في الاجتهاد التنزيلي

الدكتور / بشير بن مولود جحيش

صفحة جزء
الفصل الأول

تحقيق مناطات الأحكام

المبحث الأول

تحقيق مناط الحكم بين خصوص القياس وعموم التنزيل

تعريف المناط في اللغة والاصطلاح:

المناط في اللغة

المناط في اللسان العربي هـو: ما نيط به الشيء، فيقال: نطت الحبل بالوتد، أنوطه نوطا إذا علقته، وانتاط: تعلق، والأنواط: المعاليق. وهذا منوط به: معلق >[1] . ومنه ذات أنواط: شجرة كانوا في الجاهلية يعلقون فيها سلاحهم، قال الشاعر:

بلاد بها نيطت علي تمائمي وأول أرض مس جلدي ترابها

المناط في الاصطلاح

لقد تداول جمهور الأصوليين هـذا المصطلح وعنوا به: العلة التي رتب عليها الحكم في الأصل >[2] ، قال الشنقيطي : « والمناط : العلة التي نيط الحكم [ ص: 43 ] بها أي علق» >[3] .

وقد قرر هـذا الإمام الغزالي فقال: «اعلم أننا نعني بالعلة في الشرعيات: مناط الحكم ؛ أي: ما أضاف الشرع الحكم إليه وناطه به، ونصبه علامة عليه» >[4] .

ثم توسع في بيان مضامينه ليشمل مضمون القاعدة التشريعية أو الفقهية أو معنى الأصل الكلي الذي ربط به حكم كل منها؛ ليكون عند الشاطبي مطلق الحكم التكليفي الثابت بمدركه الشرعي. وتبعا لهذا التوسع في مدلول: المناط، سار تحقيق المناط أيضا، وقبل بيان ذلك يجدر معرفة معنى التحقيق في اللسان العربي.

التحقيق في اللغة

قال صاحب الكليات: « التحقيق : تفعيل من: حق، بمعنى: ثبت» >[5] وقال ابن منظور : «وحق الأمر يحق حقا وحقوقا: صار حقا وثبت» . وقال الأزهري : «معناه: وجب يجب وجوبا»

>[6] .

وانطلاقا من المعنى اللغوي فإن التحقيق عند الأصوليين يفيد: الإثبات.

تحقيق المناط كمركب لفظي

لقد تناول جمهور الأصوليين تحقيق المناط في التحقق من وجود علة الحكم في الجزئيات المشخصة بعد معرفتها في أصل الحكم؛ عملا بتعديتها من الأصل إلى الفرع، فهي ركن من أركان القياس الأصولي، وقد عبر [ ص: 44 ] عن هـذا المعنى الآمدي في معرض بيان تحقيق المناط فقال: «هو النظر في معرفة العلة في آحاد الصور بعد معرفتها في نفسها؛ وسواء كانت معروفة بنص أو إجماع أو استنباط» >[7] . وهو ما ذهب إليه الفتوحي من أنه: «إثبات العلة في آحاد صورها بالنظر والاجتهاد في معرفة وجودها في آحاد الصور بعد معرفتها في ذاتها» >[8] .

تحقيق المناط ضرورة كل شريعة

غير أن أبا حامد الغزالي قد عمل على توسيع مدلول تحقيق المناط؛ ليكون ضربا اجتهاديا متجاوزا القياس الأصولي، بعد أن قرر اتفاق الأمة على جوازه فقال: «أما الاجتهاد في تحقيق المناط فلا نعرف خلافا بين الأمة في جوازه». ثم قال: «وقول العدل صدق معلوم بالظن، وأمارته العدالة، والعدالة لا تعلم إلا بالظن، فلنعبر عن هـذا بـ: تحقيق مناط الحكم ؛ لأن المناط معلوم بنص أو إجماع لا حاجة إلى استنباطه، لكن تعززت معرفته باليقين، فاستدل عليه بأمارات ظنية، وهذا لا خلاف فيه بين الأمة» >[9] .

ويعتبر الغزالي هـذا الضرب من الاجتهاد «ضرورة كل شريعة»؛ لأن التنصيص على عدالة الأشخاص وقدر كفاية كل شخص محال، وأن هـذا [ ص: 45 ] الاجتهاد متجاوز للاجتهاد القياسي؛ إذ إن الأخير مختلف فيه بين النظار، بينما الأول وقع الاتفاق عليه فضلا عن كونه ضرورة شرعية.

ثم جاء ابن قدامة المقدسي ليقسم تحقيق المناط بحسب الاتفاق عليه والاختلاف فيه إلى قسمين:

القسم الأول: وهو المتفق عليه، وحده بقوله: «أن تكون القاعدة الكلية متفقا عليها أو منصوصا عليها، ويجتهد في تحقيقها في الفرع» >[10] . ثم ضرب لذلك أمثلة كوجوب المثلية في الفدي في الحج، ووجوب استقبال القبلة، فالمثلية والاستقبال كلاهما واجب معلوم بالنص، أما كون هـذا مثل لذاك، وأن هـذه جهة القبلة فسبيل معرفتها الاجتهاد؛ وذلك بتحقيق المناط وهو "المثلية" أو "استقبال القبلة" في الواقع؛ اعتمادا على الأمارات الدالة على ذلك.

القسم الثاني: ما عرفت علة الحكم فيه بنص أو إجماع، فيبين المجتهد وجودها في الفرع باجتهاده

>[11] .

وقد عد الطوفي هـذا النوع الثاني قياسا دون الذي قبله؛ إذ هـو بيان وجود العلة المنصوص عليها في الفرع، بينما النوع الأول بيان القاعدة الكلية المتفق عليها أو المنصوص عليها في الفرع؛ لأن هـذا النوع متفق عليه بين الأمة، وهو من ضرورات الشريعة لعدم وجود النص على جزئيات القواعد الكلية فيها؛ كعدالة الأشخاص وتقدير كفاية كل شخص ونحو ذلك، «والقياس مختلف فيه، والمتفق عليه غير المختلف فيه؛ فالنوع الأول والثاني متغايران، والثاني قياس، والأول ليس [ ص: 46 ] بقياس، وإن كان كل منهما يسمى: تحقيق مناط؛ لأن معنى تحقيق المناط : هـو إثبات علة حكم الأصل في الفرع، أو إثبات معنى معلوم في محل خفي فيه ثبوت ذلك المعنى، وهو موجود في النوعين وإن اختلفا في أن أحدهما قياس دون الآخر، فتحقيق المناط أعم من القياس» >[12] .

غير أن بعض العلماء المتأخرين اعتبر إطلاق تحقيق المناط على النوع الأول مسامحة فقال: «وهذا القسم في تحقيق المناط ليس بمعناه الاصطلاحي؛ لأنه ليس المراد به العلة، وإنما المراد به النص العام، وتطبيق النص في أفراده هـو هـذا النوع من تحقيق المناط، ولا يخفى أن في عده من تحقيق المناط مسامحة، ولا مشاحة في الاصطلاح» >[13] .

ويتبين مما سبق أنه على الرغم من حصر كثير من الأصوليين مفهوم: تحقيق المناط، في: علة القياس، غير أن بعضهم وسع من مدلوله معتبرا إياه منهجا اجتهاديا في تطبيق القواعد الكلية على الوقائع الجزئية، ومن ثم فإطلاق القول «بضيق مدلول تحقيق المناط عند الأصوليين قبل الشاطبي وبعده؛ كطريقة جزئية في معرفة العلة في الصور المفردة؛ لتلحق في حكمها قياسا بما فيه حكم مبني على تلك العلة، فهو فرع من مبحث العلة في باب: القياس» >[14] إطلاق يفتقر إلى الضبط والتقييد. [ ص: 47 ]

تحقيق المناط أصل ضابط في التطبيق

ومع كل ما سبق فإن الشاطبي يعد أبرز من أعطى مضامين وأبعادا أوسع لتحقيق المناط؛ فقد أولاه اهتماما كبيرا بجعله أصلا كليا في تطبيق الأحكام الشرعية، لضبط صواب تنـزيل الحكم على الوقائع وتسديده، ومما يؤكد مدى اهتمام الشاطبي بهذا الأصل الكلي في التطبيق أنه بحثه في باب الاجتهاد باعتباره القسم الأكبر المستمر، فقال: «الاجتهاد على ضربين: أحدهما: لا يمكن أن ينقطع حتى ينقطع أصل التكليف، وذلك عند قيام الساعة. والثاني: يمكن أن ينقطع قبل فناء الدنيا. فأما الأول فهو الاجتهاد المتعلق بتحقيق المناط» >[15] .

فهذا الاجتهاد الدائم «جعله الشاطبي منهجا في تطبيق الأحكام الشرعية على الإطلاق بأي سبيل حصلت أو بأي دليل تأتت، فالحكم الشرعي يحصل في الذهن كليا، والمطلوب أن يطبق على أفراد الأفعال والصور وهي جزئية مشخصة، وهي أيضا متشابهة ومتداخلة» >[16] .

وهذا يتطلب تحقيقها في الوقائع المشخصة ليتبين أهي داخلة في أفراد الحكم الكلي فتجري على سننه، أم لا فتستبعد؟ ومن ثم فقد عرف الشاطبي تحقيق المناط بقولـه: «معناه أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي، لكن يبقى النظر في تعيين محله» >[17] .

والواضح من التعريف أن تحقيق المناط عند الشاطبي عام في كل [ ص: 48 ] تنـزيل لأي حكم شرعي؛ سواء كان دليله قرآنا أو سنة أو اجتهادا، وأن يثبت من مدركه الشرعي، ثم يأتي تنـزيله على الوقائع والصور الممارسة من قبل المكلف.

ويعتبر الشاطبي تحقيق المناط المقدمة النظرية لكل دليل شرعي، مقابل المقدمة النقلية الراجعة إلى نفس الحكم الشرعي، وعنى بالنظرية ما سوى النقلية؛ سواء أثبتت بالضرورة أم بالفكر والتدبر. فالشارع حكم على أفعال المكلفين مطلقة ومقيدة، وذلك مقتضى إحدى المقدمتين وهي النقلية، ولا ينـزل الحكم بها إلا على ما تحقق أنه مناط ذلك الحكم على الإطلاق أو على التقييد وهو مقتضى المقدمة الأولى (النظرية) .

ويوضح هـذا المثال الذي ساقه فقال: «فإذا قلت: إن كل مسكر حرام، فلا يتم القضاء عليه حتى يكون بحيث يشار إلى المقصود منه ليستعمل أو لا يستعمل؛ لأن الشرائع إنما جاءت لتحكم على الفاعلين من جهة ما هـم فاعلوه، فإن شرع المكلف في شرب الخمر مثلا قيل له: أهذا خمر أم لا؟ فلا بد من النظر في كونه خمرا أو غير خمر، وهو معنى: تحقيق المناط. فإذا وجد فيه أمارة الخمر أو حقيقتها بنظر معتبر، قال: نعم، هـذا خمر. فيقال له: كل خمر حرام الاستعمال. فيجتنبه» >[18]

والإمام الشاطبي يرى أن تحقيق المناط يستلزمه القيام بالتكاليف، وعليه فهو متعلق بالمكلفين كافة؛ مجتهدين كانوا أم عواما، «فإن العامي إذا سمع في الفقه أن الزيادة الفعلية في الصلاة سهوا من غير جنس أفعال [ ص: 49 ] الصلاة، أو من جنسها إن كانت يسيرة فمغتفرة، وإن كانت كثيرة فلا، فوقعت له زيادة، فلا بد من النظر فيها حتى يردها إلى أحد القسمـين، ولا يكون ذلك إلا باجتهاد ونظر، فإذا تعين قسمها تحقق له مناط الحكم فأجراه عليه، وكذلك سائر تكاليفه» >[19] .

غير أن هـذا البحث متعلق تحقيق مناطه بعمل الفقيه المجتهد وليس العامي، ومن ثم فإن مفهوم تحقيق المناط المراد بيانه هـنا هـو المتعلق بعمل المجتهد الفقيه.

وبناء على ما سبق يكون إطلاق المناط واردا على مضمون القاعدة التشريعية أو الفقهية، أو على معنى الأصل الكلي الذي ربط به حكم كل منهما، كما يطلق على علة حكم النص التشريعي الجزئي، أو المتعلق بمسألة خاصة معينة؛ سواء أكانت ثابتة بالنص أو الإجماع أو الاستنباط، والتي هـي أساس القياس الأصولي الخاص، والجامعة بين الأصل والفرع >[20] .

ومن هـنا يمكن تعريف تحقيق المناط بأنه: إثبات مضمون الحكم الشرعي التكليفي المستفاد من نص أو إجماع أو اجتهاد في الوقائع الجزئية أثناء التطبيق، والتحقق من مدى اشتراك الأصل والفرع في العلة عند القياس.

وهذا التحقيق له مرتبتان؛ أولاهما: تحقيق المناط العام في نطاق الأنواع. والثانية: تحقيق المناط الخاص في نطاق الأفراد. ولبيانهما يعقد المبحث القادم. [ ص: 50 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية