التعليم وإشكالية التنمية

حسن بن إبراهيم الهنداوي

صفحة جزء
3- خصائص التنمية الإسلامية

أ - التطوير والتغيير إن أهم خاصية للتنمية هـي كونها عملية تهدف إلى تطوير وتغيير حـياة الناس في مجتمـع ما، ولذلك لا يكاد يخلو تعريف من الإشـارة إلى هـذا العنصر الأسـاس في عمـلية التنمية أو ما يشاكله، مثل التقدم والرقي والتحسين وغيرها. ولكن عملية التطوير والتغيير هـذه لابد أن يراعى فيها مدى قابلية الأفراد واستطاعتهم لذلك، حتى لا يكلف الناس أكثر من وسـعهم أو يحملوا ما لا يطيقون فتفشل العملية من حيث يراد لها النجاح. ولذا، ورد في التعريف تقييد عملية التطوير والتغيير بعبارة «قدر الإمكان» مراعاة لاختلاف الناس من حيث قابليتهم للعملية التنموية.

ثم إن عملية التغيير تكون في التنمية دائما نحو الأحسن فالأحسن، وذلك لوجود فرق مهم بين كلمتي التغيير والتنمية؛ فالتنمية دائما تعني التحسيـن والرقي والزيادة في الشيء، بينما التغييـر قد يكون لما هـو حسن كما يكون لما هـو سيئ. وقد ورد لفظ التغيير في موضعـين من القرآن الكريم، أولهما في سورة الأنفال في قوله تعالـى:

( ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم ) (الأنفال:53) ،

وثانيهما في سورة الرعد وهي قوله تعالى: ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) (الرعد:11) . [ ص: 79 ] فالتغيير الوارد في الآية الأولى إنما هـو تغيير نحو السيئ، بحيث إن الله لا يـغير نعمته إلى نقمة إلا إذا حصل ما يقتضي ذلك، وهو التغيير السيئ لأنفس قوم ما. فنظرا لهذا الفرق المهم بين التنمية والتغيير قيدت التغيير الوارد في التعريف بكونه «نحو الأحسن فالأحسن».

ب- الاستمرارية إن العملية التنموية وتحقـيق مهمتها الحضـارية لا تتم في يوم وليلة أو في عشية وضحاها، بل تأخذ زمنا يطول ويقصر على قدر عزائم الناس الساعين إلى التنمية. ولكن عملية التنمية لا تتوقف عند تحققها، بل لابد من المحافظة عليها وتحقيق المزيد منها، وبذلك تكون التنمية عملية مستمرة نحو الأحسن فالأحسن. وهذه الديمومة والاستمرارية للعملية التنموية تكون مستغرقة لحياة الأفراد والمجتمعات على حد السواء؛ بمعنى أن الأفراد يستنفدون أعمارهم من أجل التنمية، ويحرصون على نقل ذلك لمن يخلفهم في المجتمع.

بناء على ذلك، تكون هـذه العملية تواصلية استمرارية؛ مستمرة على مستوى الأفراد، متواصلة على مستوى المجتمعات، بحيث تتواصل العملية التنموية من جيل إلى آخر دون توقف. فإذا توقف جيل ما عن القيام بذلك يؤدي ذلك إلى خلل في العملية غالبا ما يؤدي إلى تراجع حضاري، كما حصل في العالم الإسلامي الذي شهد نهضة حضارية، ومن ثم بدأ تراجع طويل، والسبب في ذلك راجع إلى عدم استمرارية العملية التنموية وتواصلها بين أجيال مجتمع ما. فضلا عن ذلك، فإن خاصية الاستمرارية [ ص: 80 ] في التنمية نابعة من النظرة الإسلامية السامية للكون والحياة والإنسان؛ فالإنسان خلقه الله ليكون خليفة له في الأرض كما قال تعالى:

( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ) (البقرة:30) .

وهذا الاستخلاف لا مجال فيه للعبث وإضاعة الوقت فيما لا ينفع:

( أيحسب الإنسان أن يترك سدى ) (القيامة:36) ،

وقولـه تعالى: ( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون ) (المؤمنون:115) .

ثم إن هـذه النظرة السامية للحياة مبنية على التصور القرآني لخلق هـذا الكون وأنه ليس للعب ولا للعبث كما قال تعالى:

( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين ) (الأنبياء:16) ،

وقوله تعالى: ( وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ) (الدخان:38) .

إذن، فالإنسان لم يخلق سدى، ولا الكون خلق عبثا أو لعبا، فلابد أن يستثمر الإنسان حياته لتنمية ما في الكون، وهي المتمثلة في عملية التعمير:

( هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب ) (هود:61) ،

حتى يؤدي مهمة الاسـتخلاف التي نيطت به من قـبل خالقه (، ويقوم بعملية التنمية والتعمير خير قيام.

ويضاف إلى ذلك، أن الله ( كلف الإنسان بتعمير الكون، وتنمية ما فيه، واستثماره. وهذا كله في مقدور الإنسان واستطاعته وليس فيه [ ص: 81 ] تكليف له بما لا يطيق، لأن المولى سبحانه وتعالى حين كلف عباده بذلك يسر عليهم القيام به، وذلك بأن سخر لهم ما في الكون وذلل لهم الأرض تذليلا. وقد وردت عدة إشارات إلى ذلك في القرآن الكريم منها قوله تعالى:

( الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) (الجاثية:12-13) ،

وقوله تعالى: ( هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور ) (الملك:15) .

ثم إن قول الرسول (: « إن الرهبانية لم تكتب علينا» >[1] ينسجم انسجاما تاما مع المنظور القرآني للحياة والكون والإنسان. والرهبانية ليست بتشريع سماوي، بل هـي اشتراع بشري ابتدعته الأمة العيسوية (المسيحية) فجعله الله فرضا عليهم ابتلاء لهم. وهذا الأمر تدل عليه الآية دلالة صريحة وهي قولـه تعالى:

( ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا [ ص: 82 ] بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون ) (الحديد:27) . وفي تقديري أن الله سبحانه لم يشرع الرهبنة لعباده، بل كانت مبادرة من أتباع سيدنا عيسى (، فضلا عن نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك لأن الرهبنة بمعنى الانقطاع إلى أداء العبادات فحسب تؤدي إلى تعطيل مهمة الإنسان الاستخلافية، وما ينتج عنها من تعطيل لعمارة الأرض وتنمية لما في الكون. ولذا، فهناك تعارض بين الرهبنة وعمارة الأرض، أو قل بين الرهبنة والتنمية، ولا يزول ذلك إلا بذهاب إحداهما وبقاء الأخرى؛ فجعل الله سبحانه وتعالى عمارة الأرض مـناطة بالإنسان

( هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب ) (هود:61) ،

ونهانا رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عن الرهبنة، وبذلك رفعـت الرهبنة المبتدعـة، واسـتمرت عمـارة الأرض المشرعة من الله، وفي ذلك إشـارة إلى أن عملية التعمـير والتنمية مـتواصلة ومسـتمرة، ليسـت بمقصـورة على جـيل دون آخر، لأن مهمـة الاسـتخلاف للناس جمـيعا، فليسـت مهمة جيل دون آخر. [ ص: 83 ]

ج - الشمولية إن العملية التنموية لا تقف عند التطوير والتغيير المستمر نحو الأحسن فالأحسن، بل لابد أن يضاف إلى ذلك كله ميزة أخرى وهي الشمـولية. والمقصود بالشمـولية في عملية التنمية الإسلامية أن تكون فيها مراعاة لقدرات الإنسان وإمكانياته المختلفة، سواء أكانت مادية أم معنوية (روحية، نفسية، عقلية...) . فهذه الشمولية بالمعنى المتقدم تعد من خصوصيات التنمية الإسلامية التي تنفرد بهذه الخاصية عن سواها، حيث «إن القرآن الكريم يخلو تماما من ثنائية النفس والجسد التي شـغلت الفكر الأروبي الديني والفلسـفي، ذلك أن الإنسـان في المنظور القرآني هـو روح وجسـم، ولم يرد في القرآن قط ما يحط من قدر الجسم» >[2] .

وبناء على ذلك، فلا غرابة أن يكون الجسم أحيانا سببا للاختيار والتفوق على الآخرين كما ورد في قوله تعالى:

( وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم ) (البقرة:247) .

وحتى في مسألة الحقوق تختفي ثنائية الجسم والروح وذلك لتكاملهما ولتسوية [ ص: 84 ] الإسـلام بينهما، فلكل منهما حق على الإنسان كما ورد في ( قول الرسول صلى الله عليه وسلم : « ... إن لجسدك عليك حقا، وإن لعينك عليك حقا ) >[3] .

وفي تقديري المتواضع أن فشل العمليات التنموية في العالم الثالث، ولاسيما العالم الإسلامي، سببه الرئيس أنها لم تكن شاملة لقدرات الإنسان ومهاراته المادية والمعنوية، حيث إن أكثرها يركز على الجانب المادي الذي يراعي التنمية الاقتصادية المحصورة في زيادة الإنتاج وتنميته ولو كان ذلك على حساب الجانب المعنوي في الإنسان، إذ لا عبرة به في عملية التنمية. ولا شك أن هـذا الأمر يقود حتما إلى فشل العملية التنموية عاجلا أو آجلا، بل إن واقع العالم العربي والإسلامي اليوم يعاني من هـذه المشكلة في عملية التنمية، حيث «يشهد نسق القيم في المنطقة (العربية والإسلامية) صعودا للقيم المادية والفردية وتراجعا للقيم المعنوية والمجتمعية. وهذا التحول في القيم يهدد دون شك التوجه الإيجابي لقيم المجتمع ومسلكيات أفراده وجماعته، ويطرح تحديا لعملية التنمية، والتكامل المنشودين» >[4] . ولذا، فإن عملية التنمية في العالم الإسلامي لابد أن تتصف بالشمولية حتى تحقق ما تصبو إليه من تطوير وتغيير لهذا الواقع المتردي، فلا تكون مقصورة على قطاع دون آخر ولا مجال دون آخر. [ ص: 85 ]

د - الوعي بمقصود الشارع من الاستخلاف غني عن البيان أن الله سبحانه وتعالى استخلف الإنسان في الأرض، وسخر له ما في الكون جميعا، وجعل الأرض له ذلولا، لييسر له عملية القيام بمهمة الاستخلاف وتعمير الأرض. ولكن الأمر المعضل الذي يعسر علاجه هـو غياب الوعي من قـبل أبناء العالم الإسلامي بمقصود الشارع من الاستخلاف. وقد تقدم الكلام على معنى الاستخلاف أثناء بيان ما المقصود بالاستمرارية في عملية التنمية من منظور إسلامي، ولست أريد أن أعيد ما تقدم هـناك، ولكن أريد أن أبـين أهمية الوعي بمقصود الشارع من الاستخلاف في عملية التنمية، إذ لا يكفي مجرد العلم بذلك ومعرفته، بل لابد أن يكون هـذا الوعي حاضرا أثناء القيام بهذه المهمة ومصاحبا لها، بل لابد أن يكون دافعا قويا نحو قيام أبناء العالم الإسلامي بمهمتهم نحو حصول التنمية الحضارية.

ولذا، فإن الوعي بمقصود الشارع من الاستخلاف يكون خير دافع للعالم الإسلامي من أجل قيامه بالعملية التنموية وتحقيق عمارة الأرض واستثمار ما في الكون. وسبب ذلك أن الإنسان لابد أن يكون له هـدف يسعى إليه، ودافع ديني أو عقدي يكون حافزا له للعمل وبذل الجهد، بغض النظر عن قيمة هـذا الدافع ونوعيته. وكلما كان واعيا ومستحضرا لذلك الدافع الديني أو العقدي كان جهده أكثر وعمله أفضل، ولاسيما إذا كان المطلوب منه مستمرا طيلة حياته ومتواصلا بين الأجيال، مثلما هـو الحال بالنسبة للاستخلاف في التصور الإسلامي. [ ص: 86 ]

وهذا الأمر يستدعي من المسلمين اليوم استعادة الوعي الذي كان عليه حال الجيل الأول، الذي قام بالتنمية وأنجز تبعا لذلك حضارة وقام بمهمة الاستخلاف خير قيام. ولا أقصد بالوعي هـنا مجرد العلم النظري بمقصود الشارع من الاستخلاف، بل ينبغي أن يكون هـذا الوعي أو هـذا العلم مقترنا بالعمل، فلا يكون مجردا عن العمل، فإن مثل هـذا الوعي، وهو حال الأكثرية من أبناء العالم الإسلامي اليوم، لا يحقق المراد منه، ولذا اقترن الاستخلاف بالعمل والتكليف،

كما في قوله تعالى: ( ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون ) (يونس:14) .

هـ - الـرعاية إن ما نقوله عن التنمية والتعليم وما ينتج عن ذلك من نهوض حضاري، كله يبقى حبرا على ورق إذا لم تتم رعايته، لأن التنمية التي تحقق نهضة حضارية ليست بعملية فردية، بل هـي عملية حضارية يشترك فيها أفراد العالم الإسلامي جميعا، وتتضافر جهودهم لتحقيق التنمية المطلوبة للنهضة. ولذا، فمن الأهمية بمكان أن يتولى أولو الأمر في العالم الإسـلامي تبني المشـروع التنموي والسهر على تنفيذه وأن يحظى برعايتـهم ويحثوا الناس على ذلك فـ «إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن» >[5] كما قال بحق سيدنا عثمان (.

وبناء على ذلك، فإن المقصود بالرعاية هـنا أن يهتم أولو الأمر في العالم الإسلامي بأمر التنمية، وأن تكون الرعاية شاملة لمجالاتها جميعا. [ ص: 87 ]

فضلا عن ذلك، فلابد أن تكون هـذه الرعاية متوفرة للجميع فلا تكون متوفرة لفئة وغير متوفرة لأخرى، لأن ذلك من شأنه أن يجعل عملية التنمية مقصورة على فئة معينة، وبذلك تكون التنمية تنمية نخبوية لا تؤتي أكلها لتحقيق نهضة حضارية. ثم إن عملية التنمية لكي تؤدي مهمتها لابد أن يتوفر فيها عنصر التخطيط والتنظيم الذي يحرص على ذكره كثير من التنمويين أثناء تقديم مفهوم لمصطلح التنمية. وزيادة على ذلك، فإن حديثنا هـنا عن التنمية وليس عن النمو، لوجود فوارق بينهما، أهمها أن التنمية تعني تدخل الدولة بالتخطيط والتنظيم لإجراء عملية التطوير والتغيير السريع، بينما النمو يكون تلقائيا دون تخطيط ويعبر عنه أيضا بالنمو الطبيعي >[6] ، ومعنى ذلك أن التنمية لابد أن تتم تحت رعاية وتدخل الدولة.

ولذا، فالتخطيط والتنظيم، أو الرعاية بتعبيرنا، لعملية التنمية يساهم إسهاما كبيرا في نجاحها، ولاشك أن مثل هـذا الأمر لا يقوم به خير قيام إلا من له القدرة على ذلك وهي الدولة، من خلال أجهزتها ومؤسساتها [ ص: 88 ] التي تستطيع أن تشرف على تسيير العملية التنموية تخطيطا وتنظيما وتنسيقا وتنفيذا، أو قل كل ما تراه صالحا لذلك. وهذه الأمور كلها تدخل تحت معنى الرعاية. وعلى الجملة، فإن الرعاية بالمعنى المتقدم لابد من توفرها في العملية التنموية، حيث إن المبادرات الفردية والتنمية النخبوية مع غياب التخطيط والتنظيم لا تجدي نفعا ولا تحقق نهضة حضارية. ناهيك عن أن الحقائق التاريخية تؤيد ذلك، إذ إن الأمم التي حققت نهضة حضارية إنما كانت بفضل العملية التنموية الشاملة المخططة والمنظمة تحت رعاية أولي الأمر منهم.

و - التعاون والتكامل فإذا قام أولو الأمر في العالم الإسلامي بواجب الرعاية للتنمية، من حيث الاهتمام بها والتخطيط لها وتنظيمها وتوفيرها لأفراد المجتمع جميعا، فبعد هـذا كله لابد من استجابة المعنيين بعملية التنمية وهم أفراد الأمة الإسلامية وذلك بالتعاون فيما بينهم، ولاسيما أن شرعنا الحنيف يحثنا على التعاون فيما فيه خير وصلاح كما قال تعالى:

( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب ) (المائدة:2) ،

وكما قال تعالى: ( إن هـذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون ) (الأنبياء:92) ،

وقولـه تعالى: ( وإن هـذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون ) (المؤمنون:52) .

ولذا، فإن عملية التنمية لابد أن تكون تنمية للأمةالإسلامية كلها، وذلك [ ص: 89 ] بتعاونهم فيما بينهم وتكاملهم، وإلا فلا تنمية بفقدان ذلك كله. وليس يخفى على ذي لب أن التنمية في العالم الأروبي، التي كانت تنمية للأمة الأروبية كاملة، شملت أروبا كلها رغم ما بينهم من خلافات واختلافات تم تجاوزها من أجل التنمية.

وهذا النوع من التعاون يكون على مستوى إقليمي، بحيث إن كل إقليم من أقاليم العالم الإسلامي يقوم أفراده بتعاون داخلي من أجل إحداث تنمية إقليمية. فإن تحقق ذلك، ينـتقل إلى نوع آخر من التعاون أسمى وأرقى من الأول، بحيث يتجاوز حدود الإقليم الواحد ليحدث تعاون خارجي بين أقاليم العالم الإسلامي جميعا. وهذا النوع من التعاون الخارجي عبرت عنه بالتكامل الأممي، لأن لكل إقليم إسلامي خصوصيات يتميز بها عن غيره كما أن له نقائص.

فإذا تم التكامل فيما بينهم في مجال التنمية؛ فيستفيد كل إقليم إسلامي من خصوصيات ومميزات الآخر، كما يستكمل النقص الذي به من غيره، ولا يتحقق ذلك إلا بالتكامل الأممي. فضلا عن ذلك، فإن هـذا التعاون التكاملي يحقق وحدة العالم الإسلامي فيزداد أمر التنمية قوة، على خلاف ما لو كانت هـناك فرقة واختلاف بين أقاليم العالم الإسلامي فتضعف عملية التنمية وتؤول إلى الفشل، وصدق الله العظيم إذ نبه على [ ص: 90 ] هذا الأمر بقوله تعالى:

( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) (آل عمران:103) ،

وقولـه تعالى: ( وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين ) (الأنفال:46) .

ز - الاستقلالية لكل أمة خصائص تميزها عن غيرها، ولها تراثها الديني والمعرفي الذي يكون بمجموعه ثقافتها الخاصة بها. وبناء على ذلك، فإن العملية التنموية لابد أن تكون نابعة من خصائص ومميزات تلك الأمة، منسجمة مع تراثها الديني والمعرفي، ولا تكون مستعارة أو مستوردة. وبعبارة أخرى، فإن عملية التنمية لابد أن تـتم بعيدا عن أي نوع من أنواع التبعية بحيث يصح أن نطلق عليها «تنمية مستقلة». وعليه، فإن العالم الإسلامي إذا أراد أن يقوم بعملية تنموية ناجحة وأن يحقق نهضة حضارية فليس من سبيل أمامه إلا التنمية المستقلة التي يعتمد فيها على ذاته، ولا ينتظر تنمية أو تطويرا من الآخرين ولكن ينتظر منهم تعميقا لتنمية التبعية ومزيدا من الاستغلال.

إذن، فالتنمية الحقيقية للعالم الإسـلامي لا تتم عن طريق الاستيـراد أو تقليد نموذج معين في التنمية، بل لابد أن تكون نابعة من داخله معبرة عن وعيه وإدراكه بأن عملية التنمية لابد أن تكون مستقلة بعيدة عن أي تأثيرات خارجية وغريبة عنه. ولا غرابة أن يكون السبب الرئيس لفشل المشاريع التنموية في العالم الإسلامي، ولاسيما العربي منه، أنها لم تكن مستقلة، بل [ ص: 91 ] كانت متصفة بالتبعية والتقليد للنموذج الغربي في التحديث والتطوير. فكانت عملية التنمية وافدة من دول تختلف عن واقع المجتمعات الإسلامية.

ولذا، فقد ذهب كثير من المهتمين بالتنمية في العالم الثالث إلى أن «أزمة التنمية التي تعيشها الآن الدول المـتخلفة تعود إلى هـيمنة الفكر الغربي التقليدي وعدم قدرة هـذا الفكر على تحليل أوضاع الدول المـتخلفة، هـذا الفكر بما في ذلك التراث الفكري التنموي الغربي بعد الحرب العالمية الثانية ... أي يجب الاعتراف بأننا مازلنا بعيدين عن تشكيل فكر تنموي عربي مستقل» >[7] . زد على ذلك، فإن الواقع التاريخي يصدق ذلك، إذ إن الأمم قديما وحديثا حققت شهودها الحضاري بالاعتماد على ذاتها من خلال ما حققته من استقلالية في التنمية، وليس ببعيد عنا التنمية الحديثة في اليابان وما نتج عنها من تحديث وتطوير لمجتمعها مع احتفاظها بثقافتها الخاصة ومعتقداتها ولغتها.

وبناء على ذلك، «نستطيع أن نجزم، من خلال الاستقراء التاريخي والتجارب الحديثة في المجتمعات الإسلامية اليوم، أن عملية النهوض التي تعني التنمية بمعناها الشامل لا يمكن أن تحقق إلا من الداخل الإسلامي» >[8] ، أي عن طريق استقلاليتها بالعملية التنموية، فإذا تم تجاهل هـذا الشرط [ ص: 92 ] الضروري في التنمية أو التخلي عنه فإن ذلك يساهم في تكريس التخلف ويزيد في تنمية التبعية. وهذا الأمر يفسر لنا فشل التجارب التنموية في العالم الإسلامي منذ أربعة أو ثلاثة عقود تقريبا، إذ كانت تجاربهم تنمية للضياع، وضياعا لفرصة التنمية الحقيقية، وهي التنمية المستقلة، والتي عبر عنها تعبيرا دقيقا بعض الباحثين إذ سماها: «التنمية المفقودة»، يقول جورج قرم في هـذا الصدد: «ليست قضية تخطيط اقتصادي بإجراء بعض المعادلات الرياضية وبنقل معدات تجهيزية إنتاجية من العالم المتقدم صناعيا، واستقدام الأموال في حال نقصانها، إنما القضية هـي قبل أي شيء آخر اتساق مجتمعي واتزان حضاري. وهذا بدوره يتطلب وجود قيادات فكرية ونخب اجتماعية لها رؤية واضحة في أمور الرقي والانحطاط الحضاري، ولها مواقف راسخة مستقلة ضمن هـذه الرؤية هـي على استعداد للتضحية في امتيازاتها الآنية لتأمين مستقبل المجتمع» >[9] . ولكن استقلالية التنمية لا تعني بالضـرورة عـدم الاسـتفادة من الآخرين ومن تجاربهم، بل يبقى المجال مفـتوحـا للاسـتفادة من تجارب الآخرين، فليس هـناك منافـاة بين الاستقـلالية والاسـتفادة، ولكن المنافاة واقعة بين الاستقلالية والتبعية لكونـهما ضـدان لا يجتمـعان؛ فإما استقلالية وإما تبعية. [ ص: 93 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية