التعليم وإشكالية التنمية

حسن بن إبراهيم الهنداوي

صفحة جزء
مقدمة

الحمـد لله، الذي خلق الإنسان، علمه البيان، وله الحمد أن رفع الذين آمنوا والذين أوتوا العلم درجات.

والصـلاة والسلام على رسول الله المبعوث معلما للناس أجمعين، ورضي الله عن صحابته، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

وبعـد،

فإن هـناك اتفاقا من قبل علماء المسلمين ومفكريهم على أن العالم الإسلامي يعيش أزمة في تاريخه الحديث، تتفاوت حدتها وتختلف آثارها من مجتمع إلى آخر. وقد يكون من السخف أن نطالب بتقديم دليل ذلك، إذ الواقع خير شاهد على ما نقول، وفي العيان غنية عن البيان؛ فالأمة الإسلامـية انحدرت إلى انحطاط بعد رقي، وإلى جهالة بعد علم، وإلى ضعف بعد قوة، وإلى تشتت بعد وحدة. وعليه، فإن العالم الإسلامي أمامه العديد من المشكلات والعوائق التي عليه أن يتجاوزها ويزيلها إذا أراد أن يسجـل شهوده الحضاري من جديد، ويسترد مجده الريادي الذي كان لأسلافه، الذين خلف من بعدهم خلف فرطوا في تلك الحضارة وأضاعوها وما رعوها حق رعايتها، فكان جزاؤهم أن أدركتهم سنة الحياة، وضرب عليهم التخلف، وسـلبوا ما كان لأسلافهم من [ ص: 33 ] مجـد مؤثل، وحضارة رائعة. فانتقلت الدورة الحضارية من العالم الإسلامي إلى العالم الغربي، فرعوها حق رعايتها، فتحققت لهم الهيمنة والسيطرة على العالم كـله حتى اليوم.

ثـم دب الأمل في العقود الأخيرة، وبدأ التفكير في كيفية تنمية العالم الإسلامي، بعد أن فقد معظم من بهرتهم الحضارة الغربـية الأمل في استرداد الحضارة للعالم الإسلامي من جديد، واستسلموا لهذه الأوهام ورضوا أن يكونوا من الخوالف. فما كان أن ظهر فتية آمنوا بضرورة العمل من أجل استئناف نهضة حضارية إسلامية، وازدادوا ثقة بذلك، لأن تاريخ أمتهم قد سجل حضارة نعم الناس بها زمنا لا يستهان به في عمر الحضارات الإنسانـية.

فهؤلاء الذين دب فيهم الأمل من أجل استئناف النهوض الحضاري بدأوا بتشخيص الأزمة التي تعيشها الأمة، والعوائق المانعة من التنمية في العالم الإسلامي، حيث إن تشخيص الأزمة تشخيصا سليما وموفقا يحدد نوعية العلاج تحديدا سليما وموفقا أيضا. فهذا على خلاف ما لو وقع خطأ في التشخيص، حيث إن ذلك يستتبع خطأ في التحديد؛ فتزداد الأزمة تجذرا من حيث أريد اجتثاثها.

فذهب بعضهم إلى القول: بأن الأزمة أزمة عقيدة، إذ المتأمل في أحوال العالم الإسلامي يجد أن السواد الأعظم منه يتبنى عقيدة متصفة بالتقليد، أطفأ فاعليتها طول الدهر، وأفرغت من محتواها، ففقدت بذلك حيويتها وأثرها في تحريك الإرادة ودفعها نحو التحضر والرقي، حيث إن الأمة عموما قد أصابها [ ص: 34 ] انحراف عقدي خطير تسبب في تدهورها الحضاري وتخلفها العلمي وانحطاطها المعرفي. بينما ذهب آخرون إلى القول بأن الأزمة أزمة فكرية تـتمثل في تعطيل الفكر الإسلامي عن إنتاج مناهج وبيان سبيل التنمية والنهضة الحضارية، إذ أصابت العقل المسلم نكسة؛ فارتد من الإبداع إلى التقليد، ومن الحيوية إلى الخمول، ومن الإنتاج إلى الاستهلاك. ولذا، فإن الوضع الحالي للأمة الإسلامية وما عليه من تخلف فكري، وضعف معرفي، وفقر علمي، واضطراب مرجعي، سببه الأساس أزمتها الفكرية، وعليه، فليس أمام المسلمين إن هـم أرادوا تنمية علمية ويقظة حضارية إلا أن ينهضوا بالفكر، ويستأنفوا عملية الاجتهاد والإبداع من جديد.

وذهب فريق ثالث إلى تشخيص أزمة الأمة بأنها أزمة مالية اقتصادية حادة نتج عنها انخفاض في نسب النمو، وانعدامها أحيانا، وانتشار كبير للفقر، ففقدت كثير من بلدان العالم الإسلامي تبعا لذلك استقلاليتها في اتخاذ القرارات والتسيير الداخلـي لشعوبها، فأدت هـذه الأزمة إلى تخلف العالم الإسلامي وانحطاطه الحضاري بعد أن كان قوة اقتصادية ومالية تسير العالم وتسوسه. ثم إن هـذه الأزمة المالية دفعت بالأمم الإسلامية إلى التداين الربوي من الأمم الغربية مما زادها وهنا على وهن >[1] . [ ص: 35 ]

وأيا ما كان الأمر، فإن هـناك جملة من الأقوال والآراء المتعددة حول تشخيص أزمة العالم الإسلامي، وذلك تبعا لتعدد المشكلات والأزمات التي أرخت سدولها عليه منذ أمد بعيد، وطال مكثها، إذ لبثت فينا عمرا طويلا ولم تنجل بعد. وعليه، فإن المسلم المعاصر غالبا ما يجد نفسه في حيرة أمام هـذه الآراء المختلفة والكم الهائل من المشكلات والأزمات الجاثمة على صدر هـذه الأمة، فإذا حدثته نفسه يوما ما بنهضة تنموية حضارية إسلامية، فلا تجد هـذه النظرة التفاؤلية لقلبه مدخلا ولا لفكره متسعا، هـذا إن لم يعدها مجرد أوهام أو أضغاث أحلام. ولعل سبب هـذه الحيرة لدى كثير من أبناء هـذه الأمة مرده إلى كثرة الكلام عن مشكلة العالم الإسلامي وأزمته، فضلا عن تعدد الآراء وكثرتها في هـذه المسألة، حيث إن الفرد المسلم استقر في وعيه الباطني أن العالم أو الأمة الإسلامية عبارة عن مجموعة من الأزمات والمشكلات. فهذا الوعي الباطني صنع غشاوة غليظة على عقول المسلمين صعبة الاختراق، ولذا فمن راودته فكرة النهوض الحضاري والتنمية، قابلها بهذا الوعي الباطني، وأنه لا أمل في استئناف حضارة إسلامية أمام هـذا الكم الهائل من الأزمات المتراكمة، بعضها فوق بعض، التي أصابت شتى نواحي حياة الأمة الإسلامية.

ومهما يكن من أمر، يمكن القول: إن التعليم يمثل الأزمة الأم في العالم الإسلامي، وذلك لسببين مهمين:

أحدهما أن الصلاح والفساد في الأرض مبني على صلاح وفساد الإنسان، كما قال تعالى:

( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت [ ص: 36 ] أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ) ( الروم:41) .

ودليل الخطاب >[2] لهذه الآية يفيد أن ظهور الصلاح في البر والبحر أيضا إنما يتحصل بما كسبت أيدي الناس. فإذا كان صلاح العالم مرهون بصلاح الإنسان، وفساده بفساده، فلا أظن أن هـناك وسيلة لإصلاحه وتهذيبه وتثقيفه وتنمية قدراته أفضل وأولى من تعليمه.

والآخر أن إصلاح الإنسان بتعليمه سوف يؤدي حتما أو غالبا إلى الخروج من الأزمات الأخرى، حيث إن المجتمعات الإنسانية إذا تم إصلاح أفرادها وإرشادهم وتوجيههم بالتعليم، فسوف يؤدي كل فرد دوره الميسر له، وبذلك تصلح العقول، وتستقيم الأفكار، وتنهض الأمة، وتخرج من المأزق الحضاري، الذي أحاط بها من كل حدب وصوب.

وهذا مما يوجب الاعتناء بأمر التعليم وإعطائه الأولوية في الاهتمام بالنسبة لحاضر العالم الإسلامي؛ لأنه مدخل أساس لتحقيق تنمية حضارية شاملة، ذلك أن الأزمات الأخرى تبع للتعليم في حالة صلاحه أو فساده؛ فالعقيدة بلا علم ولا تعليم تقود إلى الوقوع في البدع والخرافات والشرك، والعقل بلا تعلم يصاب بنكسة فكرية وضـعف معرفي، والمال بلا علم ولا تعلم يؤدي إلى ضياعه وفقدانه لعدم توفر حسن سياسة ذلك المال [ ص: 37 ] نتيجة الجهل ونبذ التعليم. وهكذا الأمر بالنـسبة للبقية المتبقية من الأزمات، مما يؤكد أن أزمة التعليم أصل وغيرها فرع، ولا يخفى على كل ذي لب أن الأصل مقدم على الفرع، والفرع تابع للأصل.

ومن ثـم، يمكن القول: لابد من الاهتمام بالعلم والتعليم، بوصفه مدخلا ضروريا للتنمية، ونقطة انطلاق لا مفر منها للتخلص من أزمات ومشكلات العالم الإسلامي كلها، لذلك فلا غرابة أن يعد التعليم الأزمة الأم، وما سواه تبع له. ناهيك عن أن عملية تنمية العالـم الإسـلامي وما يبذل في سبيل ذلك من جهود، لن تجدي نفعا إذا لم تعن بأمر التعليم وتنميته قبل غيره من مجالات التنمية الأخرى.

زد على ذلك، أن موضوع التنمية يعد من أهم الموضوعات التي تشغل الناس أفرادا وجماعات، شعوبا وحكومات. والسبب في ذلك أن الناس كلهم يسعون جاهدين للتنمية، كل على شاكلته، ولا يغفل عنها إلا من لا خلاق له في الدنيا ولا في الآخرة. فالهدف الأساس للتنمية هـو تحسين حياة البشر والازدياد من ذلك على حسب قدرات الناس وعزائم كل فرد، وعلى قدر أهل العزم تكون التنمية. ومن ثم، فلا غرابة أن تكون التنمية عملية حضارية، لكونها تشمل مختلف أوجه النشاط في المجتمع بما يحقق رفه الإنسان وكرامته، وهي أيضا بناء للإنسان وتحرير له وتطوير لكفاءاته وإطلاق لقدراته، كما أنها اكتشاف لموارد المجتمع وتنميتها وحسن الاستفادة منها، بحيث تعود بالنفع للمجتمعات الإنسانية، دون المساس بسعادتها وأمنها. [ ص: 38 ]

ونظرا لأهمية التنمية، فإنها باتت تشغل حيزا كبيرا من كتابات المهتمين بأمر التطوير والرقي والازدهار والنهضة في المجتمعات الإنسانية، وليس الاهتمام بها لدى شعوب العالم الثالث، أو ما يعبر عنه بالشعوب النامية، فحسب، بل إن الشعوب التي حققت تطورا وازدهارا وشهدت نهضة كبيرة في عصرنا، والمتمثلة في العالم الغربي لا تنفك عن الاهتمام بأمر التنمية، اهتماما بكيفية الزيادة في حجمها، كما وكيفا، والمحافظة عليها أيضا، ولو بحجبها عن الآخرين.

فهذه تقريبا بعض اللمحات المتعلقة بالتعليم وإشكالية التنمية في العالم الإسلامي، والتي آمل أن تسهم هـذه الدراسـة في إثراء البحوث ونموها، كما وكيفا، فيما يتعلق بموضوعي التعليم وإشكالية التنمية في العالم الإسلامي، وأن توجه الباحثين والدارسين نحو الاهتمام بقضـايا التعليم ومشـكلاته، إذ التعليم شرط أساس للتنمية وتحقيق نهضة حضارية إسلامية من جديد، بل إن ذلك كله لا يتم إلا إذا كانت الانطلاقة من إصلاح التعليم وتطويره وتنميته >[3] . [ ص: 39 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية