لا إنكار في مسائل الخلاف

الدكتور / عبد السلام مقبل المجيدي

صفحة جزء
الإنكار في مسائل الخلاف بعد عهد النبي صلى الله عليه وسلم

لقد امتد الإنكار في مسائل الخلاف بين الصحابة رضوان الله عليهم إلى ما بعد عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكن مع وحدة الصف ورقي الأسلوب، ومن أمثلة ذلك:

1 - ( إنكار الصديق رضي الله عنه على من اقترحوا حبس جيش أسامة: فعن أبي هـريرة رضي الله عنه قال:...إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه أسامة بن زيد في سبعمائة إلى الشام، فلما نزل بذي خشب قبض النبي صلى الله عليه وسلم ، وارتدت العرب حول المدينة، واجتمع إليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا: يا أبا بكر ، رد هـؤلاء، توجه هـؤلاء إلى الروم وقد ارتدت العرب حـول المدينة؟ فقال: والذي لا إله إلا هـو لو جرت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رددت جيشا وجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا حللت لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم . فوجه أسامـة ، فجعل لا يمر بقبيل يريدون الارتداد إلا قالوا: لولا أن لهؤلاء قوة ما خرج مثل هـؤلاء من عندهم، ولكن ندعهم حتى يلقوا الروم، فلقوا الروم فهزموهم وقتلوهم ورجعوا سالمين فثبتوا على الإسلام ) >[1] .

ونلحظ أن المصلحة التي كانت في حبس الجيش هـنا أظهر ما تكون بحسب المقياس البشري، ولكن أبا بكر ما كان ليؤخره وقد كانت وصية النبي صلى الله عليه وسلم بإنفاذه قبل أن يموت، فهذه مصلحة في مقابل نص، فينبغي أن تلغى. [ ص: 95 ]

2 - الرجوع إلى النص في تنازع بين النعمان بن بشيـر والمغيرة بن شعبة في إدارة معركة حربية: وذلك بعد تأكد للنعمان أن الظروف الحربية موائمة للعمل بالنص، فأنكر على المغيرة نظره إلى مصلحة أخرى في مقابل النص، فقد ( قال المغيرة بن شعبة حين رأى كثرة العدو في نهاوند ، وهم يأتون ساحة المعركة أتالا بعضهم إثر بعض، والمسلمون ينتظرونهم فلا يناجزونهم: لم أر كاليوم فشـلا، إن عـدونا يتركون أن يتتاموا فلا يعجلوا، أما والله لو أن الأمر إلي لقد أعجلتهم به، وكان النعمان رجلا بكاء، فقال: قد كان الله جل وعلا يشهدك أمثالها فلا يخزيك ولا يعري موقفك، وإنه والله ما منعني أن أناجزهم إلا بشيء شهدته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذ غزا فلم يقاتل أول النهار لم يعجل حتى تحضر الصلوات، وتهب الأرواح، ويطيب القتال... ) الحديث ثم انتصر المسلمون في المعركة، وشهد الانتصار على نفاذ بصيرة النعمان >[2] .

3 - إنكار عدد من السلف على عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعض اجتهاداته: فقد أنكر شـيبة بن عثمان العـبدري على الفـاروق - رضي الله عنهما - عزمه على توزيع مال الكعبة، كما " رواه البخاري عن أبي وائل قال: جلست إلى شيبة في هـذا المسجد، قال: جلس إلي عمر في مجلسك هـذا فقـال: لقـد هـممت أن لا أدع فيها صـفراء ولا بيضاء إلا قسمتها بين المسلمين. قلت: ما أنت بفاعل. قال: لم؟ قلت: لم يفعله صاحباك. قال: هـما المرءان يقتدى بهما " >[3] . [ ص: 96 ] والإنكار هـنا إنما لاختيار الحاكم في مسألة اجتهادية لا نص فيها، وتم الإنكار قبل الفعل. " وقوله: لم يفعله صاحباك " ، فيه فائدة في تكوين البصائر الإيمانية للسياسة الواقعية، فإن منا من يزعم أن السابقة التاريخية من عمل المسلمين في عهد الخلفاء الراشدين لا تعد دليلا على شيء، وهذا زخرف من القول ظاهر، فإن الأصل في السابقة التاريخية هـو ( قول النبي صلى الله عليه وسلم : «...عليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ) >[4] ، ( وقوله: «اقتدوا باللذين من بعدي؛ أبي بكر وعمر ) >[5] ، ونحو ذلك.

وكذلك أنكر سعد بن أبي وقاص وابن عمر على عمر بن الخطاب رضي الله عنهم نهيه عن التمتع بالحج، ( فعن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل أنه سمع سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس وهما يذكران التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال الضحاك بن قيس: لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله. فقال سعد: بئس ما قلت يا ابن أخي. فقال الضحاك بن قيس : فإن عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك. فقال سعد : قد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصنعناها معه. )

( وعن ابن شهاب ، أن سالم بن عبد الله حدثه أنه سمع رجلا من أهل الشام وهو يسأل عبد الله بن عمر عن التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال عبد الله بن عمر : هـي حلال. فقال الشامي: إن أباك قد نهى عنها. فقال عبد الله بن عمر: أرأيت إن كان أبي نهى عنها وصنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم أأمر أبي نتبع، أم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال الرجل: بل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال: لقد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم ) >[6] . [ ص: 97 ] ونلحظ هـنا أن الإنكار كان أيضا لاختيار الحاكم، وفي هـذين الحديثين تحريض ظاهر على نقض اختيار الحاكم حال ظهور مجانبته للراجح شرعا، مع أن عمر إنما اجتهد بالنظر إلى مقاصد أخرى في الشريعة. ولم يقل أحد في هـذه الحالة: لا إنكار عليه؛ لأنها مسألة فرعية خلافية.

كما أنكر سالم بن عبد الله بن عمر على جده نهيه عن التطيب بعد رمي الجمرة قبل طواف الإفاضة ، فقد ( قال سالم : قالت عائشة : «كنت أطيب النبي صلى الله عليه وسلم بعدما يرمي الجمرة قبل أن يفيض إلى البيت» قال سالم: «فسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن نأخذ بها من قول عمر ) >[7] .

4 - إنكار ابن مسعود وغيره على عثمان رضي الله عنه إتمام الصـلاة بمـنى، ( فعن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله رضي الله عنهما قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعتـين، ومع أبي بكر رضي الله عنه ركعتين، ومع عمر رضي الله عنه ركعتين، ثم تفرقت بكم الطرق، فيا ليت حظي من أربع ركعتان متقبلتان. ) >[8] ، وفي رواية: " أن عبد الله صلى أربعا، قال فقيل له: عبت على عثمان ثم صليت أربعا؟ قال: الخلاف شر. " >[9] .

5 - إنكار ابن عباس رضي الله عنه على علي رضي الله عنه حرقه للمرتدين؛ لوجود النص، وتصديق علي رضي الله عنه له، ( فعن عكرمة أن عليا رضي الله عنه حرق قوما،فبلغ ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تعذبوا بعذاب الله.» ولقتلتهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : «من بدل ) [ ص: 98 ] ( دينه فاقتلوه». ) >[10] ، " فبلغ ذلك عليا ، فقال: صدق ابن عباس . " >[11] .

6 - إنكار علي بأسلوب بليغ على ابن مسعود رضي الله عنهما فتياه في قضية فرضية، " فعنه رضي الله عنه أنه أتى في فريضة ابني عم أحدهما أخ لأم، فقالوا: أعطاه ابن مسعود المال كله. فقال: يرحم الله ابن مسعود، إن كان لفقيها، لكني أعطيه سهم الأخ للأم، ثم أقسم المال بينهما " >[12] .

7 - إنكار عائشة رضي الله عنها على عدد من الصحابة بأسلوبها الراقي المتميز، وبيانها الصواب فيما أخطأوا فيه:

أ - إنكارها على عمر رضي الله عنه فقد انكرت عليه في حديث تعذيب الميت ببكاء أهله، ( فعن ابن عباس قال: صدرت مع عمر من مكة حتى إذا كنا بالبيداء إذا هـو بركب تحت ظل شجرة، فقال: اذهب فانظر من هـؤلاء الركب. فنظرت فإذا هـو صهيب ، قال: فأخبرته. فقال: ادعه لي. قال: فرجعت إلى صهيب، فقلت: ارتحل فالحق أمير المؤمنين. فلما أن أصيب عمر دخل صهيب يبكي، يقول: وا أخاه وا صاحباه. فقال عمر: يا صهيب أتبكي علي وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه». فقال ابن عباس : فلما مات عمر ذكرت ذلك لعائشة ، فقالت: يرحم الله عمر، لا، والله ما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله يعذب المؤمن ببكاء أحد، ولكن قال: «إن الله يزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه». قال: وقالت ) [ ص: 99 ] « عائشة : حسبكم القرآن: ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) (فاطر:18) . قال: وقال ابن عباس عند ذلك: والله أضحك وأبكى » >[13] .

ب - إنكارها على ابن عمر رضي الله عنهما ، ومثل ذلك جاء عن ابن عمر أيضا وأنكرته عائشة بأسلوبها الراقي، ( فعن هـشام بن عروة ، عن أبيه، قال: ذكر عند عائشة قول ابن عمر: الميت يعذب ببكاء أهـله عليه. فقالت: رحم الله أبا عبد الرحمن ، سمع شيئا فلم يحفـظه، إنما مرت على رسول الله صلى الله عليه وسلم جنازة يهودي وهم يبكون عليه فقال: «أنتم تبكون وإنه ليعذب ) >[14] . وفي لفظ: ( فقالت عائشة : غفر الله لأبي عبد الرحمن، أما إنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ، إنما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على يهودية يبكى عليها، فقال: «إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها ) >[15] .

( وعن إبراهيم بن محمد بن المنتشر ، عن أبيه، أنه سأل ابن عمر عن الطيب عند الإحرام، فقال: لأن أتطيب بقطران أحب إلي من أن أفعل. قال ذكرته لعائشـة فقالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن ، كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيطوف على نسائه، ثم يصبح محرما ينضخ طيبا ) >[16] .

( وعن مجاهد قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد فإذا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما جالس إلى حجرة عائشة، وإذا ناس يصلون في المسجد صلاة الضحى، قال: فسألناه عن صلاتهم، فقال: بدعة. ثم قال ) [ ص: 100 ] ( له: كم اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: أربعا، إحداهن في رجب. فكرهنا أن نرد عليه. قال: وسمعنا استنان عائشة أم المؤمنين في الحجرة، فقال: عروة : يا أماه، يا أم المؤمنين، ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن ؟ قالت: ما يقول؟ قال: يقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمرات، إحـداهن في رجب. قالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن ما اعتمر عمرة إلا وهو شاهده وما اعتمر في رجب قط ) >[17] .

ج - إنكارها على ابن مسعود رضي الله عنه : ( فعن أبي عطية الوادعي قال: دخلت أنا ومسروق على عائشة ، فقلنا: إن ابن مسعود قال: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، والموت قبل لقاء الله؟ فقالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن حـدثكم بحديث لم تسألوه عن آخره وسأحدثكم عن ذلك: إن الله إذا أراد بعبده خيرا قيض له ملكا قبل موته بعام فسدده ويسره حتى يموت، وهو خير ما كان، فإذا حضر فرأى ثوابه من الجنة فجعل يتهوع نفسه ود أنها خرجت، فعند ذلك أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه، وإذا أراد بعبد سوءا قيض له شيطانا قبل موته بعام، فصده وأضله وفتنه حتى يموت شر ما كان، ويقول الناس: مات فلان، وهو شر ما كان. فإذا حضر فرأى ثوابه من النار جعل يتبلع نفسه، ود أنه لا يخرج، فعند ذلك كره لقاء الله وكره الله لقاءه ) >[18] .

د- إنكارها على أبي هـريرة رضي الله عنه : ( فعن أبي هـريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ ) [ ص: 101 ] ( شعرا». فقيل لعائشة رضي الله عنها : إن أبا هـريرة يقول: لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا. فقالت عائشة رضي الله عنها : يرحم الله أبا هـريرة، حفظ أول الحديث ولم يحفظ آخره؛ إن المشركين كانوا يهاجون رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: « لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا»؛ من مهاجاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ) >[19] .

( وكان أبو هـريرة رضي الله عنه يفتي أن من أدركه الفجر وهو جنب فقد أفطر، فبلغ ذلك عائشة رضي الله عنها فقالت: يرحم الله أبا هـريرة؛ لم يحفظ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج إلى الفجر ورأسه يقطر من ماء الجنابة ثم يصوم، فبلغ ذلك أبا هـريرة رضي الله عنه ، فقال: هـي أعلم مني، فرجع عن قوله ) >[20] .

( ولفظ مسـلم : أخبرنا عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن ، عن أبي بكر ، قال: سمعت أبا هـريرة رضي الله عنه يقص، يقول في قصصه: من أدركه الفجر جنبا فلا يصم. فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن الحارث -لأبيه- فأنكر ذلك، فانطلق عبد الرحمن وانطلقت معه حتى دخلنا على عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما ، فسألهما عبد الرحمن عن ذلك، قال: فكلتاهما قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصبح جنبا من غير حلم، ثم يصوم. قال: فانطلقنا حتى دخلنا على مروان ، فذكر ذلك له عبد الرحمن، فقال مروان: عزمت عليك إلا ما ذهبت إلى أبي هـريرة فرددت عليه ما يقول. قال: فجئنا أبا هـريرة وأبو بكر حاضر ذلك كله، قال فذكر له عبد الرحمن فقال أبو هـريرة: أهما قالتاه لك؟ قال: نعـم. قال: هــما أعلم، ثم رد ) [ ص: 102 ] ( أبو هـريرة ما كان يقول في ذلك إلى الفضل بن العباس ، فقال أبو هـريرة: سمعت ذلك من الفضل، ولم أسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم . قال: فرجع أبو هـريرة عما كان يقول في ذلك، قلت لعبد الملك: أقالتا في رمضان؟ قال: كذلك كان يصبح جنبا من غير حلم ثم يصوم ) >[21] .

8 - إنكار أمهات المؤمنين على عائشة رضي الله عنهن اختيارها في رضاع الكبيـر، ويأبين الأخذ به مع بقاء المودة والأخوة، ( فقد قالت لها أم سلمة : إنه يدخل عليك الغلام الأيفع الذي ما أحب أن يدخل علي. قال فقالت عائـشة : أما لك في رسـول الله صلى الله عليه وسلم أسـوة؟ قالت: إن امرأة أبي حذيفة قالت: يا رسول الله، إن سالما يدخل علي وهو رجل وفي نفس أبي حذيفة منه شيء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أرضعيه حتى يدخل عليك». ثم قالت أم سلمة : أبى سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخلن عليهن أحدا بتلك الرضاعة. وقلن لعائشة : والله ما نرى هـذا إلا رخصة أرخصها رسول الله صلى الله عليه وسلم لسالم خاصة، فما هـو بداخل علينا أحد بهذه الرضاعة ولا رائينا ) >[22] .

9 - إنكار ابن عباس على عدد من الصحابة رضي الله عنهم : فقد أنكر على معاوية استلامه غير الركنين اليمانيين >[23] . " فقد أخرج البخاري عن أبي الشعثاء أنه قال: ومن يتقي شيئا من البيت؟ وكان معاوية يستلم الأركان، فقال له ابن عباس رضي الله عنهما : إنه لا يستلم هـذان الركنان. فقال: ليس شيء من البيت مهجورا. [ ص: 103 ] وعن عكرمة ، عن ابن عباس قال: ما قالها ابن مسعود ، وإن يكن قالها فزلة من عالم؛ في الرجل يقول: إذا تزوجت فلانة فهي طالق قال الله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن ) ، ولم يقل: إذا طلقتم المؤمنات ثم نكحتموهن... " ورواه البيهقي من طريقه من وجه.

" آخر عن سعيد بن جبير ، سئل ابن عباس ، عن الرجل يقول: إذا تزوجت فلانة فهي طالق؟ قال: ليس بشيء إنما الطلاق لما ملك. قالوا فابن مسعود قال: إذا وقت وقتا فهو كما قال. قال: يرحم الله أبا عبد الرحمن ، لو كان كما قال لقال الله: إذا طلقتم المؤمنات ثم نكحتموهن " >[24] .

كما أنكر ابن عباس على المسور بن مخرمة فتياه بمنع المحرم من غسل رأسه: ( فعن إبراهيم بن عبد الله بن حنين ، عن أبيه، أن عبد الله بن العباس والمسور بن مخرمة اختلفا بالأبواء، فقال عبد الله بن عباس: يغسل المحرم رأسه. وقال المسور: لا يغسل المحرم رأسه. فأرسلني عبد الله بن العباس إلى أبي أيوب الأنصاري ، فوجدته يغتسل بين القرنين، وهو يستر بثوب، فسلمت عليه، فقال: من هـذا؟ فقلت: أنا عبد الله بن حنين ، أرسلني إليك عبد الله بن العباس أسألك كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسل رأسه وهو محرم، فوضع أبو أيوب يده على الثوب فطأطأه حتى بدا لي رأسه، ثم قال: لإنسان يصب عليه، اصبب. فصب على رأسه، ثم حرك رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، وقال: هـكذا رأيته صلى الله عليه وسلم يفعل ) >[25] . [ ص: 104 ] 10 - إنكار ابن عمر رضي الله عنهما على غيره: فقد أنكر على ابن عباس منعه الحاج من طواف القدوم قبل الوقوف بعرفات ، ( فقد أخرج مسلم ، عن وبرة ، قال كنت جالسا عند ابن عمر فجاءه رجل، فقال: أيصلح لي أن أطوف بالبيت قبل أن آتي الموقف؟ فقال: نعم. فقال: فإن ابن عباس يقول: لا تطف بالبيت حتى تأتي الموقف. فقال ابن عمر: فقد حج رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت قبل أن يأتي الموقف، فبقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تأخذ أو بقول ابن عباس إن كنت صادقا؟ ) >[26]

( وذكر لابن عمر أن أنسا يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بعمرة وحج، فقال: وهل أنس، إنما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج وأهللنا معه، فلما قدم قال: «من لم يكن معه هـدي فليجعلها عمرة». وكان مع النبي صلى الله عليه وسلم هـدي فلم يحل ) >[27] .

وأنكر ابن عمر على أبي أيوب وأبي هـريرة ومعقل الأسدي قولهم بعموم النهي عن استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة >[28] ، ( إذ قال رضي الله عنه : إن ناسا يقولون إذا قعدت على حاجتك فلا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس، فقـال عبد الله بن عمر : لقد ارتقيت يوما على ظهر بيت لنا فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على لبنتين مستقبلا بيت المقدس لحاجته ) >[29] . قال الشافعي : «أنكر على من يقول: لا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها. ورأى أنه لا ينبغي لأحد أن ينتهي عن أمر فعله رسول الله» >[30] . [ ص: 105 ] 11 - أمثلة أخرى من واقع الصحابة والتابعين:

أ - إنكار أم سلمة على سمرة بن جندب فتواه بقضاء صلاة الحائض >[31] .

ب - إنكار أبي بن كعب على عبد الله قولـه في ليلة القـدر، ( فعن زر بن حبيش ، قال: أتيت أبي بن كعب فقلت: يا أبا المنذر ، ما تقول في ليلة القدر فإن عبد الله يقول: من يقم الحول يصبها، فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن إنه ليعلم أنها في رمضان، وأنها ليلة سبع وعشرين، ولكنه عمي على ناس كثير لكي لا يتكلوا، فوالذي أنزل الكتاب على محمد صلى الله عليه وسلم إنه لفي رمضان، وإنها ليلة سبع وعشرين. قال قلت: أبا المنذر ، بم علمت ذلك؟ قال: بالآية التي حدثنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فحفظنا، وعددنا إنها لهي. لا يستثنى، قال قلت لزر : وما الآية قال تطلع الشمس غداتئذ كأنها طست ليس لها شعاع ) >[32] .

ج - إنكار مجاهد على طاوس فتواه فيمن ترك رمي حصاة، ( فعن ابن أبي نجيح ، قال: سئل طاوس عن رجل ترك من رمي الجمار حصاة، فقال: يطعم لقمة. وربما قال: تمرة. فقال مجاهد: يرحم الله أبا عبد الرحمن ألم يسمع ما قال سعد بن أبي وقاص ، إن سعدا قال: رجعنا من الحجة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعضنا يقول: رميت بسبع حصيات. وبعضنا يقول: رميت بست. فلم يعب بعضنا على بعض، وربما قال: فلم يعب هـذا على هـذا، ولا هـذا على هـذا ) >[33] . [ ص: 106 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية