الغرب ودراسة الآخر (أفريقيا أنموذجًا)

علي القريشي

صفحة جزء
سادسا: في الإعلام والدراسات الإعلامية

لعب الإعلام الغربي دورا مؤثرا في تقديم صورة غير موضوعية عن أفريقيا والإنسان الأفريقي، سواء كان ذلك من خلال الكتاب، أو الصحيفة، أو الإذاعة المسموعة أو المرئية، أو عبر السينما، أو غيرها من الوسائل، ناهيك عن مناهج المعرفة الإعلامية.

إن الكتابات التي قدمت الآداب الأفريقية كانت تنطلق من فرضيات وتعميمات جاهزة، تنطمس خلالها الكثير من خصائص تلك الآداب، كما أن أدب المدرسة الاستعمارية واصل تصويره لأفريقيا من منطلق معايير خارجية أغفلت في سياقها العديد من الحقائق، وقدمت عبرها صور حافلة بالغرائبية والتصورات الموهومة



>[1] . [ ص: 65 ]

أما الكتب التي ينشرها الغربيون عن الإسلام والعرب، فهي غالبا ما تعتمد استراتيجية التشويه وتزوير التاريخ، وتعمل على استدراج الأفارقة المسلمين للتخلي عن دينهم، ودفعهم إلى اتخاذ مواقف نافرة منه، وليس كتب «ما هـو الإسلام what is Islam» و «الإسلام في الشرق الأفريقي Islam in East Africa » والعرب والرقيق



>[2] إلا أمثلة قديمة تبعتها العشرات من الكتب، التي ظل الدس والتشويه أبرز سماتها. أما الإذاعات المسموعة والصحافة المقروءة فهي تحفل بصنوف الأضاليل والأشكال المختلفة لتزييف الوعي، وقد لعبت الإذاعات والصحف التبشيرية المتزاحمة دورا واضحا في ذلك.

كما أن السينما الغربية كان لها الدور الأوسع في كل ذلك، في سياق ما قامت به من تنميط لشخصية الأفريقي، التي أحيطت بأوصاف شنيعة من قبيل: الهمجي، المجرم، البدائي، المتخلف، الوغد.. الخ وكان لهوليود الدور الأكثر فاعلية في الإسهام بتكوين رأي عام سلبي إزاء السود في العالم، وإعطاء الانطباع بأن المشروع الاستعماري هـو بمثابة الحل المنقذ لأولئك الأفارقة، الغارقين في وحول التخلف، ناهيك عن التشويه الذي تعرض له العرب، والإيحاء بأنهم كانوا وراء تجارة الرقيق، حتى أن فيلما مثل «عرب زنجبار» يقدم «ممباسا» المدينة العربية الأفريقية المسلمة - التي وصفها الفيلم المذكور بالمدينة المحمدية - بصفتها مركزا لتلك التجارة سيئة السمعة. [ ص: 66 ]

أما في مجال الدراسات الإعلامية، فإن معظم بحوث الإعلام ظلت خاضعة للمنهجية المعرفية الغربية، بما تركز عليه من منطلقات عرقية ومركزية واستيعابية، لهذا كان الكثير من النشاط البحثي لم يكن له من اهتمام خلا إجراء المسوح والدراسات التي تستهدف تطويع المواطن والتعرف على مداخل السيطرة عليه، والبحث عن مدى تأثير الوسائل الإعلامية الأجنبية في تفكيره ووجدانه، وبالتالي لم تقدم تلك الأنشطة أي إنجاز ذا قيمة على الصعيد العلمي إلا بالقدر الذي يخدم مصالح وأغراض الهيئات الأجنبية التي كانت تمولها



>[3] والتي تمثل مصالح الغرب وشركاته المتعددة الجنسية.

حتى برامج الدراسة في المعاهد الإعلامية التابعة للجامعات الأفريقية ظلت تعتمد تلك المنهجية بمدارسها المختلفة، وتعيد إنتاج مسلماتها ومفاهيمها واتجاهاتها : المدرسة الأمريكية في المناطق الناطقة باللغة الإنجليزية، كنيجيريا وكينيا وجنوب أفريقيا ، والمدرسة الفرنسية في المناطق الناطقة باللغة الفرنسية، كالجزائر وتونس والكاميرون وما لاجاشي ، الأمر الذي يؤكد بأن المناهج التعليمية كانت محضنا لتلك المنهجية.

وإذا كانت ثمة محاولات بحثية جديدة أخذت تترعرع في ظل بعض الهيئات والمنظمات الدولية، كالفاو واليونسكو وغيرها، إلا أن المنطلقات [ ص: 67 ] المعرفية لمثل هـذه البحوث ظلت هـي الأخرى مشدودة إلى المنهجية الغربية، كما أنها تفتقر إلى الوعي الاجتماعي الخاص، مما كان يجعلها عاجزة عن إدراك احتياجات الواقع الحقيقية



>[4] وبالتالي بقي الإعلام - أداة وبحثا - طوع الاستراتيجيات الغربية في التطبيع والتكييف، وهو وضع أخذ بالتفاقم في ظل العولمة الراهنة التي يشكل الإعلام أحد آلياتها الخطيرة.

التالي السابق


الخدمات العلمية