الغرب ودراسة الآخر (أفريقيا أنموذجًا)

علي القريشي

صفحة جزء
الأول: المنظور الأحادي للمعرفة

نعني بالأحادية هـنا اعتماد المعرفة على مصدر واحد يتمثل بكل ما هـو محسوس أو تجريبي، وبما يرتبط بالحس والتجربة من تفكير عقلاني، وهذا هـو المنظور المادي الذي اتخذته المنهجية المعرفية الغربية أساسا في تفسير الظواهر ومعرفة الحقيقة.

لقد تشكل هـذا المنظور عبر ظروف تاريخية واجتماعية شاعت خلالها المدرسة «العقلية» التي تعتبر التفكير العقلي أساس المعرفة، والمصدر الوحيد الذي يقود إلى فهم الطبيعة والإنسان والمجتمع، ويساعد على اكتشاف [ ص: 31 ] قوانينها، بعيدا عن أي منطق غيبي أو رؤية ميتافيزيقية على نحو ما عبر عنه « ديكارت » و « سبينوزا » و « ليبنتز »، ثم تدعم بظهور «الوضعية» التي اعتمدت الملاحظة والتجربة والحواس كسبل للمعرفة، على نحو ما مثلها « أوغسطت كونت » و « سبنسر » و « سان سيمون » وغيرهم ممن كان يقول بمماثلة الإنسان بالكائن العضوي؛ ناهيك عن « هـوايت » و « تالكوت بارسونز » و « روستو »، وغيرهم من علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا والتنمية، ممن يطابق النمو العضوي للكائنات الحية على النمو عند المجتمعات الإنسانية؛ فضلا عن «الأمبيريقية» التي اعتمدت التجريب الحسي والمؤشرات الكمية والصيغ الإحصائية كمداخل وأدوات دفعتها الى حصر المعرفة بالمعطيات المادية، بل اختزال حياة الإنسان بهذه الحياة الدنيا، الأمر الذي انعكس على مختلف فروع المعرفة؛ ناهيك عن «البرغماتية» التي عظمت الدليل التجريبي ولم تكن تؤمن بغير المعطيات النفعية الملموسة.

ومن كل ذلك تبلور النموذج المعرفي الغربي، الذي قيد بالأبعاد المادية والطبيعية والآفاق المحدودة للعقل البشري، دون الاعتراف بما هـو ميتافيزيقي أو ما يخرج عن نطاق الحقيقة المادية.

ومن هـذا المنطلق، وفي سياقاته، ساد المفهوم العلماني لدى أغلب مدارس العلم الغربي، وأسقطت في غضونه كل الحقائق التي لا تشتق من المدركات المادية، حتى أنه لم يعد للقوانين الإلهية والأخلاقية موضعا في التشكيل المعرفي أو في بناء العلوم، فالواقع وحده مصدر التنظير، وأضحت سلطة المعرفة تتعامل مع العالم كمادة استعمالية: للجنس الأبيض، صانع تلك [ ص: 32 ] المعرفة، الأمر الذي بلور ما يمكن تسميته - وعلى حد تعبير د. عبد الوهاب المسيري – ب «الرؤية المعرفية الإمبريالية»، التي ظلت تهيمن على العقل الغربي وعلى تصوراته تجاه (الآخر)



>[1] .

لقد سادت هـذه الرؤية منذ القرن التاسع عشر وحتى الآن، بما تنطوي عليه من مفاهيم ونظريات مختلفة في العلم والمعرفة والمناهج العلمية والتفسيرات، في النفس والاجتماع والسياسة والاقتصاد والدين وغيرها، حتى أن العلم صار ما يراه النموذج الغربي علما، والمنهج ما يراه هـذا النموذج منهجا، وبالتالي قيد تعريف العلم بـ «كل معلوم خضع للحس والتجربة»، وهو ما تبنته اليونسكو باعتباره التعريف الوحيد الجامع لكل ما يطلق عليه علما، والمانع لدخول غيره فيه



>[2] . وقد شاع هـذا التعريف لدى معظم الأوساط العلمية في العالم، بما فيه العالم غير الغربي ومنه عالمنا العربي والإسلامي، محاكاة أو تبعية، الأمر الذي يمكن معه القول: بأن «العولمة» التي بدء الحديث عنها قبل أقل من عقد من الزمان، كان قد شرع بها في الحقل المعرفي قبل غيره منذ عشرات السنين، وبالتالي لا غرابة أن نجد مقاربات العلوم الإنسانية والاجتماعية الغربية ومن يحاكيها تتغافل - وهي تتعامل مع الإنسان والمجتمع في أفريقيا - كثيرا من الحقائق النفسية والمعنوية والروحية والجمالية، التي ينطوي عليها هـذا الإنسان وذلك المجتمع.وإذا كانت ثمة [ ص: 33 ] اتجاهات شهدتها الفلسفة والعلم الغربيين منذ العقود الأولى من القرن العشرين





>[3] لم تكتف - كما أشرنا - بالحسية والمادية، إلا أن المنظور المادي ظل على أية حال هـو المسيطر على حركة العلم حتى الآن.

التالي السابق


الخدمات العلمية