التعليم وإشكالية التنمية

حسن بن إبراهيم الهنداوي

صفحة جزء
2- أولوية التنمية التعليمية في الإسلام

تبين من خلال الكلام في مفهوم التنمية وهدفها من المنظور الإسلامي أن الإنسان محورها وهدفها بوصفه الكائن الوحيد في هـذا الكون القادر على إحداث تغيير وتطوير والقيام بعملية تنموية لما في الكون، وذلك بما اختصه الله سبحانه وتعالى به عن بقية الكائنات. وبناء على ذلك، فإن التنمية تحدث من أجل الإنسان، ولا يتم تحقيقها أيضا إلا بجهود الإنسان نفسه، فهو الذي يخطط لها ويسهر على تنظيمها ويشرف على تنفيذها، وذلك كله يتطلب تهيئة الإنسان وتأهيله للقيام بالعملية التنموية. ولذا، فليس هـناك من وسيلة تهيئه وتؤهله للقيام بهذه العملية أفضل وأولى من التعليم. ومن ثم، فلا غرابة أن يهتم العالم الإسلامي أول ما يهتم بالتنمية التعليمية ويرعاها حق رعايتها ليحقق التنمية المنشودة.

وعليه، فإن نقطة الانطلاق في التنمية الإسلامية والنهوض الحضاري إنما تبدأ من التعليم، فـ «مهما حاولنا أو توهمنا أن النهوض والتغيير والإصلاح يمكن أن يتم خارج مواضع التعليم، فإن التاريخ والواقع والتجربة الذاتية والعالمية تؤكد أن التربية والتعليم السبيل الأوحد إلى درجة يمكن أن نقول معها بدون أدنى تحفظ: إن التربية هـي تنمية بكل أبعادها، وأي مفهوم للتنمية بعيد عن هـذا فهو مفهوم جزئي وعاجز عن [ ص: 98 ] تحقيق الهدف» >[1] المطلوب من تلك العملية. وبعبارة أخرى، فإن التعليم يعد السبيل الوحيد الذي يمثل الانطلاقة السليمة للنهوض بالعالم الإسلامي من التخلف والتدهور والانحطاط الحضاري وتحقيق تنمية شاملة سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى المجالات الاجتماعية.

وزيادة على ذلك، فإن مما يزيد التعليم أولوية من حيث التقديم والاعتناء به قبل غيره أنه يعد التنمية الأم لبقية المجالات التنموية، إذ إن تعليم الإنسان المسلم وتربيته، يجعله مهيئا للقيام بالعملية التنموية في أي مجال، بمعنى أن الفرد المتعلم أينما توجهه لا يأتي إلا بخير؛ فإذا توجه إلى مجال الاقتصادي ساهم في تنميته وتطويره، وكذلك إذا توجه إلى المجالات الاجتماعية أو المجالات العلمية والتقنية أو غيرها. ومعنى ذلك أن التنمية التعليمية تؤدي حتما إلى تنمية المجالات الأخرى وتساهم مساهمة فعالة في تطويرها، والعكس ليس بصحيح، لأن الواقع التاريخي قديما وحديثا يدل على هـذا الأمر وفي العيان غنية عن البيان.

وهذا الكلام ليس نظريا، ولعل بعضهم لا يغنيهم العيان فيطالب بالدليل، فنقول: إن التجارب تصدق ذلك وتـثبته وتنفي عكسه وتكذبه، فمثلا «مع بداية الستينات اتجهت نماذج النمو الاقتصادي إلى [ ص: 99 ] الاستثمار في البشر من خلال إعطاء أولوية للتعليم والتدريب، وظهر في تلك الفترة مفهوم تنمية الموارد البشرية » >[2] ، مع أصوله الاقتصادية الواضحة. ولقد دلت بعض الدراسات التطبيقية التي قام بها كنـدريك (KENDRICK) وشولتز (SCHULTZ) وكازنتسى (KUZNETS) على نتائج مذهلة حول أثر تحسين قدرات البشر في النمو الاقتصادي بحيث إن 90% من ذلك النمو في الدول الصناعية كان مرجعه تحسين قدرات الإنسان ومهاراته والمعرفة والإدارة... فالقدرة الإنسانية وليس رأس المال هـي العنصر الدافع رقم واحد» >[3] .

وهناك أمر آخر ذو أهمية، إذا جعلنا التنمية التعليمية نقطة الانطلاق الضرورية للتغيير والتطوير والنهضة الحضارية، فإنها تحدث استقلالية في العملية التنموية . ومعنى ذلك أن إعطاء الأولوية للتعليم في العملية التنموية والاهتمام بذلك يكون أجيالا من المسلمين قادرين على تخليص التنمية من التبعية، ويصنعوا تنمية لها استقلالها الذاتي ونابعة من الإسلام ومنسجمة [ ص: 100 ] مع تعاليمه وموفرة متطلبات وحاجيات العالم الإسلامي. ولا شك أن مثل هـذا الأمر لا يتحقق إلا بجعل التعليم نقطة البدء في العملية التنموية حتى يتهيأ للعالم الإسـلامي رجاله ونساؤه الذين يصنعون التنمية صنعا ولا يستوردونها استيرادا. ولذا، فإن التنمية لا تكون تنمية حقيقية إلا إذا كانت بعيدة عن التبعية، وهذه الصفة المذمومة للتنمية لا تزول إلا بالاعتماد على الذات، ولا يتحقق ذلك إلا من خلال التعليم. فضلا عن ذلك، فإن واقع العالم الإسلامي وما اتصف به من تنمية تبعية سببها عدم وجود أناس ذوي كفاءات ومهارات وقدرات للقيام بتنمية مستقلة. والسبب في ذلك راجع إلى أن التعليم في العالم الإسلامي لم يعط الأولوية في العملية التنموية، ولم يلق حظه من العناية والاهتمام كما ينبغي.

التالي السابق


الخدمات العلمية