلزم عدم مؤاخذة من قلده في ذلك الخطأ؛ لا عقلا ولا شرعا ولا عادة >[2] .

ثانيا: على المستوى العملي: أما على المستوى العملي فقد رأى الشوكاني ضرورة بيان واجب العلماء وأولي الأمر نحو المقلدين؛ إذ حملهم مسئولية النهي عن التقليد وما ترتب عليه من مفاسد، واعتبر هـذا الإنكار [ ص: 135 ] من أولويات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال: «وواجب على كل من له ولاية يأمر فيها بمعروف أو ينهى عن منكر أن يجعل نهي المنكر الذي عليه هـؤلاء (المقلدة) عنوان كل نهي ينهى به عن منكر» >[3] ؛ وذلك لاعتبارين:

الاعتبار الأول: أن أدلـة الأمـر بالمعـروف والنهي عن المنكر إذا لم تتناول مثل هـذا لم تتناول غيره >[4] .

الاعتبار الثاني: أن النيل من عرض فرد من أفراد المسلميـن مـنكر لا يخالف فيه مسلم، فكيف بما جاء بما هـو من أعظم البهتان، وأقبح الشتيمة للشريعة المحمدية والدين الإسلامي ولعلماء المسلمين >[5] ؟

ولما كان من أهم شروط نجاح عملية الإرشاد والإصلاح فهم المصلح لطبيعة المدعو، وإدراكه لبنى المجتمع النفسية والاجتماعية والتاريخية التي تكون المناخ الذي يعيش فيه المدعو، ودراسته لأبعاد شخصيته ومداخلها، وتحديده لنوع الخطاب المؤثر فيها، لم يكتف الشوكاني -بوصفه مصلحا- بتحميل العلماء والأمراء مسئولية النهي عن المنكر، بل سعى إلى تعيين الفئات المكونة للمجتمع الإسلامي، وتحديد مواصفات ومضامين الخطاب الموجه لكل فئة حسب قدراتها الإدراكية واستعداداتها العلمية. [ ص: 136 ]

من هـنا صنف أعضاء المجتمع الإسلامي إلى أربعة أصناف >[6] :

الصنف الأول: أهل العلم الذين يفهمون الحجة، وإنما حال بينهم وبين الرجوع إليها اعتقادهم أحقية التقليد واستقصار أنفسهم عن معرفة الحق بنص الدليل. فهؤلاء يعتمد معهم تسهيل ما تعاظموه من الحق؛ ببيان أن الله تعبد جميع الأمة بما في الكتاب والسنة، وأنه لم يخص بفهمها السلف دون الخلف، وأن الكتاب والسنة وجميع العلوم التي يستعان بها على فهمهما مدونة وميسرة للمتأخرين أكثر مما كانت للمتقدمين.

الصنف الثاني: الذين لا يفهمون الحجة ويتبنون التقليد، وهؤلاء أنفع ما يلقنهم هـو ترغيبهم في علوم الاجتهاد، وتعريفهم أن المقصود بها هـو الوصول إلى ما وصل إليه علماء الإسلام، فإذا ما استعدوا لفهم الحجة اتبع معهم المسلك الأول.

الصنف الثالث: العامي المتعصب والذي لا يهتدي إلى طلب علوم الاجتهاد بوجه من الوجوه، فأقرب ما يسلكه العالم معه هـو أن ينظر إلى أقوال الإمام الذي يقلده القائمة على أدلة ناهضة، فيبين له رجحان قوله، ثم يصنع معه هـذا الصنيع في المسائل التي يعتقدها تقليدا أو يجمد عليها قصورا، فإن انتفع بذلك فهو المطلوب، وإن لم ينتفع فأقل الأحوال السلامة من شره. [ ص: 137 ]

والملاحظة على هـذا التصنيف الذي اعتمده الشوكاني تشابه وتداخل بين الصنف الثاني والثالث إلى حد يجعل الأولى إدراجهما ضمن قسم واحد.

الصنف الرابع: العامـي الصرف، الذي لا يعرف التقليد ولا غيره، فهذا أسرع الناس انقيادا وأقـرب إلـى القبول إن سلم من بلايا ما يلقيه إليه المتعصبون.

ومما رآه الشوكاني على المستوى العملي تأكيده على عدم تولي المقلد القضاء والإفتاء.

أما القضاء؛ فلأن المقلد لم يندب إليه شرعا لعلتين: >[7]

العلة الأولى: إن الله تعالـى أمر حـكام العباد أن يحكموا بينهم بما أنزل، والمقلد لا يعرف ما أنزله الله، بل يقر بأنه حكم بقول أحد العلماء، ولا يدري هـل حكم هـذا العالم من المسائل التي استدل عليها بالدليل أم لا، كما أنه لا يدري أهو مصيب في الاستدلال أم مخطئ.

العلة الثانية: أن النبي صلى الله عليه وسلم صنف القضاة إلى ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة. فالقاضي الذي في الجنة هـو الذي قضى بالحـق وهو يعلم أنه الحـق، وهذا لا ينطبق على المقلد؛ لأنه لا يعرف الحق من الباطل في كلام إمامه. [ ص: 138 ]

أما القاضيان اللذان في النار: قاض قضى بغير الحق، وقاض قضى بالحق وهو لا يعلم أنه الحق. والصورتان تنطبقان على القاضي المقـلد؛ لأنه إذا قضى بما قاله إمامه وهو لا يدري أحق هـو أم باطل فهو أحد الرجلين: إما قضى بالحق وهو لا يعلم بأنه الحق، أو قضى بغير الحق، وعلى كلا التقديرين فهو من قضاة النار بنص الحديث.

أما الإفتاء فقد حرمه الشوكاني على المقلد؛ لأنه لا يعرف أحكام الشريعة الإسلامية على التحقيق فقال: «لا يحل له (أي: المقلد) أن يفتي من يسأله عن حكم الله أو حكم رسوله، أو عن الحق، أو عن الثابت في الشريعة، أو عما يحل له ويحرم عليه؛ لأن المقلد لا يدري بواحد من هـذه الأمور على التحقيق، بل لا يعرفها إلا المجتهد» >[8] .

وإضافة إلى هـذه الأسباب والتعليلات فإن الدافع الجوهري لتحريم الشوكانـي القضاء والإفتاء على المقلد هـو أن التقليد إذا كان لا يصح لمن كان مقتصرا في التقليد على ما تدعو إليه حاجته مما يتعلق بأمور عبادته ومعاملته فهو من باب أولى ممتنع على من رشح نفسه لفتيا السائلين والقضاء بين المتخاصمين؛ لأن جهله لم يعد مقصورا عليه بل تعداه إلى غيره >[9] .

من هـذا المنطلق رفض الإمام الشوكانـي أن يتولى القضـاء والإفتاء إلا من كان مجتهدا. [ ص: 139 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية