الحوار (الذات .. والآخر)

عبد الستار إبراهيم الهيتي

صفحة جزء
الحوار الداخلي «الحوار الوطني»

يعد هـذا الشكل من الحوار الداخلي أبرز أشكال الحوار مع الذات، ذلك أن التعايش الثقافي والتساكن الحضاري هـما اللذان يمهدان للحوار الذي هـو من ضرورات الحياة، فالحوار بين أهل البيت الواحد الذين يتفقون في المنهج ويلتقون في المصير المشترك هـو الوسيلة المثلى لتحقيق التوازن في الحياة الإنسانية.

ويكتسب الحوار في تراثنا الثقافي مكانة تدل على مجموعة من القيم والمبادئ التي هـي جزء أساس من الحضارة والثقافة الإسلامية، ويؤكد هـذا المعنى ما ورد في القرآن الكريم من آيات استخدمت لفظ الحوار في أكثر من مناسبة،

كما في قولـه تعالى: ( وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره ) (الكهف:34) ،

( قال له صاحبه وهو يحاوره ) (الكهف:37)

( قد سمع [ ص: 108 ] الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما ) (المجادلة:1) مما يثبت أن الحوار أصل من الأصول الثابتة للحضارة العربية الإسلامية ينبع من رسالة الإسلام وهديه، ومن طبيعة ثقافته وجوهر حضارته.

لقد اقترن الحوار في مجمل النصوص الشرعية بالعقل والتشريع مما يمنحه معنى ساميا في سياق تحديد مدلوله، ذلك أن الحوار العاقل هـو الذي يقوم على أساس راسخ ويهدف إلى غاية نبيلة هـي القبول بمبدأ المراجعة الذي يتجاوز الرجوع عن الخطأ إلى مراجعة الموقف برمته إذا اقتضت لوازم الحقيقة هـذه المراجعة وصولا إلى جلاء الحق وتوضيح الحقيقة.

فالحوار قيمة من قيم الحضارة الإسلامية المستندة إلى مبادئ الدين الحنيف وتعاليمه السمحاء، باعتباره تعبيرا عن أبرز سمات الشخصية الإسلامية السوية وهي سمة التسامح والمرونة في التفكير، فالحوار لا يكون إلا بالتي هـي أحسن، أي أحسن الوسائل وأقوم الأساليب وأقوم الطرق.

وبهذا المعنى، فإن الحوار قوة وسلاح من أسلحة السجال الثقافي، وهو وسيلة ناجعة من وسائل الدفاع عن كيان الأمة وعقيدتها ومنهجها لغرض تبليغ رسالتها وإظهار حقيقتها وإسماع صوتها وكسب الأنصار لها، وفق الصيغة والمنهج الذي يأمر به القرآن:

( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هـي أحسن ) (النحل:125) .

وتأسيسا على ما تقدم، فإن الحوار الذي يدعو إليه الإسلام لا بد أن يستند إلى الأسس والمنطلقات التالية



>[1] : [ ص: 109 ]

1 - الاحترام المتبادل.

2 - الإنصاف والعدل.

3 - نبذ التعصب والكراهية.

ومن هـنا فإن الاحترام المتبادل بين الأطراف المتحاورة هـو المنطلق الأول الذي يجب أن يرتكز عليه الحوار وفقا للتوجيهات القرآنية:

( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم ) (الأنعام:108) ،

وبذلك نضمن أن لا يكون الحوار ساحة للجاج العقيم والتطاول على أقدار الناس والمس بمكانتهم وتبادل الإسـاءة فيما بينهم، حتى لا يفقد الحوار صيغته الحضارية.

وإذا كان الاحترام المتبادل هـو المنطلق الأول للحوار فإن الإنصاف والعدل هـو المنطلق الثاني، ولنا في التوجيه القرآني قاعدة ثابتة وهداية دائمة،

يقول الله تعالى: ( ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ) (المائدة:8)

فالعدل هـو أساس الحوار الهادف، الذي ينفع الناس ويمكث أثره في الأرض ويستدعي الاعتراف بالفضل لذويه، ويعمل على إقرار الحق حتى ولو يكن في صالح جميع الأطراف.

ومن خلال اجتماع الاحترام المتبادل والإنصاف والعدل تتوفر قاعدة ثالثة من قواعد الحوار التي تقوم عليها منطلقات الحوار وهي نبذ التعصب والكراهية، وإننا لنجد أصل هـذه القاعدة في قوله تعالى:

( لا ينهاكم الله [ ص: 110 ] عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين ) (الممتحنة:8) . ولا شك أن هـذا التوجيه القرآني يرقى من مستوى نبذ التعصب والكراهية إلى مقام أرفع وهو البر بالناس الذي يعني الإحسان بكل دلالاته الأخلاقية ومعاملتهم بالقسط الذي يعني العدل في الطرح والتوجيه:

( وقولوا للناس حسنا ) (البقرة:83) ، فالحسن هـنا ليس معناه مجرد التلطف بالقول والمجاملة بالخطاب وإنما هـو الحسن النافع في الدين والدنيا



>[2] .

وما دمنا نتكلم عن نوع محدد من الحوار وهو الحوار بين أبناء الأمة الواحدة باعتباره حوارا داخليا وصيغة من صيغ الحوار مع الذات، فإن ذلك يتطلب أن يشمل الحوار كل ما فيه مصلحة الأمة ومنفعة المجتمع الإسلامي، فلا يقتصر الحوار على موضوع دون آخر ولا يعالج مسألة دون أخرى، بل يجب أن يتسع ليتناول جميع الموضوعات ذات الصلة بحياة المجتمع، حاضرا ومستقبلا، ويغطي كافة القضايا التي ترتبط بجميع نواحي الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية والتربوية.

إن مما لاشـك فيه أن المجتمعات الإسلامية اليوم بأمس الحاجة إلى أن ينفتح فيها الحوار بشكل يتفق مع معطيات العصر وآفاقه الواسعة، ولن يتحقق ذلك إلا بما يلي



>[3] : [ ص: 111 ] 1 - تحصين الذات من خلال إصلاح أحوال الفرد والمجتمع.

2 - استخدام لغة العصر وأسلوبه، ليكون الحوار مدخلا إلى تحقيق التعامل مع المستجدات بقدرات أكبر وإمكانات أوفر وفرص أكثر.

وبذلك تسود روح الحوار أرجاء العالم العربي والإسلامي، ويتعمق من خلاله ما يمكن أن نطلق عليه «الحوار الوطني» داخل المجتمعات العربية والإسلامية.

إن الأمة اليوم مطالبة بفتح باب الحوار الوطني فيما بينها لتحقيق الوحدة الوطنية من جهة، ولتعزيز المواقف الإيجابية ودعمها، وتصحيح المواقف السلبية ومعالجة الأخطاء من جهة أخرى، ومن هـنا ينبغي أن يهدف الحوار الوطني إلى رصد العوامل التي تؤدي إلى تفاقم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية واحتوائه ومعالجتها بروح مخلصة وعقلية بناءة هـادفة، كما أنه ينبغي أن يهدف هـذا الحوار إلى تدعيم سبل الاستقرار والتنمية، لتكون تلك الحوارات بمثابة نقطة تحول وانطلاق إلى آفاق جديدة في واقعنا الاجتماعي والسياسي وفي ميادين الحياة كافة.

إن هـذا النوع من الحوار الذي يمكن أن نطلق عليه «الحوار الداخلي» هـو خطوة أولى نحو الحوار مع الخارج؛ لأنه يقوي النسيج الوطني بين أفراد الأمة، ويكسب المجتمع مناعة للتعامل مع العالم المحيط بنا، ذلك أننا لا يمكن أن نفلح في الحوار مع العالم ما لم نفلح في الحوار مع أنفسنا.

وبناء على ما تقدم، فإنه ينبغي أن يشمل الحوار الداخلي كل موضوع يهم الفرد والمجتمع، سواء كان ثقافيا أو فكريا أو سياسيا؛ لأن نجاح الحوار [ ص: 112 ] وفاعليته تكمن في شموليته واستيعابه لحاجة العامة، كما أنه يجب أن يرتكز هـذا الحوار على الأسس النظرية، التي أشرنا إليها أثناء الحديث عن مقومات الحوار وقواعده وشروطه وآدابه، ذلك أن الحوار على هـذا النحو الراقي يعد ضرورة من الضرورات التي تقتضيها عملية انتظام الحياة وتفرضها طبيعة التواصل البشري، فالحوار حركة مطردة وقوة دافعة وطاقة للإبداع يجب أن تعتمد على أسس متينة لضمان استمرارها وديمومتها، وقد كان للإسلام في جميع هـذه الأمور رؤية واضحة وموقف مبدئي من خلال التعاليم التي تحث على التعاون من أجل كل ما فيه الخير والحق لتحقيق السعادة لجميع بني البشر.

إن المتتبع لوضع العالم الإسلامي اليوم وما يمر به من أحداث عصيبة ومتنوعة يجد أن أمام أبنائه مهاما كبيرة لبناء الذات وتصحيح المواقف وازدهار الحياة، ولذلك فهو مدعو الآن أكثر من أي وقت آخر إلى أن يتعامل مع تلك الأحداث بعقلية مرنة وتفكير ناضج يستطيع من خلالها الانفتاح على آفاق العصر ومعطياته المتجددة، والدخول في حوارات جدية وهادفة مع جهات عديدة وعلى مستويات متنوعة ليثبت جدارته وأهليته للمساهمة في صياغة حضارة إنسانية تسود فيها قيم الخير والحق والفضيلة ويبرز فيها مبدأ التعاون والتسامح.

ويمكن لنا أن نحدد الموضوعات التي يجب أن يشملها الحوار الداخلي «الحوار مع الذات» بالمحاور التالية:

1 - الحوار بين الفرق والمذاهب الإسلامية.

2 - الحوار بين العروبة والإسلام.

3 - حوار الشعوب مع القادة والحكام. [ ص: 113 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية