الغرب ودراسة الآخر (أفريقيا أنموذجًا)

علي القريشي

صفحة جزء
ثانيا: الحقائق العلمية الموضوعية

مجموعة الظواهر التي تأخذ شكل السنن والقوانين العامة، والتي تعبر عن الواقع الموضوعي للإنسان والمجتمع، هـي ما نقصده بالحقائق الموضوعية، وحيث يمثل اكتشاف هـذه الحقائق المجال الذي ينصب عليه الجهد العلمي العيني، فهذه المجموعة إنما تمثل «العلم» بمعناه المحدد، الذي يتميز عما «قبل العلم» وعما بعده.

ويمكننا أن نقسم هـذه الحقائق إلى قسمين:

القسم الأول: الحقائق المطلقة

السنن والاطرادات والقوانين، التي تحكم الوجود الإنساني، الفردي أو الجماعي، والتي تعبر عن دلالاتها «المبادىء» أو «المفاهيم» أو «النظريات» العلمية، التي تشمل مختلف جوانب الحياة، وتصدق على الإنسان والمجتمع في كل مكان وزمان، وتكتسب بذلك صفتها الإطلاقية، أو كما يقول الدكتور فؤاد زكريا : «الحقيقة العلمية في إطارها الخاص تصدق على كل الظواهر، وتفرض نفسها على كل عقل، وبهذا المعنى تكون مطلقة»



>[1] أيا كان المصدر الذي اكتشفها أو نبه إليها.

وميزة هـذه الحقائق موضوعيتها المجردة، وتشكلها المنعزل عن العقل الآيديولوجي، أو الأفكار المسبقة، باعتبارها سنة الله في هـذا الوجود، التي [ ص: 80 ] لا تحويل لها ( ...ولن تجد لسنت الله تحويلا ) (فاطر:43) مع ملاحظة أن ما يجمع عليه عقليا وعلميا بأنه حقيقة مطلقة يظل كذلك ما لم تظهر حقائق أخرى تلغي على نحو ما تلك الصفة، مما يعني ارتهان الإطلاق بما قد يحدث مستقبلا، إذ قد يتغير ما كان يحسب من الحقائق المطلقة ليضحى نسبيا، أو حتى يفتقد صفة الحقيقة. ولا أشهر من حقيقة أن فيزياء أرسطو دحضت بفيزياء نيوتن ، وفيزياء نيوتن تجاوزتها نسبية أينشتاين ، والشيء نفسه يحدث لفيزياء هـذا الأخير بعد اكتشاف بعض الثغرات فيها.

وهكذا، فالكثير من الحقائق التي ظن بأنها مطلقة وسادت فترة من الزمن لم تعد كذلك، وبخاصة مع ثورتي «الكم Quantum» و «النسبية Relativity»



>[2] . نظرا لما حدث لها من تغير، أو ما أصابها من توسع أو تحور أو حتى إلغاء، عقب ظهور حقائق ناسخة، كل ذلك من غير أن نتحدث عن ماهية الحقائق العلمية، التي لا زال الكثير منها مجرد افتراضات مجهولة الماهية، كما هـو الحال مع حقائق الذرة والكهرباء والجاذبية والأثير والجينات الوراثية



>[3] وغيرها، الأمر الذي يفيد بأن الكثير من تلك الحقائق يظل احتماليا بالمعنى المذكور، ولكن دون أن يعني ذلك أنه لا توجد حقائق مطلقة البتة، أو أن جميع الظواهر قائمة على الفوضى واللايقين. [ ص: 81 ]

إن الحقائق التي تكتسب صفة الثبات في إطلاقها تلتقي مع «الحقيقة الدينية» الحقة، ولا تتعارض معها، لكون مصدر تكون الحقيقتين واحد، هـو الله سبحانه وتعالى، لذلك ليس ثمة تناقض أو تصادم بين الاثنتين في النموذج المعرفي الإسلامي. وإذا كان بعض أو أكثر هـذه الحقائق يتم اكتشافها اليوم من قبل علماء غير مسلمين، وتعبر اكتشافاتهم عن قوانين نفسية أو اجتماعية أو سنن للوجود أو قوانين للظواهر والنظم والحضارات، فهذا كشف لما قرره الله، وما أوجده في طبيعة الأشياء والأمور، ولا دخل لعرقية المكتشف أو عقيدته الدينية أو آيديولوجية السياسية في تقريرها، فضلا عن صنعها، لذلك تندرج هـذه الحقائق ضمن متبنيات النموذج المعرفي الإسلامي.

وإذا كنا قد أشرنا إلى أن الحقائق المطلقة في إطار العلوم الإنسانية والاجتماعية تظل محدودة، ولا تشكل إلا نسبة ضئيلة، فإن الكثير مما يدعيه رجال هـذه العلوم من اكتشاف يوضع ضمن هـذا المستوى من الحقائق ما هـو إلا وهم، أو تحكم، أو ادعاء، وبالتالي لا تعدو كثير من المفاهيم والمبادىء والنظريات المعلنة في هـذا الإطار أكثر من آراء أو وجهات نظر، أو تصورات تمليها المواقف الآيديولوجية، أو الخصوصيات المحلية، أو الأوهام الذاتية.

مصادر اكتشاف الحقائق المطلقة

يمكن تحديد هـذه المصادر، في المنهجية المعرفية الإسلامية، على النحو التالي:

1 - النص الديني (القرآن والسنة) بعض النصوص القرآنية والنبوية، [ ص: 82 ] القطعية الورود والدلالة، تقدم جملة من القوانين والسنن













>[4] وتشكل مصدرا من مصادر الحقائق المطلقة، ومن أمثلتها:

- ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة... ) (النساء:1) يعبر هـذا النص عن وحدة الأصل الإنساني، وهي حقيقة تنفي النظريات والأفكار العنصرية.

- ( وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا ) (الكهف:59) (قانون عاقبة الظلم) . [ ص: 83 ]

- ( ...إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم... ) (الرعد:11) (قانون التغيير الاجتماعي) .

- ( أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ) (العنكبوت:2) (سنة ابتلاء المؤمنين)

- ( كما تكونون يولى عليكم )



>[5] (قانون سياسي) .

- ( ...إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون ) (النمل:34) (سنة الغزو الطغياني) .

- ( ...لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) (يونس:49) (قانون آجال الأمم) .

- ( من سكن البادية جفا )



>[6] (حقيقة سلوكية تبين أثر البيئة الجغرافية على السلوك) .

- ( ما ظهر الغلول (سرقة الأموال العامة) في قوم قط إلا ألقي في قلوبهم الرعب، ولا فشا الزنا في قوم قط إلا كثر فيهم الموت، ولا نقص قوم المكيال والميزان إلا قطع عنهم الرزق ... )



>[7] .

- ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) (النجم:39)

و ( من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون ) (هود:15) [ ص: 84 ] . ( كلا نمد هـؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا ) (الإسراء:20) (قوانين السعي) .

في مثل هـذه النصوص وغيرها، تبرز عوامل الارتباط بين الأسباب والمسببات، التي تنتج حقائق حتمية، ذلك أن بعض السنن الربانية تقول للإنسان: إنه إذا اختار كذا فإن النتيجة الحتمية لهذا الاختيار هـي كذا، فهي تدع له حرية الاختيار ولكنها ترتب نتيجة معينة ثابتة لا تتغير



>[8] ، فيما تكشف نصوص أخرى عن بعض القوانين والسنن التي أوجدها الله في مسرى الاجتماع وحركة الحياة الاجتماعية والإنسانية، بصرف النظر عن الإرادة الإنسانية



>[9] ، إضافة إلى السنن التي تقبل التحدي على المدى القصير ولا تقبله على المدى البعيد.

ومن هـذه الحقائق والقوانين يمكن اشتقاق الفروض، أو بنائها على النحو الذي يحدد مسارات البحث، والتي يمكن من خلالها التحرك العلمي نحو اكتشاف المزيد من الحقائق.

2- الخبرة البشرية المتواصلة من الحقائق ما يمكن إدراكها بالعقل، أو استشعارها بالفطرة، أو إثباتها بالخبرة، وعلى النحو الذي قد تتواصل [ ص: 85 ] معطياتها زمانيا ومكانيا، حتى لينال الإقرار بها إجماعا تتبوأ معه مرتبة البدهيات، وهذه الحقائق لا تشكل أي تعارض مع النص الديني الإسلامي، بل قد نجد فيها ما قد يتفق معه.

3- البحث العلمي يمكن من خلال البحث العلمي، الذي يقوم على الملاحظة الدقيقة والوصف والتصنيف وفرض الفروض والتجريب والتحليل اكتشاف السنن، التي يتقبلها الجميع على أنها حقائق مطلقة، بصرف النظر عن هـوية المكتشف أو موطنه، أي أن مثل هـذه الحقائق ستكون جزءا مما تتبناه المنهجية المعرفية، حتى وإن لم يكن المكتشف أو المشير إليها من ضمن دائرة الانتماء الإسلامي.

وفي إطار البحث العلمي، يمكن للباحث المسلم أن يتميز عن غيره بما يستصحبه من نصوص دينية قطعية، طارحا مضامينها كمسلمات أو افتراضات ينطلق منها ويتحرك من خلالها عبر دراساته العلمية.

القسم الثاني: الحقائق النسبية

هي مجموعة القوانين التي تظهر ضمن مجال جغرافي أو حضاري أو اجتماعي معين، بحيث لا يمكن التحدث عن مثل هـذه الحقائق خارج مجالها المذكور. فارتباطها بالبيئة المحلية، واكتسابها صفة الحقيقة ضمن وجودها في إطار هـذه البيئة، سيحول دون إطلاقها ويقيدها كحقيقة علمية موضوعية في إطارها النسبي، وأنها لتفقد هـذه الصفة إذا ما خرجت عن إطارها البيئوي المحدود، لذلك فهي حقيقة نسبية بهذا المعنى. [ ص: 86 ]

ويعود منشأ النسبية في الحقائق الإنسانية والاجتماعية إلى عاملين أساسين هـما:

العامل الأول: السمات العامة التي تتشكل بها المجتمعات تاريخيا: نتيجة لعدد من العوامل والظروف تتشكل جملة من السمات العامة ضمن مجتمع أو إطار معين، وتصبح هـذه السمات عنوانا لخصوصية ذلك المجتمع أو الإطار، كما تمثل عناصر معادلته الاجتماعية وجوهر تمايزه عن بقية المجتمعات. ومن هـنا تبرز جملة من الحقائق التي تعبر عن كل مجتمع، وتعكس سماته الاجتماعية والحضارية ومستوى تركيبه، مما يعني أن كل منظومة اجتماعية لا بد أن تنفرد بعناصر أو فعاليات قد لا تتوافر في المنظومة الأخرى



>[10] .. كما أن هـناك تطورات فريدة لبعض الظواهر الإنسانية نلمحها في مجتمع دون غيره، الأمر الذي يفرز بعض الحقائق الموضوعية المستقلة حتى في المجتمعات التي توجد فيها نظم ومؤسسات متماثلة كالمجتمعات الرأسمالية مثلا، ذلك أن اختلاف النشأة والتركيب الداخلي لتلك النظم والمؤسسات، وما يتمخض عن تطوراتها من علاقات متباينة، حري بإعطاء نتائج مختلفة



>[11] لهذا نجد مثلا بأن «علم اجتماع التربية» في أمريكا يختلف عنه في إنجلترا برغم رأسمالية البلدين، نظرا لأن الأول موجه بنموذج «الصراع» بحكم ظروف الولايات المتحدة التي مرت بها أثناء سباقها التقني مع الاتحاد [ ص: 87 ] السوفيتي وحرب فيتنام وثورات الشباب الجامحة في الستينيات، فيما اتجه العلم نفسه في إنجلترا بنموذج: «التفسير» المتأثر بعلم اجتماع المعرفة، وبالتالي بالفلسفة الإنجليزية



>[12] ، لذلك كانت النتيجة اختلاف الحقائق المستخلصة عن هـذا العلم في كلا المجتمعين، فحقائقه في مجتمع معين لم تعد صالحة بالضرورة للتعبير عن واقع مجتمع آخر، وهذا هـو الذي يفسر لنا ذلكم الجزء الكبير من الحقائق النسبية التي تحتويها العلوم الإنسانية.

العامل الثاني: طبيعة النظام السياسي: تلعب طبيعة النظام السياسي وأحكامه السائدة في مجتمع ما، دورا في إنتاج جملة من الحقائق الإنسانية والاجتماعية، التي قد لا نرى لها نظيرا في مجتمعات أخرى تسودها نظم وأحكام أخرى مختلفة.

ولتوضيح ذلك نقول: إنه إذا كان «قانون تناقص الغلة»، الذي يعني بأن الأرض الزراعية تأخذ غلتها بالنقصان بعد كل استغلال، يمثل في علم الاقتصاد «حقيقة موضوعية مطلقة» تنطبق على كل أرض، بصرف النظر عن النظام السائد فيها، فان «القانون الحديدي للأجور» الذي وضعه « ريكاردو » والذي يذهب إلى أن أجور العمال إذا ما زادت عن حد معين سرعان ما تعود إلى الهبوط باتجاه ذلك الحد، وإذا ما انخفضت سرعان ما تعود صاعدة باتجاه ذلك الحد نفسه، وهكذا تستمر الظاهرة على هـذا النحو، هـو بمثابة «قانون علمي»، ولكن مع اشتراطه بنظام رأسمالي وسوق حرة للأجراء، وبدون ذلك لا يمكن [ ص: 88 ] أن نرى له وجودا، مما يعني ذلك أنه قانون نسبي ولا معنى للبحث عنه أو استخدامه كأداة تحليلية في إطار مجتمع غير رأسمالي



>[13] .

ومما تجب إضافته وتوضيحه هـو أن الحقيقة النسبية ما دام يتوقف إنتاجها على مرحلة زمنية معينة، فإن من الممكن أن تتعرض إلى التغير وفقا لما تتعرض له سمات المجتمع أو النظام الذي يكونها من تغيرات أو تحول، وبهذا فطبيعة النسبية هـي الأخرى متغيرة في المكان الواحد عند اختلاف الأزمنة والظروف المحيطة.

إن أهمية الوعي بهذه الحقائق تتجلى في معرفة الحدود العلمية التي يمكن أن تلعبها المفاهيم والنظريات المستخلصة عن حقائق كل مجتمع، فمثلا مفهوم «الخبرة» المستخدم كثيرا في حقل التربية، الذي أشتهر عن « جون ديوي » وأتباع مدرسته البراجماتية، لا يحسن إدراكه إلا في إطار المجتمع الأمريكي، الذي انبثق عنه، أو ربما المجتمع الغربي الذي عبر عنه، كما أن قوانين الاقتصاد السياسي التي يتم الكشف عنها في إطار نظام اقتصادي رأسمالي أو اشتراكي يجب إدراكها ضمن سياق ذلك النظام ومعادلاته الخاصة. وتعد عقدة «أوديب» وعقدة «ألكترا» - على فرض صحة دلالتهما - ليستا إلا تعبيرا عن سيكولوجيا معينة. والقومية كعنصر من عناصر القوة وأساس من أسس بناء الدولة الحديثة، هـي حقيقة صدقت في [ ص: 89 ] أوربا ولكنها قد لا تصدق على غيرها كالمجتمعات الإسلامية شأنها شأن « العلمانية » التي ساعدت أوربا على النهوض والتخلص من قيود الكنيسة، فيما هـي أداة للبلبلة وإثارة النزاع في المجتمعات المسلمة.

إن عدم الوعي بكل ذلك ينطوي على خطورة تتجلى في تعاملنا بشكل خاص مع حقائق الغرب (النسبية) التي كثيرا ما يتم التعامل معها كما لو أنها حقائق مطلقة تصدق على كل المجتمعات، وبالتالي تعميمها وتبنيها معرفيا من قبل الآخرين ونحن منهم الأمر الذي لا يكرس التبعية العلمية فحسب بل ينتج علما مزيفا تتشوه عبره الحقائق إن لم تضيع.

لقد كانت قضية التمييز بين «الحقائق المطلقة» و «الحقائق النسبية» مطروحة في تراثنا العربي والإسلامي بشكل دقيق. فقد نقل إلينا أبو حيان التوحيدي في «الإمتاع والمؤانسة» وقائع مناظرة جرت عام 327هـ بين العالمين العربيين أبي سعيد السيرافي وأبي بشر متي القناتي حول مبررات الأخذ بالمنطق اليوناني، فأثارت تلك المناظرة إشكالية جدل العام والخاص، والمطلق والنسبي، في الحقيقة العلمية في مجال المنطق، على الرغم من أن المنطق هـو أقرب الى الرياضيات منه إلى الفلسفة، فكيف الحال بالنسبة للعلوم الإنسانية والاجتماعية؟‍‍‍ ‍‍‍‍‍

إن بذل الجهد في اكتشاف الحقائق العلمية النسبية، الإنسانية والاجتماعية، في إطار كل مجتمع أو مجال إسلامي - كما هـو الحال بالنسبة للمجال الأفريقي - مسألة جد مهمة في بناء المعرفة والعلوم الإنسانية الصحيحة، في المجتمعات الإسلامية. [ ص: 90 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية