الغرب ودراسة الآخر (أفريقيا أنموذجًا)

علي القريشي

صفحة جزء
الفصل الأول

المنهج المعرفي الغربي

ودراساته الإنسانية والاجتماعية حول أفريقيا المسلمة

مدخل

يتبنى الفكر الغربي مفهوما معلنا للعلم، مفاده أن العلم نشاط عقلي يرتبط بالواقع، وأنه لا وطن له، ولا جنسية ولا دين. غير أن هـذا الفكر وبحكم خضوعه القوي لثنائية الذات و (الآخر) حين أفرز علوما اختصت بالشعوب والمجتمعات الأخرى، لم يكن عند صياغتها وفيا لهذا المفهوم، حيث جاءت مداخله ومفاهيمه ونظرياته محكومة برؤيته الخاصة، وأفكاره المنحازة، وما يحمله تجاه الآخرين من غايات، وليس بحسب ما يمليه الواقع الموضوعي لتلك الشعوب والمجتمعات



>[1] من توصيف وتحديد.

وإذا كانت اهتمامات الغرب هـذه قد افتتحت بانطباعات الرحالة وكتابات المكتشفين الأوائل، ثم تبلورت في سياق ما سمي بـ «الاستشراق» فإنها تطورت في إطار الأنثروبولوجيا والتاريخ ومقارنة الأديان ودراسة الثقافات والتنمية السياسية وغيرها من العلوم، التي قامت على جملة من [ ص: 29 ] المسلمات والفروض والنمطيات الثابتة «stereo type » التي رسمت (الآخر) بقدر غير قليل من الذاتية والهوى، وباستطاعة الناقد المتفحص اكتشاف ذلك عبر ما طرحته تلك الدراسات من نظريات تفسيرية، وما تم صياغته في إطارها من مفاهيم ومصطلحات، ناهيك عن موضوعات البحث واستهدافاته العملية.

كما لا ننسى أن العلوم الإنسانية والاجتماعية أساسا هـي عصية على الخضوع إلى الضوابط والشروط الموضوعية المعروفة في العلوم الطبيعية، وهي في طبيعة انشغالاتها وأهدافها تستبطن بقدر أو آخر التحيز، وبالتالي من الصعب إبعادها عن المقاصد النفعية، فما بالك بعلوم يؤسسها الغرب في ظل سعيه نحو الهيمنة والاستحواذ ؟

بل كيف إذا ما كان (الآخر) المدروس، الذي يقع ضمن ساحات اهتمام الباحث الغربي وجغرافيات نفوذه هـو عينه الذي يحمل إزاءه إرثا تاريخيا مليئا بالريب والنفرة وسوء الفهم ؟

لا شك أن الموضوعية ستتعسر هـنا إلى حد كبير.

وإذا كنا لا ننكر بأن العلوم الإنسانية والاجتماعية الغربية قد شهدت تطورا وتجديدا في مناهجها وأدواتها التحليلية، إلا أن شقها المتخصص في المجتمعات غير الغربية ظل متخلفا



>[2] وظلت منهجيته محكومة بالتحيز، على نحو ما سنوضحه في الحال. [ ص: 30 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية